الفصل (11) Sea Monster Stew,



تشبثت "بيتش" بردائها الذي يطارده الريح والتفتت للخلف. كانت الأضواء المتلألئة في الشارع والحصن الرئيسي القابع في المركز يبتعدان تدريجياً.

كانت الوجهة التي أشار إليها الرجل قرية هادئة ونائية، بعيدة تماماً عن صخب الحصن الرئيسي. وعلى عكس الشوارع الواسعة المضاءة، لم يكن هناك الكثير من المارة.

"المكان هنا صغير..."

"إنها منطقة حدودية." رد الرجل بحدة على تمتمتها. حسناً، كان عليها أن تكون ممتنة لأنه خرج بها أصلاً. كبحت خيبة أملها وقفزت بسرعة عن ظهر الطائر العملاق.

قادها الرجل إلى أعماق القرية، حيث ظهر زقاق خلفي قذر ومظلم.

"أين هذا؟... إنه مخيف. هل يجب أن ندخل؟"

"نعم."

سار بخطوات ثابتة، وكأنه يريد أن تدرك "بيتش" شيئاً ما، ولم يتردد في قيادتها إلى الأجزاء المظلمة من البلدة. كان هناك طفل رث الثياب يمد وعاء للتسول ويغفو على الأرض الباردة، وعاهرات يضعن مساحيق كثيفة يغازلن الرجل علانية، بينما كان المتسكعون الذين يحملون السيوف يراقبون "بيتش" بنظرات جانبية.

"هذه منطقة خارجة عن القانون في زاوية من 'كاراباس'، منطقة تخلى عنها القبطان منذ زمن طويل."

"منطقة خارجة عن القانون؟"

"إنها تعج بالأيتام والمتسولين والعاهرات والسكارى والبلطجية، حتى عالم القراصنة ينبذها. أضواء العاصمة الساطعة لا تصل إلى هنا. فحتى في بلد مُزين بالسحر ليبدو رائعاً، لا بد أن تختبئ مثل هذه الحقائق الكئيبة."

"ولكن لماذا أحضرتني إلى مكان كهذا؟"

"لأن هناك منظراً خلاباً لا يمكنك رؤيته إلا بعبور هذا المكان البائس."

"منظر خلاب...؟"

بعد التوغل في الأزقة، سارا عبر ممرات ضيقة حتى ظهرا فجأة أمام تلة منخفضة تؤدي إلى شاطئ فيروزي. كانت هذه أول مرة ترى فيها "بيتش" البحر عن قرب منذ خمس سنوات كاملة. لم تصدق أن الرمال يمكن أن تكون بهذا اللون الفيروزي.

"إنه مذهل! الرمال فيروزية."

"ليست رمالاً، إنها قطع من حلوى النعناع."

"كل هذا حلوى...؟"

"تعيشين محاطة بالمخلوقات السحرية (المألوفات) وتجدين هذا مذهلاً؟"

تجاهلت "بيتش" سخريته وأخذت نفساً عميقاً. كانت رائحة النعناع المنعشة كفيلة بتنقية أنفها المسدود من البرد. رمال خضراء شاحبة وبحر ملون بظلال سماء الليل العميقة؛ كان مشهداً خيالياً بحق. تنفست "بيتش" هواء الليل البارد وتحركت نحو البحر، تخطو فوق قطع الحلوى التي تصدر صوتاً تحت قدميها.

راقبها الرجل بذراعين متقاطعتين. وبينما كانت "بيتش" مسحورة بالأمواج، انحنت وغمست يدها اليسرى في الماء ببطء. لم تكن تعلم أنها ارتكبت خطأً، إلا عندما سمعت تحذيره الحاد. سحبت يدها بسرعة، لكن الأوان كان قد فات؛ فيدها المبللة تماماً كانت مغطاة بحراشف شفافة تلمع تحت ضوء القمر، ونبتت أغشية رقيقة بين أصابعها المرتجفة.

"ما الخطب؟" اقترب الرجل منها، فسحبت "بيتش" كم ردائها لتغطي يدها بسرعة.

"لا شيء. إنه فقط... الماء بارد جداً..."

فجأة، غسلت موجة كاحليها وبللت حذاءها الجلدي. تعثرت "بيتش"، فاندفع الرجل وأمسكها من خصرها فوراً.

"أخبرتكِ أن تكوني حذرة."

زمجر وهو يجذبها بقوة إليه، حتى التصقت أجسادهما. اتسعت عيناها وحبست أنفاسها، ثم التقت عيناهما. سقط غطاء الرداء الذي كان يحجب نصف وجهه، ولامس شعره الرمادي الكثيف وجهها. حدقت "بيتش" في وجهه المضاء بضوء القمر، ثم استعادت وعيها ودفعت كتفيه العريضين.

"قلت لك لا تعانقني دون إذن!"

"حتى مساعدتك تسبب ضجة." تذمر ووضعها على الشاطئ.

عادت "بيتش" لتنظر إلى البحر، وألقت نظرة سريعة تحت كم ردائها؛ لحسن الحظ اختفت الحراشف والأغشية. *هل يجب أن أقفز في البحر الآن؟* لم يكن لديها خياشيم بعد، لكنها قد تهرب إذا حبست أنفاسها. كانت هذه فرصتها في غياب "هيلدرت".

"لنعد." اقترب الرجل وأمسك كتفها بحزم.

"هاه؟ بـ.. بسرعة؟"

"علينا العودة قبل أن يتم تعزيز حراس سور الحصن."

"انتظر، أنا ما زلت..."

حملها بخفة بينما كانت تحاول الوصول للبحر، وقفز فوق الطائر العملاق الذي هبط فجأة، وانطلقا نحو السماء المرصعة بالنجوم. نظرت "بيتش" إلى البحر المبتعد بمزيج من الأسى والارتياح. لقد كانت فرصة مثالية للهروب، لكنها شعرت بالامتنان لأنها لم تستخدم هذا الرجل في هروبها؛ فهي لا تريد أن يعاني صديقها الأول بسبب قرارها.

وصل الطائر إلى شرفة غرفة "هيلدرت".

"أنا ذاهب. نومي هنيئاً."

أنزلها ببطء وهمّ بالمغادرة، فأمسكت "بيتش" بطرف ردائه.

"مهلاً."

"ماذا."

ترددت "بيتش" وتجنبت نظراته ثم تمتمت: "...شكراً لأنك خرجت بي."

هز كتفيه دون كلمة وقفز على الطائر. نظرت إليه بذهول؛ هل كان صادقاً؟ لم يطلب منها أن تدخله الغرفة كما توقعت. *هل كان اصطحابي للبحر مجرد حسن نية خالص؟*

"لكن اسمك هو..."

ابتلع الريح سؤالها، ولم يبقَ إلا وداعه الذي بدا حنوناً ومتبلداً في آن واحد، قبل أن يطير نحو القمر.

"مهلاً."

"أتيتِ مجدداً؟"

في الآونة الأخيرة، شعرت "بيتش" أنها تعيش على حافة الهاوية بسبب مساعد الأدميرال "موس" الذي يزور غرفة "هيلدرت" متى شاء. كانت تشعر بالبرد في عروقها كلما رأت ابتسامته المسترخية بينما هو لا يزال لا يتذكرها. *وهو حتى لا يخبرني باسمه!* كلما سألته، يتهرب من السؤال.

بعد ليالٍ متوترة لا تحصى، بدأ امتنانها يتلاشى.

"هل فقدت عقلك؟ ماذا لو تم القبض علينا!"

"حسناً... إذا قُبض علينا، سيتم قطع رأس كل منكما وكلي من قبل أسيادنا." رد بسخرية.

دفعتْه "بيتش" نحو النافذة: "إذا كنت تعرف ذلك، فلماذا تستمر في المجيء؟ هل تفعل ذلك لأنك تشفق عليّ؟"

"أشفق؟ على ماذا؟"

سأل بتعبير محير وصادق. *هذا الرجل... هو حقاً لا يتذكرني.*

جرح كبرياءها. شعرت بالحماقة لاعتمادها على صبي لا تعرف حتى اسمه. التفتت بظهرها لتخفي عينيها المحمرتين، وتحدثت بسخرية:

"أو... هل وقعت في حبي من النظرة الأولى أم ماذا؟"

"ماذا؟"

"هل تحبني لدرجة المخاطرة بحياتك للتسلل لغرفة رئيس العمال في كل مرة؟"

نظر إليها الرجل بظلم وفكر طويلاً قبل أن يهز رأسه: "أوه... اللعنة، حسناً. لنقل إن هذا هو السبب."

*أنت لست بارعاً في الكذب...* نظرت إليه "بيتش" بعيون نصف مغلقة: "همف. وقعت في حبي؟"

"نعم!"

"لا تكذب. من ذا الذي يقع في حب فتاة ولا يسأل حتى عن اسمها؟ أنت لا تعرف اسمي حتى الآن."

تعليقات

المشاركات الشائعة