الفصل (169) Garden of may_حديقة مايو,

 


أربعة أشهر قد انقضت منذ اندلاع الحرب.

وبدت أميان وكأنها تتآكل وتتحطم مع مرور الوقت؛ إذ أغلق التجار نوافذ متاجرهم، وآثروا البيع في غمرة ضباب الصباح السحيق والرمادي، بينما كانت المملكة تصادر وتنتزع كل بضاعة لا تزال صالحة للاستخدام، والماشية، والرجال الأصحاء من المدينة. ولم يتبقَّ ل يطوف في الشوارع المرصوفة بالحصى سوى اللاجئين البائسين والمتشردين محطمي القلوب.

وكانت طائرات الاستطلاع التابعة لقوات الحلفاء تحلق بين الحين والآخر بارتفاع منخفض فوق أسطح المنازل ل بث الذعر في نفوس السكان. وعلى الرغم من أنه لم تسقط قذيفة واحدة حتى الآن، إلا أن دوي المحركات العابرة كان يزيد من توتر الأجواء الخانقة، حتى كادت تنقطع حبال الصبر.

جلست فانيسا فوق المقعد الجلدي للسيارة، ووضعت كفها فوق بطنها الثقيل والمنتفخ؛ إذ كان ثقل البقاء والنجاة يضغط على صدرها بقوة. ولقد اشتدت عليها نوبات الغثيان الصباحي في الآونة الأخيرة، محولةً رحلة الترام البسيطة لشراء المؤن والوقود إلى عذاب لا يُطاق.

وكان الخوف يتملكها ويقبض على عنقها بأشد درجاته كلما داهمتها تشنجات البطن وآلام حادة تمزق أحشاءها. فتقبض على طفلها بأصابع مرتجفة، وتجبر الرئتين على التماس الهواء حتى يهدأ روع ذلك الذعر وينقشع.

وعادت إلى مخيلتها تلك اللمسة المثيرة للحركة الأولى ل طفلها؛ فقد كانت أشبه بفقاعة رقيقة تفرقعت تحت جلدها. لقد كان حمل طفل في أحشائها أمراً غريباً تماماً عليها حتى تلك اللحظة، غير أن تلك النبضة الواحدة والفريدة غيرت عالمها بأسره.

وكثيراً ما كانت تشعر وكأنهما شخصان يقبضان على يدي بعضهما بإحكام في عتمة الظلام؛ ومكنها ذلك من استيعاب المعنى الحقيقي للاعتصام والتمسك بروح شخص آخر وهي مغتربة في ديار غريبة تملأها العداوة والبغضاء.

ولم تكن اللغة قادرة على احتواء وعكس عمق هذه العاطفة؛ فقد كانت تضمر حباً جارفاً وعظيماً لتلك الحياة الصغيرة التي لم تلتقِ بها بعد، لطيفة لا يزال وجهها و ملامحها لغزاً غامضاً بالكامل. ولعل شوقاً دفيناً ل سكب حنانها وعطفها على شخص ما كان يتقد في حشاشتها ل سنوات طوال.

لقد غدوا رفاق سلاح وكفاح في مواجهة عاصفة عاتية، كُتب عليهما أن يستلقيا متجاورين فوق فراش ضيق، ويتشاركا الكتب، ويقتسما الدفء المحدود للموقد.

وكانت مستعدة بكل سرور لتدمير العالم بأكمله وسحقه في سبيل الحفاظ على سلامة هذا الرفيق الاستثنائي وتأمينه، غير أن الواقع أثبت أنه أقل وداً وترحيباً؛ وظلت بنية جسدها الضعيفة والمتآكلة هي العقبة الأكبر والمريرة في طريقها.

ومرت الأيام والأسابيع دون جدوى، فكانت تقتات وتعيش على الماء المحلى بالسكر وبعض الفواكه، عاجزةً عن ابتلاع وتجرع الأطعمة الصلبة. وداهمت التشنجات العنيفة بطنها، وجعلتها تلك الصباحات المروعة والمخضبة بالدماء مشلولة من شدة الخوف والهلع من فقدان طفلها وخسارته.

وكانت تمقت ضعف جسدها وهوانه في تلك اللحظات القاتمة والعصيبة؛ وفي أوقات أخرى، تلوم نفسها وتعنفها لأنها خاطرت بخوض غمار تلك الرحلة الشاقة والمضنية. فلم يكن التحوط والحذر يغنيان شيئاً أمام ذلك الأثر البالغ والسيئ الذي تركته الرحلة على جسدها.

"(آنسة ليبر. حان وقت الاستيقاظ.)"

وجاء صوت جاك مارسيال الهادئ والرزين ليسحب فانيسا ويعيدها إلى واقعها؛ فقد توقفت السيارة بالقرب من البوابة الحديدية الشاهقة والخاصة ب قصر المارشيونيس بولينياك.

ورغم أنها كانت قد تنحت واستقالت من منصبها كحاضنة ومربية قبل أسبوع، إلا أن أليس أظهرت كرماً و نبل عاطفة كبيرين عبر إرسال طبيبها الخاص للاعتناء بها. وامتدت هذه الرعاية لتشمل السماح لها باستخدام سيارة القصر كلما طلبت ذلك؛ وثبت أن مثل هذا العطف لا يُقدر بثمن في زمن الحرب.

"(من فضلكِ انتظري هناك ل برهة، سأساعدكِ على النزول.)"

وأسرع جاك من مقعد السائق وفتح الباب الخلفي بقوة، مادا يده المرتدية قفازاً. وترددت فانيسا ل لحظة قبل أن تقبل مساعدته وتخطو فوق حجارة الطريق.

"(امم، آنسة ليبر.)"

وقبض جاك على أطراف أصابعها في تلك اللحظة التي حاولت فيها فانيسا التراجع والانسحاب. ورفعت فانيسا رأسها تحدق فيه بحيرة ودهشة من هذه الجرأة التي لا تعكس عاداته وطباعه المعهودة.

"(أعتذر إن كنتُ قد تسببتُ في إخافتكِ أو إزعاجكِ. لكنني أظن أنني لن أكون قادراً على رؤيتكِ بهذا الشكل ل فترة من الوقت؛ فقد رغبتُ بشدة في توديعكِ قبل رحيلي.)"

"(هل هذا يعني... أنك قد...)"

" نعم، لقد تطوعتُ للانضمام إلى صفوف الجيش؛ وأرسلتُ طلبي قبل يومين وتلقيتُ الرسالة عبر ساعي البريد منذ قليل. وتم تعييني وتوجيهي إلى معسكر تدريب المجندين القريب من هنا.)"

وانقبض فكه بإحكام وهو يجبر الكلمات التالية على الخروج من بين شفتيه وحنجرته:

"(لذا، أود أن أطلب منكِ... هل يمكنكي أن تمنحني... تذكاراً أستعين به على تذكركِ، آنسة ليبر؟)"

"(سيد مارسيال، ماذا تعني بـ...)"

"(خصلة من الشعر، أو منديلاً؛ مهما كان صغيراً، أي شيء سيكون مجزياً وكافياً.)"

"(هذا أمر لا يليق ولا يصح؛ فأنت تعلم وتدرك أنني أملك خطيباً بالفعل.)"

"(...وأعلم أيضاً أن ذلك الرجل قد نسيكِ وتخلى عنكِ، على الرغم من أنكِ تحملين طفله في أحشائكِ.)"

واكتسى وجه فانيسا بشحوب جاف وهي تحدق في السائق الشاب. وفي واقع الأمر والحقيقة، كان جاك مخطئاً وواهماً تماماً؛ فثيودور ليام باتنبرغ لم يكن خطيبها أو زوجها المستقبلي، والأرجح أنه لا يملك أدنى فكرة عن وجود هذا الطفل الذي ينمو في رحمها.

**

إلا أن الخدم والعمال في قصر وعقارات بولينياك كانوا يؤمنون برواية وقصة مغايرة تماماً؛ فقد كانوا يتهامسون و يتناجون بأن خطيباً قاسياً وغادراً قد تخلى عنها ومضى، مرغماً إياها على حمل اسم "الآنسة ليبر" لأن ذلك النذل رفض منحها اسمه ونسبه. وانتشرت شائعات العلاقات الآثمة والمخزية كالنار في الهشيم بين الطبقات الدنيا.

"(في السابق، اعتقدتُ وظننتُ أن ذلك الرجل قد يبحث عنكِ و يقتفي أثركِ، ولهذا السبب حاولتُ كبح مشاعري ودفنها. لكنني لا أريد فعل ذلك بعد الآن؛ فأنا أشعر بأنني سأندم طوال حياتي إن استمررتُ على هذا النحو.)"

وأخرج قلادة فضية باهتة من جيب صدره، وفتح قفلها ل تبرز صورة ل جاك نفسه، يبدو فيها أصغر بسنة أو سنتين من هذا الجندي الذي يقف أمامها الآن.

"(هذا تذكار من والدتي الراحلة؛ وسأكون في غاية السعادة والسرور إن تلطفتِ الآنسة ليبر واحتفظتِ بها.)"

"(لا يمكنني قبول شيء كهذا على الإطلاق.)"

"(إن لم تقبليها وتأخذيها، سأظل قلقاً عليكِ ومشتتاً حتى وأنا في الخطوط الأمامية. فلانت ليست بلاداً مضيافة أو رحيمة ل امرأة تضع طفلها وتربيه بمفردها.)"

"(بوجود هذه القلادة، يمكن اعتبارها دليلاً على أننا متزوجان؛ وإذا عرضتِها على والدي، فسيسعده كثيراً أن يكون شاهداً على ذلك. آنسة ليبر، آمل وأتمنى أن تستخدمي اسمي وعائلتي إن كان في ذلك ما يسهل عليكِ حياتكِ ويخفف عذابكِ.)"

وارتسمت ابتسامة مائلة ومفجوعة فوق شفتيه وهو يلقي بتلك الدعابة المروعة:

"(وإذا قضيتُ نحبي ومتُّ، فإن الدولة ستؤمن لكِ راتباً تقاعدياً.)"

"(سيد مارسيال!)"

"(وبصرف النظر عن هذا كله، فإن حقيقة احتفاظ الآنسة ليبر بهذه القلادة ستكون دافعي وملاذي للعودة حياً، وهدفاً لحياتي وبقائي.)"

السيدة مارسيال.

ونطق جاك هذا اللقب الذي كان يتوق إليه بشدة ل فانيسا بنبرة حزينة وشجية. وزمت فانيسا فكها وهزت رأسها بالرفض:

"(يمكنني الاحتفاظ بهذا التذكار ل فترة مؤقتة؛ ولكن فقط لأنني أتمنى ويرجى عودة السيد مارسيال سالماً ومعافى.)"

"(سأبذل قصارى جهدي لنيل الأوسمة والميداليات؛ وحينها سأملك منزلاً وراتباً تقاعدياً مستقراً ومضموناً. وإذا تحقق ذلك، آنسة ليبر...)"

وانقطعت أنفاسه في حنجرته وهو يوجه نحوها نظرة عارية من كل زيف ومواربة:

"(هل تقبلين بالزواج مني؟)"

**

وهاجمت جسدها موجة جديدة من آلام وتشنجات البطن. ولهثت فانيسا حثيثاً، ثم انهارت مستندة إلى البوابة الحديدية للقصر الكبير. وجعلت تلك القلادة الفضية التي تفوح بحرارة غريبة في جيبها كل خطوة تبدو ثقيلة كأنها صيغت من الرصاص.

"يمكنكِ استخدام اسمي ونسبني متى احتجتِ إلى ذلك؛ إن كان في هذا ما يساعد الآنسة ليبر بأي شكل من الأشكال."

وعلى الرغم من رفضها القاطع والمباشر لذلك العرض والطلب، إلا أن جاك أرغمها وقذف بتلك القطعة الثقيلة بين يديها، وتوسل إليها أن تنظر إليه وتذكره دائماً.

وبدا الأمر كأنه حمل ثقيل ينوء به الصدر، ومع ذلك كان من المستحيل مقابلة رجل يهم بالانطلاق نحو ساحات الحرب والقتال بالجفاء والبرود.

فالجنود الذين يتم حشدهم للتدريب الأول يتم قذفهم وإرسالهم إلى ميدان المعركة في الخطوط الأمامية في غضون شهر واحد. وسرعان ما سيجد جاك نفسه غارقاً في جحيم لا يرحم، حيث الأمل المستميت هو طوق النجاة الوحيد؛ وكان بحاجة إلى دافع قوي يقاتل لأجله ليضمن النجاة والبقاء. وهذا يعني...

أن التكيف والقبول بالوضع الجديد لوطنها باعتباره عدواً لا يزال أمراً يصعب على النفس تجرعه أو استساغته.

ولقد لازمها ارتباك هائل وضياع كبير في أيامها الأولى في لانت، غير أن الحفاظ على توازنها العاطفي والنفسي كان يمسك بعقلها ويمنعها من الجنون.

وفقدان هذا التوازن والسكينة يعني حتماً الحكم على كل من حولها بالوقوع في مهواة الكراهية والبغضاء المطلقة.

فالحرب لا تقدم ولا تجود بشيء سوى المآسي والفواجع؛ وتلك الأرواح البائسة التي تُساق نحو المذبحة والهلاك ليسوا سوى إخوة، وأبناء، وأشخاص أبرياء يملكون أحبة يعز عليهم فراقهم.

وبتلك المعرفة المروعة واليقين المرير، بدا صدرها ثقيلاً ومحتقناً بشكل غريب؛ ولم يكن ذلك بسبب خدم القصر الذين يقفون بعيداً، بل بسبب سائق شاب ناصع الطوية ومبتهج، سرعان ما سيحمل بندقيته ويوجهها ضد أبناء جلدتها وقومها.

وكانت أطراف أصابعها متجمدة وهي تحاول كبح ذلك القلق العارم والذعر المتصاعد. فالبقاء في الخارج ل فترة أطول لن يجدي نفعاً؛ وقبضت على المقبض النحاسي للباب، لتنفتح البوابة الخشبية الثقيلة من خشب البلوط فجأة وبشكل مباغت من الطرف الآخر.

وتعثرت فانيسا وهي تخطو عبر العتبة، وكادت تصطدم مباشرة بجسد شخص يبدو عليه الهلع والارتباك.

"(يا إلهي! هل أنتِ بخير؟)"

وارتدت صيحة مكتومة من خلف تلال من الحقائب الجلدية التي كانت تعترض طريقها وتغلقه. وغطت فانيسا قلبها الذي كان يخفق بعنف وهيجان بكفيها، ولم تكن قادرة سوى على هز رأسها بضعف:

"(نعم، لقد فزعتُ وتفاجأتُ قليلاً، لكنني لم أصب بأذى.)"

"(أنا في غاية الأسف والاعتذار؛ لم أتوقع أن يفتح الباب بهذا الشكل المفاجئ والمباغت... آه، إنها الآنسة ليبر! لقد جئتِ لرؤية الطبيب، أليس كذلك؟ إنه يقوم حالياً ب فحص المارشيونيس والسيد الصغير في غرفة الدراسة، لذا تفضلي بالصعود إلى الطابق العلوي.)"

"(شكراً لكِ على إخباري وتوجيهي.)"

"(جان! هل ستظل واقفاً هناك طوال حياتك؟)"

ودور الخادم عينيه إثر سماعه ذلك التوبيخ الحاد والقاسي من رئيس الخدم، وانقبض وجهه ل يطلق تأوهاً صامتاً وممتعضاً.

"(نعم! أنا ذاهب، أنا ذاهب!)"

وقبضت فانيسا على الباب الخشبي ل تبقيه مفتوحاً على وسعه حتى يتمكن ذلك الشاب الذي يحمل الأحمال الثقيلة من المرور والعبور. وما إن خطت داخل الردهة الكبيرة والواسعة، حتى هاجمت حواسها أجواء من الفوضى العارمة والصخب الشديد.

"(انقلوا تلك اللوحات والرسومات بعناية وتؤدة! إنها تحف وأثر يعود لثلاثمائة عام!)"

"(ليصعد أحدكم فوراً إلى غرفة السيد الصغير!)"

"(هل عثر أحدكم على الجذع البني؟)"

وكان الخدم يسرعون صعوداً وهبوطاً عبر السلالم الفاخرة والممتدة تحت ثقل وصخب الحقائب التي لا تنتهي. بينما كانت الخادمات المذعورات يسارعن بلف الحلي والزخارف الزجاجية الرقيقة والقابلة للكسر داخل أقمشة الكتان السميكة. وجعل هذا الضياع الكبير والفوضى العارمة فانيسا تتسمر في مكانها فوق الأرضية، حتى شق صوت ناعم ذلك الضجيج.

"أستاذتي! أنتِ هنا!"

"(لويس.)"

وقفز لويس هابطاً الدرجات الأخيرة ليرسم ابتسامة واسعة، وقبض على أصابع فانيسا بقبضته الصغيرة والضئيلة. ولامس فرحه الطفولي شغاف قلب فانيسا، غير أنها سرعان ما زمت شفتيها ووضعت أصبع السبابة فوق فمها كعلامة تحذير وتنبيه:

"(يتعين عليك الحذر ؛ لقد أخبرتكَ أنه لا يجب عليك استخدام لغة إينغرام في العلن بعد الآن.)"

"(ولكن أمي قالت...)"

"(أنا من طلبتُ منه فعل ذلك؛ وعلى أية حال، سنغادر هذا المكان ونرحل عما قريب.)"

ووجهت فانيسا نظراتها نحو الأعلى؛ لتلمح أليس واقفة عند قمة السلالم، وقد دثرت جسدها بالفراء الثقيل واعتمرت قبعة شتوية متناسقة. وكان جلد بشرتها شاحباً كالجص، وترك المكياج الفوضوي خطوطاً داكنة ومستقرة تحت عينيها الغائرتين.

"لقد جئتِ في الوقت المناسب والمجزى؛ كنتُ أهم بإرسال شخص آخر خلفكِ لأنكِ قد تأخرتِ."

وبحركة حادة وخاطفة من معصم يدها، أمرت أليس الحاضنة بأخذ لويس وإبعاده. وثم قبضت المارشيونيس على يد فانيسا، وسحبتها لتقف أمام نسيج جداري واسع ومزخرف. وضغطت فانيسا على أصابع المرأة النبيلة المتجمدة، وانعقد حاجبها جراء قلق عارم غمر نفسها:

"لقد حدث أمر ما، أليس كذلك؟"

"جثمان شقيقي."

وتحجرت الكلمات وانقطعت في حنجرة أليس.

"لقد تم العثور عليه؛ وعلمتُ أنه وُجد بالقرب من الحدود."

وعضت أليس على شفتها السفلية بأسنانها ل تكتم وتكبح نحيباً يمزق حنجرتها وصدرها. وأغلقت عينيها ل تتجرع وتبتلع أنفاساً مضطربة ومرتجفة، ثم رفعت نظراتها نحو الأعلى لتتظاهر بالتماسك والسيطرة الكاملة على نفسها.

"لقد تلقيتُ أنباءً تفيد بأنه نُقل وسيتم إيصاله إلى مقر إقامة الماركيز في وينشستر ؛ وستبدأ مراسم التشييع والجنازة غداً."

وأحكمت فانيسا احتضانها وتأمينها لتلك المرأة المفجوعة والنائحة. فالوجه المتماسك والصلب قد يواري ويخفي أسى عميقاً وفاجعة كبرى، غير أن تلك الرعدة العنيفة والاهتزاز الشديد الذي كان يجتاح جسد أليس كان دليلاً على انكسارها وتحطمها الكامل.

"هل هناك... أي شيء يمكنني القيام به ل تقديم المساعدة؟"

وانهمرت دموع ساخنة ومغلية من  أليس؛ فالتفتت بوجهها لتكتم نحيباً يفطر القلوب في ياقة معطفها، صارعةً ومقاومةً حزنها وجلدها قبل أن تعود للحديث مجدداً:

"سنعبر الحدود ونرحل عند بزوغ الفجر؛ والخدم يعتقدون ويظنون أننا نقصد الفيلا الواقعة في الجنوب ل تجنب القصف والدمار."

"الحدود؟"

واستبدت بفانيسا صدمة ودهشة جعلتها ترتد خطوة للخلف؛ وخفضت نبرة صوتها ل تهمس ب همس عميق، ناسيةً تماماً ومتغافلة عن أن طاقم الخدم والعمال المحيطين بهما لا يستوعبون أو يفهمون لغة إينغرام.

"هذه الرحلة قد تكون طويلة جداً ومضنية؛ بل وقد تحفها المخاطر والتهديدات. سنعبر وننفذ إلى إسبيدا ()، ونركب على  متن السفينة، ونمر عبر مضيق تروتا ( ). ومن هناك، لن يتطلب الأمر سوى الوصول واللوذ بقاعدة الإمداد التابعة لقوات الحلفاء. وبمجرد إثبات هويتنا ونسبنا، سيتم تأمين عودتنا وإعادتنا فوراً إلى إينغرام."

"...."

"دعينا نعد ونرجع معاً، ليدي فانيسا؛ ليس إلى هذه البلاد التي يملأها الأعداء والخصوم، بل إلى ديارنا ووطننا الأم."

إرسال تعليق

0 تعليقات