الفصل (9) Please Just Use Me



لم يمر سوى بضعة أيام منذ أن منّ عليها السيد الشاب بهذا الشرف المفرط. فماذا لو أثار موضوع الصداقة والتظاهر بأنهم أصدقاء مجدداً اليوم، وأمام الوكيل تحديداً؟


بعيداً عن احتمال تعرضها للتوبيخ والتأنيث بسبب تجاوز حدودها، قد ينتهي بها المطاف مطرودة من عملها.


«كان السيد الشاب يعاني من الوعكة حتى وقت قريب، لذا لم يكن هناك بد من ذلك. ولكن الآن بعد أن تحسنت حالته كثيراً—»


لكن الصوت الواضح لوطء الأحذية على الأرضية صعد السلالم بخطوات حثيثة ودون أن يتباطأ على الإطلاق. ولحسن الحظ، بدا السيد الشاب غافلاً تماماً عن وجود هذا الكائن الضئيل. بل إن الأعظم حظاً أنه حتى لو لاحظ وجودها، فإنه لم يأبه له أبداً.


كما اختفت خطوات الوكيل المستعجلة وهو يتبع السيد الشاب صاعدة إلى الطابق الثاني عبر الدرج. وحينها فقط استطاعت إيميلي أن تطلق سراح الأنفاس التي كانت تحبسها في صدرها.


ولكن، كان هناك شخص آخر يقف على مقربة منها، وقد توقف بدوره عن السير محاولاً تفادي الاتجاه نحوها من الجانب الآخر.


«إيميلي.»


كانت ميشيل، كبيرة الخادمات. تقدمت بخطوات بطيئة وتأملت إيميلي بعناية.


«يا لكِ من مسكينة! لقد شحب وجهكِ تماماً.»


«ماذا؟ لا، لم يحدث ذلك.»


«لماذا تشعرين بالخوف الشديد من السيد الشاب إلى هذا الحد؟»


«أنا لا أخافه.»


هزت إيميلي رأسها عمداً مع ضحكة خفيفة ومصتنعة. لكن ميشيل مدّت يدها إليها:


«تعالي إلى هنا، أنتِ لا تبدين بخير على الإطلاق.»


وفجأةً أُمسكت بكمّ ثوبها، وجرتها خلفها عبر الممر الذي يؤدي إلى يمين السلم المركزي.


«اجلسي هنا.»


كانت هذه الغرفة التي لم تطأها قدم إيميلي من قبل مليئة بأريكة طويلة ومسند للأقدام، ومكتبة تغطي جداراً بأكمله، وخزانة عرض مزخرفة. كما بدت ينبعث منها عبق رطوبة عتيق.


مجرد التفكير في اضطرارها لمسح الغبار عن كل تلك الكتب يوماً ما أعاد إليها ذكريات غير سارة، لكن إيميلي جلست بحذر على طرف الأريكة حيث أشارت إليها ميشيل.


أخرجت ميشيل زجاجة مزخرفة بإتقان من خزانة العرض، والتقطت كأساً من العربة بحركات متمرسة:


«خذي رشفة.»


استطاعت إيميلي التعرّف على السائل البني الداكن الممدود أمام وجهها بأنه شراب مسكر دون أن تحتاج حتى إلى شمه.


«أنا بخير.»


«لديّ أملاح استنشاق أيضاً.. هل تشعرين بدوار شديد؟»


لم تستطع إيميلي فهم الموقف الحالي، لكن ميشيل استمرت في عرض الشراب عليها:


«إما أن تشربي رشفة، أو أحضر لكِ الأملاح. هذا سيساعدكِ على استعادة وعيكِ.»


«نعم.. أنا.. إذن...»


تقبلت الكأس المصنوعة ببراعة بيدين ترتعدان. جعل هذا اللطف المفاجئ من ميشيل إيميلي تشعر بقلق عارم.


«إذن، لماذا تخافين من السيد الشاب إلى هذه الدرجة؟»


أمام أسئلة ميشيل المصرّة، شعرت إيميلي بالارتباك، لكنها تعمدت ألا تخفي نبرة صوتها المرتجفة:


«...لست خائفة من السيد الشاب وحده، فأنا أخاف بالقدر نفسه من السيد جيفرسون ورئيسة التدبير المنزلي. بل إنني أخشى كثيراً أيضاً ما إذا كنت أجرؤ على الجلوس على أريكة السيد أو إهدار هذا الشراب الثمين.»


«آه، فهمت.»


بدت ميشيل وكأنها استرخت تماماً، وأطلقت التوتر من كتفيها. اختلست إيميلي النظر إلى ردة فعلها وأخفضت عينيها بطاعة.


«إن لم تكوني ستشربين هذا، فأعطينيه.»


ربما خوفاً من أن تسكبه إيميلي بيديها المرتجفتين، استعادت ميشيل الكأس. شعرت إيميلي براحة أكبر بكثير، وهو ما لاحظته ميشيل وضحكت عليه خفية:


«هل ستكونين أكثر راحة وأنتِ واقفة؟ لا أحد يأتي إلى غرفة التدخين في هذه الساعة.»


«نعم، شكراً لكِ.»


عندما نهضت إيميلي من مقعدها بتلهف، ابتسمت ميشيل بتسلٍ:


«لقد كنت أراقبكِ منذ بضعة أيام، وأنتِ أفضل مما توقعت. ماهرة بيدكِ، ومطيعة، وحذرة في كل شيء.»


«شكراً لكِ.»


لكن إيميلي زداد توترها؛ فالكلمات التي تأتي بعد الثناء المفاجئ عادة ما تكون هي المغزى الحقيقي.


وبالفعل، كان الظن في محله.


«عليكِ أن تحذري من ذلك السيد الشاب.»


ابلعت إيميلي ريقها بصعوبة، بينما جلست ميشيل على الأريكة بدلاً منها، وترشف الخمر وهي تتابع:


«بالطبع، برؤية طريقة تصرفكِ، ربما لا داعي للقلق. لقد سمعت أنكِ تحدثتِ بذكاء شديد أمام السيد جيفرسون في المرة السابقة.»


كانت ملاحظة جعلتها أكثر توتراً.. ترى من صاحب اللسان الأطلق بين الخدم—أهو الوكيل أم رئيسة التدبير المنزلي؟


«على أي حال، ليس فقط رئيسة التدبير بل حتى السيد جيفرسون يبدو أنه يستحسن عملكِ، وكبير الخدم القادم من العاصمة لا يهتم بشؤوننا على أية حال.»


«...نعم.»


«ألا تسألين لماذا أقول لكِ أن تحذري من السيد الشاب؟»


لم تكن تعلم أن ميشيل، التي كانت تبدو دائماً مرهقة، تملك كل هذا الفضول. على أي حال، وبما أنها تبدو عالمة بالحديث الذي دار مع الوكيل في المرة السابقة، فلا فائدة من الضحك والتظاهر بالبراءة والجهل.


«السيد الشاب شخص يتوجب عليّ الحذر منه على كل حال. وبما أن لديّ الكثير من النواقص، أعتقد أنه من الأفضل ألا ألفت انتباه شخص بمثل هذه الأهمية مطلقاً.»


«صحيح.»


هزت ميشيل رأسها برضا، ثم أضافت بخفة إلى إيميلي التي كانت تراقب ردة فعلها:


«آه، كنت أتساءل عما إذا كان أحد الشبان قد أطلق لسانه بالحديث أمامكِ. ولكن برؤية كيف تضبطين نفسكِ، فلا بأس حتى لو كانوا قد قالوا شيئاً.»


بهذه الكلمات، أدركت إيميلي الغرض من هذا الاستجواب الغريب. كان لدى الجميع سبب وجيه للخوف من السيد الشاب، ولكن لم يكن من المفترض أن تعرف هي ذلك. لماذا؟


استعادت إيميلي أنفاسها بهدوء. كان رأسها مثقلاً بالتعقيدات لسبب آخر أيضاً: هل ينبغي لها أن تخبر ميشيل بأن السيد الشاب كان يتقرب منها متحدثاً عن الصداقة وأن يكونا أصدقاء؟


ولكن حتى لو كسبت ودها وثقتها الفورية بهذه الطريقة، فقد تفقد عملها في أسوأ الأحوال. والود والثقة المكتسبان في مكان عمل تُطرد منه لا معنى لهما، وبالتفكير بهذه الطريقة، لم يكن هناك داعٍ للتردد أو الصراع الداخلي.


«أنتِ تعملين هنا منذ فترة ليست بالقصيرة الآن.. أكثر من عشرة أيام.»


ميشيل، التي كانت تحسب الأيام بجهد خفيف، رأت وجه إيميلي الذي لا يزال متصلباً فواستها: وربما فسرت قلقها على أنه خوف.


«على الأرجح لن تكوني في خطر كبير. فحتى عندما لَجَأ إلى العنف الجسدي، كان ذلك مع عدد قليل من العمال الذكور فقط، ولم يرفع صوته قط على الخادمات.»


إذن فالسيد الشاب يلجأ للعنف الجسدي أيضاً! عندما هزت إيميلي رأسها دون وعي، ضحكت ميشيل خفية:


«على أي حال، سيعود رئيس الخدم قريباً، لذا عليكِ فقط الحذر حتى ذلك الحين. وسيجلب معه الدواء المناسب هذه المرة، لذا ربما لن تلتقي به حتى.»


ورغم أنها كانت تعلم ذلك بالفعل من حديثها مع هانا، إلا أن إيميلي أومأت بحذر وكأنها تسمع الأمر للمرة الأولى. لكن الحديث مع ميشيل لم ينتهِ بعد.


«بالتأكيد هناك شائعات حول ابن الكونت حتى في المدينة، أليس كذلك؟»


أمام هذا السؤال الصعب المفاجئ، ترددت إيميلي، لكن ميشيل ضغطت عليها:


«أخبريني، بصراحة.»


أخيراً، أجابت إيميلي بأقصى قدر ممكن من الصدق:


«قصر هايزفيلد يخص شخصاً رفيع المقام لدرجة أننا لا نعرفه حتى. وهم في الأصل لا يوظفون أشخاصاً من تولوم، وربما السيد الشاب الذي جاء للاستجمام يكره أهل الريف...»


«آه، لقد تحرفت الحقيقة قليلاً.»


ابتسمت ميشيل ابتسامة ساخرة:


«الذي يكره السكان المحليين هو الفيكونت بايتون، صاحب هذا القصر. وكبير الخدم الجديد، الذي يُقال إنه قريبه من بعيد، مثله تماماً.»


وحين اكتفت إيميلي بالرمش بعينيها، تابعت ميشيل شرحها:


«ابن الكونت الذي جاء قبل ستة أشهر تربطه صلة قرابة بالفيكونت بايتون أيضاً.»


مع ظهور كل هذه الألقاب لأشخاص مهمين، أصبح الأمر مربكاً، لكن ثمة شيء غريب. سألت إيميلي بتعبير يملؤه الشك:


«إذن ذلك الشخص قبل قليل ليس صاحب هذا القصر، بل قريب لصاحبه؟»


«صحيح، إنه الابن الأكبر للكونت روارد.»


إذن فهو لم يكن سيد عملها، بل مجرد قريب يقيم في منزل صاحب العمل! لم يخدعها أحد، ومع ذلك شعرت بطريقة ما وكأنها خُدعت. ولكن ربما لملاحظتها لشعورها بالظلم، استمر شرح ميشيل:


«وبما أن سيدنا شخص يتوجب الحذر منه أيضاً، فمن الصواب الاستمرار في الحذر من ذلك السيد الشاب. لأنه رغم أنه لا يستطيع توظيف أحد، إلا أنه قادر حتماً على طرد العاملين.»


«آه...»


«خمسة أشخاص طردهم السيد الشاب بعد أن تعافى، وثمانية أشخاص جعلهم يغادرون من تلقاء أنفسهم. هل سمعتِ أنه ألغى غرف الغسيل والمزرعة أيضاً؟ لأنها كانت تسبب الضوضاء والرائحة الكريهة.»


حسناً، إن كان بمقدوره طرد الناس، فهو في حكم صاحب العمل تقريباً. أعادت إيميلي ترتيب التسلسل الهرمي بسرعة في ذهنها المربك. وتماماً كما قالت ميشيل، كان السيد الشاب شخصاً يتوجب الاستمرار في الحذر منه حتماً.


على أي حال، هناك سبب للمثل القائل: «احذر من أولئك الذين تحمل ألقابهم حروفاً مزخرفة». فحتى الفارس النبيل في تولوم، الذي يُعتبر لقبه متواضعاً بين النبلاء، كان بإمكانه جعل الحياة صعبة بما فيه الكفاية إن أثرت غضبه. وبين النبلاء، حتى لو لم يعرفوا بعضهم البعض، فهم يساعدون بعضهم بادعاء أن أسلافهم قبل عدة أجيال كانوا أقارب، أو أن ابن أخ ابن عمهم كان زميل دراسة لبعض الأقارب هناك.


وإن كان حتى ذلك الفارس يملك علاقات مع العمدة ورئيس الشرطة، فلك أن تتخيل كيف سيكون الحال مع أشخاص من عائلة كونت وعائلة فيكونت من العاصمة!


«لقد تخلصوا من المزرعة في الحديقة الخلفية أيضاً، وباعوا كل الأبقار والخنازير والدجاج. لهذا السبب نشتري كل الحليب والبيض من الخارج الآن، وعربة التوصيل تجيئ وتذهب كل أسبوع.»


إذن فالسيد الشاب الذي جاء للاستجمام في منزل قريبه كان يتصرف بجموح وطيش شديدين. ويبدو أنه يمد يده على الخدم ويتجبر باستخراج العيوب في التنظيف.


على أية حال، لم تتوقع إيميلي من ميشيل، التي كانت تبدو الأكثر صرامة بعد رئيسة التدبير المنزلي، أن تشاركها كل هذا القدر من المعلومات. وبينما كانت إيميلي تتعجب من لطفها، جرحت ميشيل بقية الشراب في كاسها دفعة واحدة.


«على كل حال، لا داعي للقلق. والآن، لنعد إلى العمل.»


«حاضر.»


في جميع الأحوال، المهم هو أن السيد الشاب لم يلمحها حتى بعينه قبل قليل. ويبدو أنه بصرف النظر عن نوباته الجنونية بين الحين والآخر، فإنه لا يختلف عن أي نبيل آخر في الأوقات العادية.


شعرت إيميلي براحة أكبر بكثير. وبالمناسبة، عندما كانت تتجول في القصر الفسيح، لم ترَ الكثير من الناس يعملون. يبدو أن الجميع ماهرون تماماً في التكاسل والتهرب من العمل...

إرسال تعليق

0 تعليقات