الفصل (101) DeceivedYet Drawn to You,

 


تعالت صرخات الذعر من الخادمات اللواتي تجمعن في البهو الأمامي لاستقبالهما. لم تكن بلير، التي عادت للتو إلى القصر، قد استوعبت الموقف الصادم تماماً وهي تواجه روفوس الثائر، ولم يكن روفوس ليفوت تلك الفرصة الذهبية للانتقام.

انطلقت صيحة مكتومة: "...آه!"

وصرخت إحدى الخادمات بذعر: "يا إلهي، سيدي الشاب!"

كانت عينا روفوس، المحمرتان بأثر الهزيمة الساحقة، ترتجفان بجنون. وبدا وجهه مشوهاً بالغضب العارم وهو يندفع بكامل ثقله نحو بلير.

"آه! سيدتي...!"

"كيااا!"

دوت الصرخات في كل مكان، ولم يعد أحد يعرف مصدرها وسط تلك الفوضى. وفي اللحظة التي بدا فيها أن الأجواء ستنفجر من شدة التوتر، توقفت قبضة روفوس—التي دفعها بقوة جعلت عروق يده تبرز بشكل مخيف—فجأة في الهواء، دون أن تلمس هدفها.

"...!"

شعر روفوس بمقاومة صلبة تمنعه، فجفل وتراجع خطوة إلى الوراء. وبعد لحظة من الصمت الصادم، أدرك أنه لم يلمس حتى خصلة شعر واحدة من بلير؛ فالمرأة التي كانت تقف أمامه منذ ثوانٍ اختفت تماماً من ناظريه، ولم يعد يحجب رؤيته سوى كتفي رجل عريضين.. كتفان وقفا كالجدار المنيع الذي لن يتمكن روفوس من عبوره مهما فعل. وبتنفس متسارع من شدة الحنق، رفع نظراته صعوداً.

كان إدموند يقف مديراً ظهره بالكامل لبلير، محكماً قبضته الحديدية حول معصم روفوس؛ لقد التقط يده ببراعة فائقة قبل أن تصل إلى زوجته.

وفي نفس اللحظة، اشتدت ضغطة إدموند الساحقة حول المعصم، بقوة بدنية هائلة جعلت روفوس يشعر وكأن عظامه ستتحطم. حينها فقط استعاد روفوس وعيه وحدق في إدموند بنظرات مليئة بالشر والغل.

صرخ روفوس: "أنت.. أيها اللقيط القذر، اتركني فوراً!"

دوى صوت إدموند المنخفض والبارد كالثلج فوق رأسه: "ما الذي تظن نفسك فاعلاً؟!"

وكانت عيناه الموجهتان نحو روفوس تشتعلان بغضب جليدي مخيف.

تأوه روفوس مع انقطاع تدفق الدم في يده وتصاعد الألم الفظيع، فصرخ بصوت حاد: "آه! أمي! أمي...!"

ورغم استنجاده بوالدته إيزابيل، لم يتراجع إدموند قيد أنملة، بل لوى معصم روفوس بعنف، ودفعه بقوة لتصطدم جثته بخزانة زجاجية قريبة من المدخل.

ومع قوة الاصطدام العنيف، تحطمت الزجاجات والمقتنيات فوق الخزانة مدوية بصوت تكسر حاد، وتعالت صرخات الخادمات مجدداً لتمزق سكون المكان. تحركت يد إدموند بسرعة خاطفة، وقبل أن يدرك أي شخص ما يحدث، كان قد أطبق قبضته القوية حول عنق روفوس مباشرة.

"خنق.. كحح..."

قال إدموند بنبرة قاسية: "للتطاول حدود، وقد تجاوزت حدودك بكثير."

توسل روفوس بصوت متقطع: "...اتركني.. اتركني..."

شدد إدموند ضغطته وتساءل بغضب عارم: "كيف تتجرأ على رفع يدك عليها؟"

كان من الواضح لكل من في البهو أن إدموند قد فقد هدوءه العقلاني بالكامل؛ وهو الرجل الذي لطالما تحمل إهانات ومضايقات إيزابيل لأكثر من عشرين عاماً دون أن يرف له جفن أو يفقد وقاره.

على بعد بضع خطوات، كانت بلير تقف بوجه شاحب كالموت وجسد يرتجف كأوراق الشجر. وعندما رأت وجه روفوس يبدأ في التحول إلى اللون الأزرق من أثر الاختناق، حبست أنفاسها بذعر، وأسرعت نحو إدموند ممسكة بكتفه بقوة.

هتفت بهلع: "إد.. توقف، أرجوك..!"

لكن جسده، الصلب كالصخرة، لم يتحرك حركات خفيفة حتى. ومهما حاولت جاهدة إيقافه، كان ثائراً للغاية لدرجة تمنعه من سماع أي صوت حوله. وفي تلك الأثناء، دوى صوت صارخ آخر من أعلى السلم.

"اترك ابني فوراً!"

أمال إدموند، الذي كان يتنفس بخشونة، رأسه ببطء نحو مصدر الصوت. كانت إيزابيل تركض هابطة درجات السلم وهي ممسكة بأطراف فستانها، وقد خلا وجهها تماماً من الألوان من شدة الرعب.

توسلت بنبرة أقرب للرجاء: "لقد قلت لك أن تتركه...!"

ضاقت عينا إدموند قليلاً، لكنه لم يرخِ قبضته عن عنق روفوس بعد.

تلك المرأة الأرستقراطية التي طالما داست على كبرياء ابن العشيقة وأهانته طوال حياتها، كانت الآن ترجوه وتتوسل إليه. بدا مظهر إيزابيل، التي حكمت القصر بغطرستها وأنانيتها، وكأنها على وشك الركوع أمام إدموند لإنقاذ ابنها. كان ينبغي أن يكون هذا المشهد مرضياً ومشفياً لغليله، لكن مشاعره الداخلية تشابكت بغرابة. ومع زيادة الضغط الطفيف حول عنق أخيه غير الشقيق، شعر إدموند بلمسة يد دافئة ورقيقة تتشبث بكتفه.

همست بلير بنبرة باهتة: "لا يمكنك فعل هذا يا إد..."

"..."

تابعت: "أنا أفهم مدى غضبك، لكن هذا التصرف... ليس من شيمك."

كان روفوس، المحاصر تحت تلك القبضة الشرسة، قد بدأ يفقد وعيه وتتحرك عيناه للوراء. حدق إدموند في ذلك الوجه المشوه لبرهة، وكتم لعنة غاضبة بين أسنانه، ثم ألقى بجسد روفوس بعيداً عنه باحتقار كمن يلقي بحفنة من القذارة.

وعندما تحرر روفوس أخيراً من القبضة التي قطعت أنفاسه، انهار وجهه على الأرض وانفجر في نوبة سعال حادة وجافة. أسرعت إيزابيل نحوه واحتضنت رأس ابنها بحنان بين يديها لحمايته. أبعد إدموند نظراته عن ذلك المشهد المثير للاشمئزاز، والتفت أخيراً لينظر إلى بلير.

كانت المرأة، التي هزتها تلك الفوضى المفاجئة، ترتجف بشدة. ومقارنة بروفوس، بدت بلير وكأنها الشخص الذي يوشك على الإغماء في أي لحظة من شدة الصدمة. مدّ إدموند يده ببطء نحو خد بلير، ثم تردد قليلاً خوفاً من أن تنهار تحت لمسته.

كيف يمكن لأي شخص أن يجرؤ على توجيه ضربة لامرأة رقيقة وضعيفة كهذه؟ ومهما حاول كبح جماحه، كان الغضب يستشيط في صدره مجدداً.

"كحح.. شهيق..."

قالت إيزابيل وهي تتفحص روفوس بلهفة ودموعها تنهمر: "أوه، بني.. عزيزي، هل أنت بخير؟"

ثم وجهت نظرات حادة ومليئة بالغل نحو إدموند وقالت: "أنت.. ما الذي تظن نفسك فاعلاً بحق السماء! هل تعتقد حقاً أنك ستنجو بفعلتك هذه؟"

رد إدموند ببرود وهو ينظر إلى قبعته الملقاة على الأرضية الرخامية الباردة للبهو: "إنكِ تملكين جرأة كبيرة لقول ذلك."

وتابع: "إذا كنتِ تنوين القيام بأفعال لا تملكين القدرة على تحمل عواقبها، كان عليكِ الاستعداد لمثل هذا الرد على الأقل."

دافعت إيزابيل بغضب: "ابني كان ثائراً وفقط! ألن تثور أنت أيضاً لو سمعت فجأة وبلا مقدمات أنه سيتم إرسالك إلى (رورشاخ) لتعيش كظل لامرأة؟ ألن يثير ذلك غضبك؟"

رد إدموند بجفاء: "إذا كان يريد تفريغ غضبه، كان ينبغي أن أكون أنا هدفه. لماذا لجأ إلى العنف وضد زوجتي بالذات؟"

"..."

وأضاف وهو يبتسم بسخرية: "ثم إن افتراضكِ خاطئ تماماً؛ فمنذ البداية، لم أكن لأوافق أبداً على الزواج من امرأة من (رورشاخ)."

وانثنى طرف فمه بتهكم: "على عكس روفوس، أنا لم أعش يوماً معتمداً على وجه وسيم أو سلالة ونسب فقط."

ما إن نطق بتلك الكلمات حتى تصلب جسد بلير بجانبه. ودون أن يلاحظ رد فعلها، تابع إدموند حديثه بلا توقف: "اعتبرا نفسيكما محظوظين لأن الأمر انتهى عند هذا الحد. كان من حقي الرد بنفس الأسلوب العنيف، لكنني تراجعت فقط إكراماً لزوجتي."

تمتمت إيزابيل: "أنت.. أنت..."

قال إدموند بنبرة آمرة: "موعد الزفاف بات قريباً جداً. وروفوس لا يملك شيئاً سوى مظهره الخارجي، لذا احرصي على تأديبه وتدريبه جيداً، وإلا فلن تجد مملكة رورشاخ أي سبب لتقبله كزوج."

ومع نظرة ساخرة وجهها نحو إيزابيل، لف إدموند ذراعه حول كتفي بلير وتوجه بها نحو غرفة النوم الرئيسية. ومن خلفه، صرخ روفوس بصوت مبحوح تماماً وهو لا يزال يسعل: "لقد سرقت كل ما كان يجب أن يكون ملكي! ذلك المنصب كان لي! كل ما تملكه الآن يعود إليّ أنا!"

وعلى عكس بلير التي تعثرت خطواتها عند سماع تلك الكلمات المريرة، لم يلتفت إدموند للخلف ولو لمرة واحدة. وعندما نظرت بوجل نحو ملامح وجهه، لم تجد فيها أي أثر للتردد أو التأثر.

بعد عودتهما إلى غرفة النوم، دلف ت بلير إلى الحمام بمفردها بناءً على إلحاح إدموند بأن تسترخي وتغسل جسدها أولاً. وقفت تحت المياه الجارية لفترة طويلة، لكن الأفكار السلبية والشكوك التي تغلغلت في عقلها رفضت أن تتلاشى مع الماء.

في الحقيقة، كانت مشاعرها متضاربة ومتشابكة منذ لحظة مغادرتهما العاصمة وعودتهما إلى (إيلدينفيل). وحتى أثناء تواجدهما في العربة، وهي تستند بين ذراعي إدموند وتستمتع بلمسات يده الحانية وهي تداعب شعرها، لم تتمكن من التخلص من شعور القلق والاضطراب الذي يعتصر صدرها. كان هذا هو الحال رغم أنها قبلت اعتذاره وعادا معاً كعاشقين أكثر قرباً من أي وقت مضى.

لأنها كانت تعلم في أعماقها أن هذا التقارب ليس سوى مسكن مؤقت للمشاكل.

أدركت أن علاقتهما لن تستمر وتستقر ما لم تُحل المشاكل الجوهرية والأساسية بينهما. ناهيكِ عن المسألة غير المحسومة والمتعلقة بطقوس الشهادة اللعينة.

*من كان يظن أن الليلة التي فتحت فيها قلبي له ستتحول إلى أمر مهين ومربك للغاية؟* بالطبع، من وجهة نظر إيزابيل، التي لم تكن تريد سوى زرع الفتنة والفرقة بينها وبين إدموند، كان الخبث والمكر أمراً حتمياً. وإذا كان سوء الفهم ناتجاً عن مؤامرات إيزابيل، فمن العدل والإنصاف الاستماع إلى وجهة نظر إدموند أيضاً، ولكن...

أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الأكاذيب؟ هل استخدم إدموند مشاعرها حقاً لتأمين منصبه كوارث شرعي للدوقية؟ لدرجة تجعله يضع روفوس لمراقبتهم خارج غرفة نومهم في ليلة زفافهما؟ كلما أمعنت التفكير في الأمر، كلما تضاعف قلقها ودارت في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

في النهاية، كان الأمر يعود كله إلى مسألة الثقة؛ ولأن إيمانها بهذا الرجل كان هشاً وسطحياً، كان قلبها يتأرجح مراراً وتكراراً. ورغم عدم قدرتها على الوثوق بإدموند بشكل كامل، كانت بلير لا تزال ترغب في البقاء بجانبه، تلهث وراء الحب والأمان؛ حتى لو اضطرت لإغلاق عينيها وسد أذنيها، وحتى لو كان عليها التمسك بالقلق الرابض في صدرها.

ووسط تلك الحالة النفسية الهشة، وبعد أن بالكاد رممت علاقتها معه، اصطدمت بروفوس وجنونه بمجرد عودتها للقصر.

كانت طريقة تفجير روفوس لعقدة النقص لديه تجاه إدموند عبر توجيه العنف نحوها، وحقيقة أن إدموند كاد يقتله رداً على ذلك، أمراً صادماً للغاية ومربكاً. ومع ذلك، فإن ما ظل يتردد في أعماق عقلها لم يكن المشهد العنيف، بل كلمات إدموند التي شعرت بطريقة ما أنها تعكس واقعها وموقفها الشخصي في هذا العقد.

أن الشخص ما لم يكن يملك مظهراً لائقاً أو دماءً نبيلة، فهو لا يعد مفيداً أو ذا قيمة، وبخلاف ذلك، فهو لا يستحق حتى النظر إليه. بدت تلك الكلمات القاسية وكأنها موجهة إليها هي الأخرى بشكل غير مباشر.

*’...لا، هذا ليس سوى شكل آخر من أشكال الشعور بالنقص لدي.’*

تمتمت بلير لنفسها وحاولت جاهدة تهدئة عقلها المضطرب، لكن الأفكار بمجرد أن تشتعل في الرأس، لا يمكن إطفاؤها بسهولة.

"آه..."

وبعد فترة طويلة، انتهت من الاستحمام، فارتدت رداءً منزلياً ناعماً وفتحت باب الحمام لتلتقي عيناها بعيني إدموند. كان يجلس عند الطاولة القريبة من النافذة، يقلب الكوب في يده بهدوء وعقلانية بردت تماماً.


تعليقات

المشاركات الشائعة