الفصل (102) DeceivedYet Drawn to You,

 **


كان إدموند يرتدي رداءً منزلياً خفيفاً مثل بلير. ونظراً لأن شعره الأسود كان لا يزال رطباً، عرفت أنه استحم في حمام آخر.

قال بصوت خافت يظهر عليه التعب: "لقد كان يوماً طويلاً ومليئاً بالمشاكل."

حاولت بلير الابتسام وقالت: "...لقد كان كذلك بالفعل."

سألها وهو ينظر إليها باهتمام: "هل أنتِ بخير؟ لا بد أنكِ شعرتِ بالخوف مما حدث."

ردت بارتباك: "أنا.. أنا بخير."

لم يكمل إدموند الحديث، بل اكتفى بالنظر إلى بلير بنظرات عميقة، وكأنه يقرأ الأفكار والقلق المظلم الذي يدور في رأسها، ويشعر بالشكوك التي تحاول إخفاءها.

وقبل أن تستوعب بلير ما يحدث، أبعد الكوب وزجاجة المشروب عن الطاولة المستديرة، ومدّ يده نحوها قائلاً: "تعالي إلى هنا."

بعد تردد قصير، اقتربت بلير منه. وفي اللحظة التي لمستها يده، أمسك بكفها وجذبها برفق لتجلس بجانبه، واقترب منها بهدوء. نظرت بلير إلى إدموند بنظرات حائرة ومليئة بالشكوك؛ فرغم أنهما قريبين جداً من بعضهما في هذه اللحظة، إلا أن قلبها كان يشعر بالبعد والضياع.

همس إدموند وهو يقبل عنقها برقة: "ظننت أن هذا التقارب قد يجعلكِ تشعرين بالراحة قليلاً."

وكانت أنفاسه الدافئة تبدد برودة الغرفة وتزيد من حميمية اللحظة.

سألته بلير بحذر: "هل أنت فعلاً تشعر بالراحة الآن؟"

ابتسم إدموند بخفة وكأن سؤالها غريب: "لم أصب بأذى لمجرد أنني تشاجرت مع روفوس."

عقبت: "لم أقصد ذلك.. بل لأنك بدوت غاضباً ومضطرباً للغاية قبل قليل..."

رد بهدوء: "كما ترين، أنا أستعيد هدوئي الآن، فلا داعي للقلق."

اقترب إدموند من بلير وطبع عدة قبلات دافئة على عنقها. ورغم الشكوك التي تملأ قلبها، إلا أن ملامحه الحادة وقربه الشديد جعلا دقات قلبها تتسارع رغماً عنها.

لم تستطع بلير حتى الابتسام لتخفيف التوتر؛ فشعرت أن قبولها لاهتمامه وهي تشك في صدق مشاعره يعتبر نوعاً من الخداع. كان يجب عليها أن تبتعد، ومع ذلك، كان قلبها يستسلم لدفء وجوده. كم هي متناقضة ومربكة مشاعر الإنسان!

قال إدموند بنبرة نادمة: "أنا السبب في كل ما حدث اليوم. لو أنني تركتكِ في العاصمة (بورسا)، لما تعرضتِ لكل هذا الموقف."

ردت بلير وهي ترفع يدها ببطء وتمسح على شعره الداكن والناعم برفق: "هذا ليس صحيحاً.. ما حدث اليوم كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً؛ لأن غضب السيد روفوس وشعوره بالنقص كانا يغليان وينتظران لحظة الانفجار."

ابتسم إدموند ابتسامة باهتة وقال: "ربما.. إن شعور أخي بالنقص ينبع من وجودي أنا، لذلك فإن صراعنا معاً أمر محتوم منذ ولادتنا، ولن ينتهي إلا باختفاء أحدنا."

"..."

وأضاف: "على أي حال، أنا أرى أن الهروب وتجنب المشاكل ليس حلاً."

شعرت بلير وكأن كلامه موجه إليها شخصياً؛ كأنها هي من تتهرب من أسئلتها وشكوكها وتستسلم لعاطفته وكأن كل شيء على ما يرام.

سألته بوجل: "...هل سيغادر السيد روفوس إلى (رورشاخ) حقاً؟"

أجاب: "نعم."

"وهل هذا القرار منك أنت؟"

رد إدموند وهو يقترب منها أكثر: "بالتأكيد.. بدلاً من بقائه هنا دون فائدة، وعجزه عن إدارة أعمال والدي الراحل، وإزعاج خادمات القصر، من الأفضل له أن يذهب إلى هناك ليكون مفيداً ويخدم مصالحنا."

كانت بلير تعلم أن رورشاخ مملكة قوية تديرها النساء، وتأكدت أن إدموند لم يختر هذا الزواج لراحة روفوس، بل ليتخلص منه ويجعله يؤدي غرضاً معيناً مستغلاً وسامته ونسبه النبيل.

شبهت بلير نفسها بروفوس في هذه اللحظة؛ فكلاهما تم استغلاله في عقد زواج لخدمة مصالح أخرى. ورغم أنها لا تشعر بأي تعاطف مع روفوس، إلا أنها رأت واقعها من خلاله، وشعرت أن كلمات إدموند القاسية تلمس عاصفة الشكوك بداخلها.

وفي تلك اللحظات العاطفية، تلاشت الحواجز بينهما، واقترب منها إدموند بشغف أكبر لتبديد قلقها وخوفها، محتوياً إياها بكل حنان.

تنهدت بلير بخفوت، وشعرت بالاضطراب بسبب حضور هذا الرجل الطاغي. نظرت بسرعة نحو باب غرفة النوم المغلق بإحكام، وتملكها الحرج من أن يكون هناك من يستمع بالخارج. كانت الحقيقة أن ثقتها بإدموند اهتزت منذ أن عرفت أسرار ليلتهما الأولى، وأصبحت عاجزة عن تصديق مشاعره بالكامل.

عندما شعر إدموند بتشتت ذهنها، ابتعد قليلاً ونظر في عينيها.

وقال بعتاب خفيف: "يبدو أنكِ غير مركزة معي بالكامل الليلة."

تمتمت: "...إد."

سألها باهتمام: "هل تشعرين بالتعب؟"

لم تجب بلير، فتابع إدموند بغموض: "لقد كنتِ مستسلمة لي تماماً عندما كنا في العاصمة، فما الذي تغير فجأة بعد عودتنا؟"

ردت بلير بسرعة دون تفكير: "لم يتغير شيء.. لكنني كنت أشعر بعدم الارتياح والاضطراب طوال الوقت."

بدى أن هذا الاعتراف الصريح قد وضع حداً للموقف بينهما.

سألها إدموند وعيناه تلمعان ببرود: "ولماذا؟"

انخفض صوته وهو يستفسر عن سبب ضيقها، في حين أنها كانت قبل قليل مستسلمة لدفء حضنه. شعرت بلير أن مواجهته الآن ستجعلها تخسر كبرياءها.

تمتمت وهي تتهرب من نظراته: "...لا، لا شيء على الإطلاق."

لقد تصالحا للتو، ولم تكن تملك الشجاعة لمواجهة نظراته الرمادية العميقة. ورغم معرفتها أن الهروب ليس حلاً، إلا أنها فضلت الصمت.

تابعت وهي تنظر لأسفل: "كل ما في الأمر أن جسدي يشعر ببعض الإرهاق والتعب."

كان هذا التعب نفسياً بسبب الشك، لكنها لم تستطع الاعتراف له بذلك.

قال إدموند بحزم: "إذاً، يجب أن يراكِ طبيب العائلة."

ردت بلير: "هذا أمر مبالغ فيه.. لا داعي لذلك."

قاطعها إدموند: "بل سيفعل ذلك غداً."

ثم قام بترتيب ثيابها بعناية ليغطيها، في إشارة واضحة إلى أنه لن يقترب منها أكثر الليلة تقديراً لتعبها.

وتابع بصوت هادئ وحاسم: "من الجيد إجراء فحص عام للاطمئنان على صحتكِ؛ فأحياناً يرسل الجسد إشارات واضحة عندما يحدث أي تغيير داخلي."

أمالت بلير رأسها بعدم فهم؛ تغيير داخلي؟ لكنها سرعان ما فهمت تلميحه الخفي، فاحمر وجهها بشدة وشعرت بالخجل. ما الذي يفكر فيه هذا الرجل؟!

تمتمت بارتباك: "حسنًا.. أنا لا أتفق معك، فأنا لا أشعر بأي أعراض غريبة."

رد إدموند والابتسامة ترتسم على شفتيه: "لقد كنا مقربين جداً طوال الفترة الماضية، والاحتمال قائم وبقوة."

وأضاف وهو ينظر في عينيها بعمق: "بنجامين غائب الآن، لكنني سأرسل برقية عاجلة لطلب حضوره إلى القصر ليفحصكِ غداً. إذا كان الأمر يتعلق بما يدور في ذهني الآن... فهو أمر بالغ الأهمية لمستقبلنا."



تعليقات

المشاركات الشائعة