الفصل (8) Please Just Use Me

  


كان آرثر يتحرك في الغرفة جيئة وذهاباً. كلما تخلص من الاحتمالات الخائبة واحداً تلو الآخر وأعاد تتبع خطواته، كلما أظلمت أمامه الرؤية وقلّت السبل. ترى ما هي الحالة الحقيقية التي يمر بها جسده؟ وكم من الوقت يتبقى لديه؟


إن عاد النخبوي اليوم من العاصمة... ذلك رئيس الخدم! اشتدت ملامح وجهه قسوة وصرامة حين تخيل وجه ذلك الخبيث العاهر.


كان صدى دقات قلبه يتردد في أذنيه، إيقاع نابض امتزج في لحظة ما بصوت نشيج خافت. أخذ يهز رأسه بقوة طارداً هذه الهلوسات السمعية كي يستعيد تركيزه.


لكن محاولاته ذهبت أدراج الرياح؛ إذ بدأ يسمع أصوات ضحكات. هل كان مخزون خياله يتهيأ له أم أن صوته هو شخصياً كان يتردد بين تلك الضحكات؟


أفكاره التي ظل يتأملها برهة، أخذت تتسارع بنمط غير طبيعي. تلك المرأة لم تكن مجرد بلا فائدة، بل كانت حطاماً كاملاً وميؤوساً منها. لقد أهدر جهده في شيء لا قيمة له على الإطلاق.


الآن، سحب اهتمامه بالكامل عن تلك المرأة. لم يعد يعنيه حتى السبب الذي جعل تلك الفتاة القروية تصبح على هذه الحال.


«……»


في لحظة ما، انقطعت حبل أفكاره المتصلة. كانت الهلوسات تأتيه من الخلف، ومن الجوانب، ومن كل الاتجاهات تتغلغل في رأسه. تناوب الانفعال والتعقل على الاعتلاء. ألم تكن كل جهوده في ضبط النفس مجرد مراعاة وحساب لأولئك الغرباء؟


ولكن بما أن كل ذلك كان بلا فائدة، فما الداعي لجهد لا طائل منه؟


أطاح بالأشياء الموجودة على الطاولة بضربة واحدة. تحطمت الأكواب وإبريق الشاي على الأرضية، وتطايرت الشظايا في كل اتجاه. أوقف صوت التحطم العالي تلك الهلوسات، ولم يتبق سوى صوت أنفاسه المتقاطعة واللاهثة.


وتجسيداً لتلك الوصمة كشخص يثير المشاهد المخزية بعقل غير راجح، انفرط في الضحك وسط الفوضى العارمة التي أحدثها في الغرفة.


أسرع آرثر خارجاً من غرفته ونزل عبر السلم المركزي. حتى تلك اللحظة، لم يكن يُرى حتى أثر لفأر، ولكن ما إن فتح الباب الأمامي للمنزل وصدر منه رنين عالٍ، حتى ظهر أحد الخدم الذي كان يختبئ متكاسلاً بفرار وعجلة.


«سيدي الشاب، إلى أين أنت ذاهب؟»


حين التفت آرثر، تردد الخادم الذي التقت أعينهما. وقبل أن يصبح الأمر مزعجاً، ألقى آرثر إجابة عابرة وخطا نحو الخارج:


«نزهة مشي.»


في غياب رئيس الخدم، لم يكن يهتم أولئك الخدم سوى بإبقائه -وهو القادم لغاية "الاستجمام"- محتجزاً بآمان داخل القضبان الحديدية للمنزل. وفي الظروف العادية، كان الخادم سيتبعه بهدوء، لكنه اليوم نادى بصوت مرعوب:


«السيد الشاب ذاهب لنزهة!»


وعندما لم يتبعه أحد، بدأ الخادم المتردد يهرول خائفاً خلف آرثر في اضطراب.


«هل تبحث عن بول؟»


بدلاً من الإجابة عن سؤال الخادم، توجه آرثر نحو الإسطبلات. هناك، وإلى جانب الرائحة التي لا يمكن تفاديها، كانت هناك أربعة أحصنة تُستخدم بالتناوب لجر العربة، وبول المستلقي هناك ثملًا حتى النخاع.


اقترب آرثر من حصان بني من سلالة هانوفر مطبقاً فمه. وحين أمسك بالعنان وفتح باب الإسطبل، تحدث الخادم الذي تبعه بعجلة:


«سيدي الشاب، سأرافقك.»


«افعل ما يروق لك.»


لكن الوكيل وثلاثة أو أربعة من العمال الذكور الذين جاءوا يركضون متأخرين سدوا المدخل. رفع آرثر حاجبيه.


«سيدي الشاب.»


«ما الأمر؟»


كان الوكيل يلهث جراء الركض الشديد، وكان وجهه يلمع بعرق في غير موسمه.


«أعتذر منك، لكن هذا الوقت ليس مناسباً لركوب الخيل.»


«وهل هناك وقت محدد ومناسب؟»


«والأهم من ذلك، لا أحد منا يملك مهارات فروسية جيدة تكفي لمرافقة السيد الشاب.»


«لكن هذا الخادم الواقف هناك قال للتو إنه سيرافقني.»


«هذا الغرّ ليس أهلاً لخدمة السيد الشاب ومرافقته.»


بما أن الشخص الوحيد الذي يمكنه الركوب بسباقه وسرعته فاقد للوعي من شدة السكر، فإن ركوب الخيل أضحى مستحيلاً في نهاية المطاف. وحين شخر آرثر باستخفاف، صرخ الوكيل بيأس:


«نعتذر عن قصورنا. لكننا تلقينا أوامر بذبح جميع الأحصنة إن حدث مثل هذا الموقف.»


وعندما تنحى الوكيل جانباً قليلاً، ظهر عامل يحمل بندقية بزاوية مائلة. ابتسم آرثر ابتسامة ساخرة من طريقة تعبيرهم عن هذا الموقف الجلل.


«آه، إذن سيتم الإبلاغ عن موتي على أنه حادث؟»


«الأمر يتعلق بثلاثة أحصنة فحسب، فلا تذكر مثل هذا الحديث المرعب.»


حدق آرثر في الوكيل المرتعد. كان وجه الرجل المصفر والمنتفخ يبدو قبيحاً بشكل خاص اليوم.


«...ليس لدي الكثير لأقدمه كبديل، لكني حصلت على بعض السجائر الجيدة.»


تساقط العرق من ذقن الوكيل الثخين. ومراقباً قطرات العرق وهي تهوي إلى الأرض، أدرك آرثر أن إثارة المزيد من الضجة لا معنى لها.


ولكن في الوقت نفسه، بدأ التباين تتلاشى تدريجياً من وجه آرثر وهو ينظر حوله.


لماذا أتى إلى الإسطبلات أساساً؟


إن النظر إلى الموقف بموضوعية بعد فوات الأوان جعل ذهنه يشعر بالابتعاد مجدداً. ربما كانت هناك فرصة لركوب الحصان، لكن لماذا اتجه إلى هنا بعد إحداث ضجة في غرفته؟


لم يستطع فهم السبب الذي جعله يلفت الانتباه عمداً ويزيد من حذر أولئك الذين لا يعلمون بحقيقة الوضع.


حدق في الفراغ للحظة، ثم أغمض عينيه. كانت خيبة الأمل التي يشعر بها كلما أدرك أن العقبة الكبرى أمام هروبه هي نفسه.. كبيرة للغاية.


لم يستطع فهم ما الذي يجعله يتصرف بهذا الدافع المفاجئ، لكن الوقت لم يكن مناسباً للتفكير في مثل هذه الأمور. سواء كانت هذه لا تزال آثاراً جانبية للدواء أو أعراض انسحاب جراء التوقف عنه، فإن لم تكن هناك طريقة للتعامل معها، فلا داعي لتحليلها.


ومع ذلك، لم يحن وقت الاستسلام بعد. إن كانت تلك المرأة من "تولوم" بلا فائدة، فكان عليه أن يخلص إلى إعادة فحص بقية الأشخاص في المنزل.


وبعد أن استعاد عقلانيته بالكامل، فتح آرثر عينيه ببطء وابتسم ابتسامة عريضة:


«هل هي سجائر بور لاراناجا؟»


«لم أتمكن من الحصول عليها، لكني تدبرت ثلاثة صناديق من كابانياس...»


«حسناً يا جيفرسون. تريشينوبولي كانت سيئة للغاية بحق.»


ثم اتجه إلى غرفة التدخين بابتسامة تهكمية، وكأن شيئاً لم يكن.


بمجرد أن أصبح العمل مألوفاً بعض الشيء، بدا وكأنه لا توجد وظيفة أفضل منها في العالم. كان كل شيء على أعلى مستوى من الجودة، وفي حالة ممتازة، ويسهل الحفاظ عليه.


بالطبع، ربما لأن هذا البيت ينتمي لأسرة أثرية ثرية، كانت هناك بعض الجوانب الغريبة نوعاً ما.


على وجه الخصوص، كانت الأجراس مثبتة على جانبي كل باب داخل وخارج القصر، بحيث حتى لو حاول أحدهم التسلل من الخارج، ستدق الأجراس في الداخل. كما أن حقيقة أن نوافذ الطابقين الأول والثاني تحتوي على مسامير لمنع فتحها كانت تبدو غير مألوفة تماماً.


يبدو أنهم كانوا قلقين للغاية بشأن اقتحام اللصوص، ولكن تنظيف النوافذ الخارجية كان وظيفة العمال الذكور على أي حال.


من منظور إيميلي، فإن عدم اضطرارها لتنظيف إطارات النوافذ كان أمراً مريحاً. كما أن إطلاقهم لكلاب الصيد ليلاً لم يكن يزعجها؛ إذ لم يكن لديها أي سبب للخروج من المبنى بعد ساعات العمل.


حتى إن هذا البيت كان يستعين بمصادر خارجية لغسيل كل الملابس باستثناء الغسيل الخفيف باليد. وقد وجدت أنه من الغريب أنهم لم يسندوا مهمة الغسيل الشاقة إلى هذه الإنسانة غير المهمة القادمة من تولوم.


«انزعي كل أغطية الأسرة وضعيها مع الأمتعة المتجهة إلى المدينة.»


«حاضر.»


اليوم لم تكن مكلفة بالتنظيف بمفردها في العلية، بل بعمل يتطلب منها التنقل في أجزاء مختلفة من القصر. وفكرة أنها لن تلتقي بذلك الشخص مجدداً جعلتها تشعر براحة أكبر.


تحركت بجد واجتهاد، باستثناء بضع غرف لم يكن بمقدورها دخولها. في القصر، كان عليها فقط تخطي غرفة السيد الشاب وغرفة السيد جيفرسون، وفي سكن العاملات، كان عليها تجنب غرفة رئيسة التدبير المنزلي فقط. وقيل لها إن سكن العمال الذكور ليس من شأنها.


«...آه، ها هي.»


عند وصولها إلى الباب الخلفي، وضعت إيميلي أغطية الأسرة التي كانت تحملها بين ذراعيها بحذر، وفتحت الأكياس المتراكمة على الجدار. كان اسم مصنع للغسيل في مدينة تولوم مكتوباً عليها، لذا لم يكن هناك أي خطأ.


خلفها وهي جائثة، توقفت هانا التي كانت تمر بالقرب منها وتهامست:


«تولوم.. لا، إنه لأمر مريب نوعاً ما إسناد الغسيل لخارج القصر، لكن ذلك الشخص لا يطيق أن يكون القصر صاخباً.»


كانت ممتنة لأن هانا أصبحت تعترف بوجودها من حين لآخر الآن بعد أن أصبحتا صديقتين نوعاً ما. علاوة على ذلك، في الآونة الأخيرة، كانت هانا تجيب بسهولة على أسئلة إيميلي الحذرة.


بالطبع، حافظت إيميلي على حذرها ولم تسأل قط عن هوية "ذلك الشخص الذي لا يطيق أن يكون القصر صاخباً". لكن هذا المستوى من الأسئلة كان لابأس به.


«ألست خائفة من اختلاط بق الفراش من مصنع الغسيل؟»


«كان الجميع في حالة هياج في البداية! لكن صاحب المغسلة قدم وعداً جريئاً أمام رئيسة التدبير المنزلي، وقال إنه سيغسل ملابسنا بشكل منفصل ونظيف.»


مع وجود أكثر من ثلاثين عاملاً وكمية مدخنة كبيرة، كان بالتأكيد مصنعاً، لكن هانا استمرت في تسميته بمحل الغسيل. إيميلي، التي ضحكت خفية، توقفت عند الكلمات التالية:


«عندما غيرتِ ملابسكِ في المرة الأولى، رأيت أنكِ نظيفة دون أي آثار لدغات. لهذا السبب أشارككِ الغرفة دون أن أطلب تغييرها.»


رغم أن إيميلي شعرت بأشياء مختلفة تجاه كلمات هانا الضحوكة والبريئة، إلا أنها اكتفت بالهز برأسها:


«...صحيح، هذا لحسن الحظ.»


مما علمته دون قصد، لم يكن موقع هانا داخل القصر يبدو جيداً بشكل خاص أيضاً. وبصرف النظر عن مشاركة الغرفة مع شخص من تولوم، ربما أُعطيت دور مراقبة ما إذا كانت إيميلي تغسل نفسها بانتظام يومياً.


«أنا ذاهبة.»


اختفت هانا، وحين انتهت إيميلي للتو من ملء الكيس، ونفضت الغبار عن يديها، ووصلت إلى أسرّة السلم المركزي—


«سيدي الشاب، إذن أين ستتناول العشاء—»


«لماذا؟ هل كان من الممكن تناول العشاء في مكان آخر غير غرفتي؟»


كان السيد الشاب والوكيل يمران بجانبها. قشعر صلبها عند إشارة الخطر الغريزية، فتراجعت إيميلي على الفور إلى الخلف.

إرسال تعليق

0 تعليقات