الفصل (37) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
### الفصل 37: ذكريات في المطر
لم يكن الأمر مهماً؛ فجواب "ديلنيا" كان معروفاً بالفعل. كان معروفاً أنها ممتنة لمساعدة "مارسيل"، لكنها لم تكن تنوي الاعتماد عليه؛ فهي لا تملك وسيلة لسداد الدين الذي تدين له به.
جلست ديلنيا القرفصاء أمام الصندوق الخشبي لتكتب ردها؛ كان الجلوس على الأرض غير مريح، لكنها لا تملك مكتباً. فتحت غطاء محبرتها الجديدة، بللت ريشة الكتابة، وبدأت تكتب. كانت أدوات الكتابة هذه قد أُرسلت أيضاً من قبل مارسيل إلى "جاك".
بدأت بكتابة رسالة إلى "صوفي"، ثم أنهت ردها إلى مارسيل شاكرة إياه على كل شيء، وحرصت في النهاية على إضافة سطر تخبره فيه ألا يقلق عليها. عندما انتهت، جففت الحبر وطوت الرسائل بعناية داخل الأظرف.
تحولت لمهامها التالية، واستقرت نظراتها على زهور السوسن الملونة.
— **ديلنيا:** "يجب تقليمها على أية حال."
متمتمة لنفسها، رفعت غطاء الصندوق الخشبي لتضع أدوات الكتابة أولاً. استقبلتها العملات الذهبية التي خبأتها في الداخل بوميضها، إلى جانب المشكلة التي حاولت بوعي ألا تفكر فيها سابقاً.
ثلاث تيجان ذهبية. كلها دفعها "رون"، رغم أنها في عينيه كانت إهانة لها. تاج واحد مقابل قراءة الرسالة المخزية في ذلك اليوم، وتاج آخر لتنظيف الطاولة بعد بضعة أيام، والأخير، بالأمس فقط، مقابل صنع كوب شاي جيد. كانت المشكلة أن الطاولة والشاي كانا دائماً على نفس الحال. ومع ذلك، فإن "مكافأتها" على أشياء كهذه يعني أن الأمر يعتمد بالكامل على مزاجه، ولا علاقة له بجهدها أو إرادتها.
'..لماذا العناء؟'
إنها مجرد خادمة، وإذا أمرها بفعل شيء ما، لا يمكنها الرفض. لم تفهم يوماً لماذا كان يكلف نفسه عناء ذلك، لكنها الآن عرفت هدفه: يريد "رون" أن تصبح خاضعة تماماً. يريد كسرها لدرجة أنها لا تستطيع حتى التفكير في النهوض، ليجعلها تعتقد أن القاع هو مكانها الطبيعي، ولتمحو نبلاءها وتصبح مجرد أمة. لم يكن هذا بالضبط ما تخيلته، لكن رون يعرف تماماً نوع الانتقام الذي تستحقه.
ستكون كاذبة إن قالت إنها لا تهتم، لكن مهما حاولت تحقير نفسها، كانت يداها لا تزالان ترتجفان من الإهانة، وقلبها يتألم لتلك العيون الزرقاء الثاقبة. ومع ذلك، وبشكل ما، كانت بخير. إنها هي من قررت تحمل عبء كراهيته، وإذا كان مقدراً لها أن تُعاقب أخيراً، فستفعل ذلك برقي. لقد اتخذت قرارها بالفعل، لذا لم يعد هناك شيء لا يمكنها تحمله.
ما جعل الأمر لا يطاق هو..
".."
رفعت ديلنيا زهرة سوسن واحدة لم تلمسها منذ انتهت من تحضيراتها؛ فاحت رائحتها العطرة في الأرجاء. كانت زهرة مختلفة، ورائحتها غنية ومريحة. ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تتذكر أيام الماضي. دائماً ما يحدث ذلك.
"رون!"
كان يوماً عادياً بلا أحداث، كعادتها حين ركضت نحوه.
— **ديلنيا:** "رأى أحدهم زهرة 'بيلفورت' الشقائق تزهر في الغابة. لنذهب لنراها."
— **رون:** "شقائق بيلفورت؟"
— **ديلنيا:** "نعم، إنها زهرة برية لا تنمو إلا هنا، ولا تنمو إلا في عمق الغابة، لذا حتى أهل بيلفورت لا يرونها."
— **رون:** "يمكننا إحضارها وزرعها في أحواض الزهور."
— **ديلنيا:** "لا يمكننا، لأنها تموت بسرعة في أيدي البشر. لذا عليك المجيء معي لرؤيتها."
— **رون:** "ولكن ماذا لو لينا.."
— **ديلنيا:** "سيتعين علينا المغادرة والعودة بسرعة قبل أن تكتشف الأمر، حسناً؟"
أمسكت يده المترددة وتسللا خارج القلعة وتجوّلا في الغابة. لكن عندما وصلا إلى المكان الذي أُخبرت عنه، لم يريا أي زهور. تجولا حتى توقفا بجانب جدول، خائبَي الأمل.
— **ديلنيا:** "لنعد."
— **رون:** "بالفعل؟"
— **ديلنيا:** "لكن ساقي تؤلمانني. لا أعلم. لا يهم."
تنهيدة انزعاج سقطت بثقل. نظرت ديلنيا إليه، مدركة أنه كان متذمراً طوال الوقت.
— **رون:** "اعذريني للحظة."
جثا على ركبتيه أمامها وخلع حذاءها؛ كانت لفتة غير معتادة بالنظر إلى أنه كان عادة يبتعد عنها. وعندما اتسعت عيناها من المفاجأة، أشار "رون" إلى حافة الماء.
— **رون:** "إذا ذهبتِ إلى هناك وغمستِ قدميكِ في الجدول، سيقل التورم."
أومأت ديلنيا برأسها بقوة كطفلة مطيعة، وشقت طريقها نحو الماء، لكن الصخور الحادة جعلت الأمر صعباً. تنهد رون مجدداً وهو يشاهدها تكاد تفقد توازنها، وفي النهاية حملها.
"آه!"
حاملاً إياها بقوة بين ذراعيه، تعثر للأمام ووضعها برفق على صخرة صغيرة مسطحة. كان الماء بارداً وصافياً، ربما كانت حرارة لمسته هي ما جعلت الأمر كذلك. ظلت ديلنيا تختلس النظر إليه وهي تتظاهر باللعب بالماء. كان "رون" لا يزال يبدو عابساً، لكنه كان ماهراً جداً في سلسلة هذه الأفعال، بما في ذلك الاعتناء بحذائها الذي تركته خلفها. ربما كان ذلك لأنه اعتاد على الاعتناء بأخته. كانت تشعر بالغيرة لأنه دائماً ما يضع "لينا" في المقام الأول، لكنها كانت تشعر بالسعادة عندما تتساقط لطفه عليها كقطرات الماء من الأعلى.
— **رون:** "انتظري هنا لدقيقة."
— **ديلنيا:** "إلى أين أنت ذاهب؟"
— **رون:** "سأعود قريباً، فقط لا تتحركي."
لم يقل لها إلى أين يذهب، ورحل واختفى بين الأشجار. شعرت ديلنيا بالقلق بسرعة، لكنها وثقت به كالصخر وانتظرت. وكما لو ليثبت أنه رجل يفي بكلمته، عاد رون بعد فترة قصيرة. وضع حذاءها أمامها بينما كانت تجفف قدميها المبللتين.
— **رون:** "اتبعيني."
— **ديلنيا:** "إلى أين أنت ذاهب؟"
لم يجبها مرة أخرى، لكن ديلنيا تبعته دون تردد؛ فقد طار قلقها وكأنه كذبة بمجرد كونها معه. ساروا وساروا على طول المسار الصغير الذي يتلوى عبر الأشجار الكثيفة والشجيرات. خفف زقزقة الطيور وصوت الرياح من حدة الصمت. وفي لحظة ما، توقف "رون" ودفع الشجيرات جانباً.
"واو!"
خرجت زهرة الشقائق بخجل من مخبئها كأنها كنز الغابة. بتلاتها الرقيقة ذات اللون الأرجواني المزرق اللامع امتزجت مع الخضرة العميقة حولها، خالقة جواً أسطورياً. بدلاً من قطف الزهرة، خفضت ديلنيا رأسها لتستنشق عبيرها. كانت رائحة خافتة، بالكاد يمكن اكتشافها حتى اقتربت بأنفها منها، وجعلتها تشعر بالوخز، تماماً مثل الصبي بجانبها.
بعد لحظات من الاستمتاع بجمال زهرة "بيلفورت"، وقفت ديلنيا أخيراً.
— **ديلنيا:** "شكراً لك على العثور عليها، رون."
رغم شكرها الصادق، ظل وجه رون بلا تعبير. ومع ذلك، كانت ديلنيا سعيدة، سعيدة لدرجة أنها لم تلاحظ أن السماء أصبحت الآن مغطاة بسحب داكنة.
— **ديلنيا:** "ماذا الآن؟"
لم يمض وقت طويل بعد أن استدارا للعودة إلى القلعة حتى بدأ المطر. لحسن الحظ، وجدا كهفاً صغيراً قريبين وتمكنا من الهرب من المطر. رغم أنها كانت في ظلام دامس، شعرت بالدفء والراحة لمجرد كونها معه. وبينما كانت تستمع للمطر وهو يغرق كل ضجيج العالم، أدركت ديلنيا أنها يمكن أن تبقى هكذا للأبد. لو استطاعا العيش وكأنهما الشخصان الوحيدان في العالم. ربما حينها يمكنها التوقف عن محاولة بناء كبريائها حتى لا تضطر لإخفاء حياتها المثيرة للشفقة. ربما حينها لن تخجل من نفسها بعد الآن.
لكن على عكسها، لم يتوقف رون عن النظر بتوتر إلى السماء. عندما لم يظهر المطر أي علامة على التوقف، فقد صبره أخيراً وركع على ركبة واحدة، وظهرُه يواجهها.
— **رون:** "اصعدي."
اتسعت عينا ديلنيا؛ كان هذا ظهراً لم يكن ليقدمه لها أبداً مهما توسلت. الظهر الذي كان يُمنح للينا بسهولة لم يترك لها مجالاً، وكان يجرح مشاعرها في كل مرة.
— **ديلنيا:** "حقيقة؟"
سألت، فكتف "رون" كتفيه بلامبالاة.
— **رون:** "لا يمكنني المساعدة، أنت بطيئة جداً."
لم تتأثر ديلنيا بتعليقه، وصعدت على ظهره. أرسل دفء بشرته مقابل بشرتها قشعريرة في جسدها؛ كان دفئاً لم تشعر به من قبل، حتى عند احتضان جرو أو قطة بقوة. وقف "رون" حاملاً ديلنيا على ظهره وبدأ يمشي بخطوات سريعة. انحنى تحت ظلال الأشجار قدر استطاعته، لكن ذلك لم يكن كافياً لإبقائهما بعيداً عن المطر. ومع ذلك، فإن قطرات المطر التي نقعت ظهرها وكتفيها لم تشعرها بالبرودة. ربما لأنها كانت تشاركه دفئه.
لكن بعد لحظة قصيرة من الفرح المكتوم، أدركت ديلنيا أن تنفسه أصبح أكثر اضطراباً، وأن ظهره أصبح أكثر سخونة.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا