الفصل (170) Garden of may_حديقة مايو,
دوت المدافع وتحطمت القذائف!
وكانت الارتجاجات العنيفة تزلزل الأرض وتهزها مع كل قصف مدفعي يصيب الهدف. وارتطمت القذائف بالوحل المتجمد، قاذفةً شظايا القنابل وأكوام الغبار نحو عنان السماء. وشقت صيحات الألم والزفير الشجي دخاناً كثيفاً يخنق الأنفاس.
ودمرت تلك الانفجارات التي تصم الآذان مدى رؤيته في وميض باهر وخاطف. فتعثر جندي كان يركض إلى جواره وسقط على وجهه غارقاً في الوحل. وانبثقت الدماء الساخنة والدافئة ل تتناثر فوق فك ثيودور ومعطفه بفعل الرياح الباردة والعاتية. فانحنى بجسده، وقبض بيده على ياقة معطف ذلك الرجل الساقط ليثبته فوق الأرض، بينما وجه بندقيته نحو مصدر نيران العدو.
انطلاق الرصاص، دوي عنيف!
وكانت رائحة النحاس المنبعثة من الدماء الزكية والحديثة تملأ حنجرته مع كل خطوة يخطوها بقوة وعزم. وتطايرت سحب ورذاذ باللون الأحمر القاني فوق ميدان المذبحة والمجزرة في كل مرة يخترق فيها الرصاص جسداً بشرياً. فالتوقف هناك يعني الهلاك والموت المحتم؛ وبدت خطوط خنادق العدو على بعد أمتار قليلة خلف ذلك الضباب الكثيف.
"أيها الرا... الرائد... سيادة الرائد..."
وشق ذلك الهمس المفجع والمحزن ركام الوحل. وكان الصوت واهناً وضعيفاً للغاية ل يصمد أمام الدوي العنيف والرهيب للأسلحة، غير أنه نفذ واخترق مسامعه المشدودة بالكامل. فوجه نظراته نحو الأسفل، عاجزاً عن تجاهل تلك الأنفاس المروعة والمحتضرة. وكان ذلك الجندي المشلول مستلقياً في الطين، يرمق ثيودور بنظرات خاوية تفيض ب سكرات الموت.
"أرجوك، أتوسل إليك... أنقذني. أرجوك، أتوسل إليك..."
ولقد تخلف فجوة ممزقة ووعرة في المكان الذي كان ذراع الجندي الأيسر مستقراً فيه ذات يوم. وتسبب نزف كميات هائلة من الدماء في دخول ذلك الرجل المحطم في صدمة عارمة، فكانت أطراف جسده تنتفض في تشنجات مروعة وخارجة عن السيطرة فوق الأرض المخضبة بالدماء.
إن أولئك الذين يتركون رفاقهم ويمضون يملكون فرصة أكبر بكثير لرؤية شروق الشمس التالي. وكانت نظرة خاطفة واحدة كافية لإثبات أن هذا الجندي قد خطت قدماه عتبة الموت والهلاك. وحتى لو سُحب إلى الخلف وأُرغم على التقاط أنفاسه مجدداً، فإن ثيودور قد عاين ما يكفي من الرجال وهم يغرقون في غيابات اليأس الأخير، ملعونين ب انكسار وتحطم أجسادهم.
وعندما حلقت طائرة تابعة للعدو في كبد السماء بدوي غامض ومقلق، اندفع ثيودور بجسده نحو الرجل. ووجه بندقيته نحو شبح مستقر خلف الأسلاك الشائكة، ليسقطه ب رصاصة واحدة خاطفة، ثم قبض على ياقة بذلة الجندي وسحبه خلف المتاريس الساترة.
"الخندق في الأمام مباشرة؛ هل بمقدورك الركض؟"
"آه، أوه..."
وانبثقت نبرة تشبه حشرجة حيوان حبيس من حنجرة الجندي، وانقبض وجهه من شدة الألم والوجع. وبدا أن الرعب والهلع قد سلبا عقله ورشده بالكامل، فلم يعد قادراً حتى على تمييز ومعرفة الرجل القابع أمامه. وضغط ثيودور بذراعه فوق ترقوة الرجل عندما شرع الجندي يلهث حثيثاً، وكانت جفون عينيه ترف ب إيقاع مضطرب ومذعور.
"استجمع روعك وهدئ من روعك ."
وبدأ صمت ثقيل وخانق يخيم فوق أرض المعركة وميدان القتال. وكانوا يطلقون عليه "الصمت المروع"، وهو النذير ب قدوم نيران الجحيم وموجة الهجوم التالية للعدو. ولم يكن هناك متسع من الوقت ل هدره وتضييعه.
"سأرفعك لتستقيم واقفاً عند عدي للرقم ثلاثة. اركض في خط مستقيم نحو الأمام. هل استوعبتني؟"
"أوه، آه، أوه."
"ثلاثة، اثنان... واحد!"
ورفع الجندي من تحت إبطيه؛ وما إن أفلت قبضته عنه، حتى دفع بالرجل نحو الأمام بكل ما أوتي من قوة وعزم، موجهاً إياه نحو الخطوط الأمامية.
"سأتولى حمايتك والتغطية عليك! اركض!"
وكان قصب البندقية يلفح كف يده ب حرارة حارقة، غير أن ثيودور اقتحم واندفع في وسط الأعداء. وغرس حربة بندقيته في الترقوة السفلية ل أحد جنود العدو ثم انتزعها بقوة. وانبثقت الدماء الساخنة ل تلطخ جبهته ووجنتيه. فداس فوق ذلك الجسد الساقط، ودار ب جسده ليطلق رصاصة جديدة في جبهة مهاجم ثانٍ كان يبرز خلفه.
وقفز فوق جذع شجرة ساقط، وانتزع صمام أمان قنبلة يدوية، وقذف بها نحو خطوط تجمع العدو.
انفجار مدوٍ!
وفي الوقت الذي خلف فيه الانفجار سحابة كثيفة من الغبار والتراب، أسرع ليستقيم واقفاً ومضى يركض حثيثاً. وقبض على جندي من ياقة معطفه وقذف ب جسديهما معاً ليحتميا في أمان داخل الخندق.
دوي متلاحق للرصاص!
ومتأخراً ب ثانية واحدة، حطم رصاص الرشاش الآلي الأرض البكر التي كانوا يقفون فوقها منذ برهة. وأسرع ضباط الصف والجنود نحوهم في ارتباك وهلع عارم.
"سيادة الرائد! هل جلالتكم بخير؟"
وانهارت قوى ثيودور ل يستند ب جسده المنهك إلى جدار الخندق، وهو يجر الهواء نحو رئتيه اللتين كانتا تشتعلان حرارة وألماً. وهز رأسه إيجاباً، وقبل مساعدة الرقيب، وأشار ب ذقنه نحو الرجل المصاب الذي غاب عن الوعي وسقط مغشياً عليه.
"خذه فوراً إلى الطبيب العسكري."
"أمرك !"
"أين تقع الثكنات والمقرات؟"
"آه، من هذا الطريق."
وشق أحد ضباط الصف الطريق أمامه. ولم تكن تلك "الثكنة" سوى ملجأ محصن دُثر ب غطاء قماشي سميك، وأُنير ب مصباح زيتي يرتجف ضوؤه خفوتاً. وبمجرد أن أدى الحارس التحية العسكرية وتراجع للخلف، أسند ثيودور جسده إلى الطاولة المركزية.
وكان قلبه يخفق بعنف وهيجان في صدره؛ وتدفقت مادة الأدرينالين في عروقه ب نبرة ثقيلة ومضطربة. فغرف حفنة من الماء من الدلو، وسكبها فوق وجهه ورقبته ل يطفئ تلك الحرارة اللاهبة في وضح النهار، ل يسمع صوت حذاء يتوقف خارج الخيمة.
ودخل ريفر روس وهو يحمل بين يديه صينية معدنية. وبمجرد رؤية ذلك الوجه المألوف، انقشع التوتر والعبء المستقر فوق كتفي ثيودور وأخيراً. ومرر يده ليسحب شعره المبلل نحو الخلف.
"ما هذا؟"
"سائل مطهر وضمادات ."
"ولماذا كل هذا؟"
"لقد أُصبت ب رصاصة في ساعدك سيدي."
ونظر ثيودور نحو الأسفل؛ فكانت الدماء تلطخ بذلته العسكرية وتنحدر فوق ظهر كفه. ولم يكن يشعر ب أي لسعة أو وجع، ولم يتلقَ أي نذير ب تمزق لحمه وجسده. فخلع معطفه وفتح أزرار قميصه.
وأنار ضوء مصباح الغاز البرتقالي الجزء العلوي من جسده؛ فقد صهرت الأشهر الطويلة التي أمضاها في وسط صخب المعارك وميادين القتال جسده ل يصبح صلداً وناحلاً، وكأنه صيغ وقُدَّ من حديد. ولولا تلك السحوج، والقروح، والندوب الملتهبة والمروعة، لظنه المرء آلة صماء.
لقد كانت الخطوط الأمامية طريقاً وعراً ومكشوفاً، تنهال فوقه قذائف الرصاص—جحيم مستعر يختلف تماماً عن السفن الحربية والمدمرات البحرية التي اعتاد عليها وعرفها سابقاً. وكان مكاناً كفيلاً ب تحطيم وسحق امرئ مثل ريفر روس، الذي عاين وإختبر أسوأ ما في القوات البحرية.
وإذا كان الأمر كذلك، فما عساه يكون حال من يعيش عند حد السيف؟
"لستُ الشخص المؤهل والمناسب ل قول هذا، ولكن سيادة الرائد، يتعين عليك العناية ب نفسك وحمايتها."
وأطلق ثيودور ضحكة خاوية وسكب السائل المطهر فوق الجرح. وثم، وكأنه يربط شريط حذائه، أحكم لف تلك الضمادة الكتانية بيديه بمفرده.
"كفى؛ أخبرني ب أمر آخر."
"وعن ماذا ترغب في أن أتحدث يا فندم؟"
ومسح ثيودور ما تبقى من آثار الدماء، وأحكم أزرار قميصه، وارتد ب جسده ليستند إلى الكرسي. ونظرت عيناه نحو ريفر، مستقرة فوق شيء بعيد؛ لعلها ديار ومكان لا يملك السبيل ل بلوغه أبداً.
"متى كانت المرة الأولى التي قصدت فيها غلوستر ()؟ وبماذا كنتم تسلون أنفسكم في الصغر، وماذا كنت تحب وتهوى؟"
وتعلق المعنى الكامن وراء تلك الكلمات المبهمة والغامضة في الأجواء. واستوعب ريفر روس ب فطنة وذكاء حالة ومزاج رئيسه وقائده.
"أقر وأعترف، لا أعرف ذلك الشخص ب مثل هذا التفصيل والدقة."
"ظننت وحسب أنكم كنتم رفاق طفولة وصغر."
"هذا صحيح وفي محله، ولكنهم كانوا من ذلك الطراز من الأشخاص الذين لا يطلبون لفت الأنظار أو الاهتمام. ولم يكن هناك سوى القليل من أبناء النبلاء بالقرب من باث () وغلوستر، لذا كانوا ينضمون إلينا نحن البقية في كثير من الأحيان. وأذكر أننا كنا نطالع الكتب معاً، أو ندفع الأرجوحة. وذات مرة، على سبيل الدعابة والترويح..."
وانتبه ريفر روس ل حديثه ف أطبق فمه بإحكام فوراً، واكتسى وجهه الصادق ب ملامح الحرج والتردد. وراقبه ثيودور في ذلك الضوء الخافت، وجاء صوته واهناً وخافتاً:
"على سبيل الدعابة؟"
"أنا، احم، قطعت وعداً يتجاوز قدراتي وإمكاناتي؛ عندما كنا نتسلى ونلعب."
"ريفر... هل لا تزال تذكرني؟"
آه؛ إذاً الأمر على هذا النحو.
وراح ثيودور يراقب ريفر روس؛ وبالنظر إلى طبيعة الرجل الصارمة والجامدة، فمن المستحيل أن يكون قد قطع وعداً عظيماً أو فضفاضاً، بل لا بد وأنه كان مجرد وعد مبهم وطفولي من قبيل "سأمد لك يد العون إن وقعت يوماً في مأزق أو شدة". أو لعلهم، ك أطفال في سن الخامسة أو السادسة، تحدثوا عن الزواج على سبيل الدعابة وحسب.
وخفض ريفر روس نظراته نحو الأسفل، وبدا عليه الحرج جلياً. فتبسم ثيودور، واستوى قائماً من كرسيه، وربت فوق ذراع ضابط الصف—وهي إيماءة ل إخباره بأن الأمر برمته لم يكن سوى تسلية، ولا داعي لكل هذا التشنج والتحفظ. وبدد ذلك الحديث العابر عن الحياة ما قبل الحرب تلك البرودة التي تنهش العظام.
فالحفاظ على وهم واستمرار الحياة الطبيعية يغدو أمراً بالغ الأهمية والضرورة عندما تبلغ الأمور حدها الأقصى؛ حفاظاً على إنسانيته، وعلى ما قد يتبقى من حياة عندما تصمت المدافع وأصوات السلاح في نهاية المطاف.
وعلى الأقل حتى يحل عهد أوديرن ()، فإن مثل هذا الترويح والتشاغل كان أمراً مطلوباً ومستحقاً.
"سيبزغ الفجر ويحل في غضون يومين."
"نعم؛ لقد وصلنا قبل الوقت المحدد والمقدر ب قليل."
واستوى ثيودور قائماً وسكب الماء في كوب من الصفيح. وبلل حنجرته الجافة وفتح ختم الرسالة المستقرة فوق الطاولة. وحوت في دفتيها الإحداثيات والخطوط التي رسمتها طائرات الاستطلاع عندما كانت المعركة لا تزال في حالة من الجمود الشرس والعنيف.
ووضع علامات فوق الخريطة ب قلمه، متتبعاً خطوط ومسارات الميادين الأكثر دموية وفاجعة، وثم تحدث إلى ريفر روس وكأن فكرة قد خطرت في ذهنه وتملكت نفسه للتو:
"سننطلق ونرحل في غضون أربع ساعات؛ اذهب ونل قسطاً من النوم، حتى لو كان ل برهة وجيزة."
"أمرك!"
وأدى ريفر روس التحية العسكرية، غير أنه تردد ل برهة، واكتست ملامحه حيرة نادراً ما تبدو عليه. ووجه نظرة خاطفة نحو الأرضية الملطخة بالدماء. فسأله ثيودور دون أن يلتفت بوجهه:
"لماذا؟"
"أعلم أنه طلب يتسم ب الجرأة والتجاوز، ولكن بعد استعادة واقتحام ذلك الحصن، أرجو من جلالتكم تقديم وإعطاء الأولوية ل سلامة حياتكم وحفظها، سيادة الرائد."
"فالرصاص أعمى لا يملك عيوناً؛ وأخشى... أن يتمزق جسدكم وتتبدد حياتكم."
ورفع ثيودور رأسه وأخيراً؛ ومواجهة ريفر روس ل تقديره وحكمه لم يكن مجرد أمر غريب، بل كان مباغتاً ومذهلاً. وبدا أنه حتى بالنسبة لهذا الجندي المخلص والراسخ، فإن الطريقة والسبيل الذي يسلكه ثيودور في طلب الموت قد غدا غاية في الطيش والاندفاع.
"كل فعل وإنجاز بشري له ثمن يجب سداده ودفعه، رقيب روس."
"حتى في ذلك الوقت الذي أنقذت فيه حياتي وحميت بقائي؟"
"بالتحديد؛ وبذلك الثمن، اشتريت ولاءك وإخلاصك."
"سأظل أقتفي أثرك وأتبعك مهما كانت الظروف وتبدلت الأحوال؛ وعلى أية حال، وبما أنك قد قدت المسيرة حتى ميلان (Milan)، فقد نلت وحزت الأوسمة والميداليات دون حاجة ل حصن أوديرن. ولا توجد جائزة أو مكافأة تستحق هذه المخاطرة وهذا التهديد بعد الآن."
وكانت تلك وجهة نظر منطقية وعقلانية تماماً؛ فلو كان يرغب في نيل إنجاز متوسط أو يسير، لكان قد انسحب إلى الخطوط الخلفية منذ أسابيع خلت. وكان بمقدوره قيادة قواته ورجاله ك الماشية التي تذبح وتُقاد نحو الهلاك بينما يكتفي هو ب وضع الختم والتوقيع فوق الوثائق والمستندات في مكتب آمن ومحصن، ترافقه حاشية ل صياغة أسطورة وحكاية بطولية يقبلها العقل.
وكان يعلم ويدرك جيداً كيف يصنع الرجال هيبتهم ومكانتهم، غير أنه لم يكن قادراً على سلوك ذلك السبيل أو تلمسه؛ فمنذ البداية، لم يخض غمار هذه الحرب ويقتحم خطوطها إلا ل غاية وهدف واحد ووحيد.
لتتمكن فانيسا وطفلها من دخول عالم وعائلة باتنبرغ في صيغة أكمل وأجمل من أي عالم مضى؛ ليرث ذلك الطفل كل ما هو حق ومستحق له، دون نظر ل جنسه، ويستقيم ك وريث و سليل ل الدوق دون أدنى شائبة أو عار.
ل غرس دين وثقل في قلب مجتمع إينغرام، يكون عميقاً بما يكفي ل إسقاط وتغيير قوانينه وأعرافه البالية والقديمة.
"كل ما يقع في قدرتي وإمكاناتي هو إشعال شرارة في البرلمان وحسب."
"نعم؛ وسيكون ذلك كافياً ومجزياً."
"أنت على يقين وتأكيد تام بأنهم متواجدون في أميان (Amiens)."
والوثائق والمستندات التي مهرها الملك ب توقيعه كانت تقوم على فرضية غياب "دوق باتنبرغ" وانقطاعه منذ البداية. ولقد خاطر ب حياته وقامر ب بقائه، ولأجل ذلك، كان يطلب ويطمح ل ما هو أبعد بكثير من مجرد نصر عسكري عابر؛ كان يتعين عليه استعادة واقتحام كل شيء.
ونفض ثيودور ذلك الصوت الحاد والجشع للملك وأبعده عن مخيلته وعقله.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا