الفصل (7) Please Just Use Me

 


«جيد، يبدو أن هذا الكرسي القوي لا يحتاج إلى إصلاح.. ما الذي ينبغي أن نفعله بعد ذلك؟»


لحسن الحظ، سرعان ما تحوّل انتباه السيد الشاب إلى مكان آخر. فأخبرته إيميلي بما كان يفترض عليها القيام به:


«عليّ أن أجفف الكتب.»


«كل هذه الكتب بمفردكِ؟»


«نعم، لن يستغرق الأمر طويلاً.»


أجابت إيميلي وهي تطأطئ رأسها. كان استبعاد السيد الشاب من مجال رؤيتها يجعل الحديث أسهل بعض الشيء، بفضل تضاؤل شعور الهيبة والرهبة قليلاً.


«ممتاز. ستكون يداكِ مشغولتين، لكنكِ لا تزالين قادرة على الحديث معي، أليس كذلك؟»


دون أن تتمكن من الرفض أو الموافقة، تحركت إيميلي بسرعة، وبدأت تسحب الكتب من الرف السفلي وتفرشها واحدة تلو الأخرى على الأرضية التي تغمرها أشعة الشمس، حينها ضحك السيد الشاب.


«لا، لا تضعي الكتب مسطحة هكذا.. أوقفيها على أطرافها ليتخلل الهواء بين الصفحات، هكذا.»


وبينما كان يعرض عليها الطريقة بنفسه، لم تستطع إيميلي إخفاء حيرتها. ما الذي يدعوه لإظهار كل هذا اللطف؟


مهما أعملت فكرها، لم تجد سبباً منطقياً. فهي لا تعرف أي أسرار عن منطقة "تولوم"، ولا هي جاسوسة أرسلها أحدهم.


جلس السيد النبيل بنفسه على الأرض، وبدأ يفتح الكتب التي رصّتها، ملوحاً لها:


«هيا، أحضري المزيد.»


لا يمكن أن يكون السبب حبّه الخالص لهذه الكتب بالذات، ولا أظنه يملك شغفاً هائلاً بالتنظيف!


كل افتراض جال بخاطر إيميلي لم يكن له أي معنى على الإطلاق.. تماماً كتوهم أن السيد الشاب قد يكون شبحاً يقطن العليّة وليس بشراً.


«سأقوم بذلك بنفسي.»


«سننتهي أسرع إن تعاونّا.»


ترددت إيميلي للحظة. ستكون مشكلة حقيقية إن ظل جالساً هنا، لذا نطق بكلمات بدت ثقيلة على لسانها:


«قد يصعد أحدهم إلى هنا.. وإن رأوك يا سيدي الشاب...»


كانت تتحدث فقط بدافع الخوف على كرامته ونبله من أن تتلوث بجلوسه على الأرض.


رفع الأرستقراطي الشاب بصره إليها. مرّت لحظة صمت قصيرة، وحين اختلست النظر إليه، صرخت داخلياً في سرّها.


«آرثر.»


«...»


«لقد أخبرتكِ باسمي، أليس كذلك؟»


لماذا لم يخبرني أحد أن جنونه من هذا النوع بالذات؟ وإن كان من المنطقي ألا يكلف أحد نفسه عناء شرح نقاط ضعف سيده لغريبة قادمة من "تولوم".


كان السيد الشاب يظهر بوضوح نفس أعراض أمراء القصص القديمة الذين يشتهون التظاهر بأنهم من عامة الشعب.


«نعم.. آرثر.»


«جيد، إذن سأكتفي بالمشاهدة.»


لحسن الحظ، نهض السيد الشاب ومشى نحو النافذة. ومع ابتعاد المسافة بينهما، شعرت إيميلي براحة أكبر، وراحت ترتب الكتب بجهد ونشاط.


«على أي حال، لن يصعد أحد إلى هنا الآن.»


«نعم؟»


«لقد تحققت من كل شيء.»


لم تدرِ إيميلي كيف ترد على هذه الكلمات المبهمة، فاستمرت في عملها. غير أن كلمات السيد الشاب وتصرفاته الغريبة استمرت هي الأخرى.


«إيميلي، هل ذهبتِ إلى المسرح من قبل؟»


«لا، لم أفعل.»


«أفهم.. هل لديكِ هوايات مثل مشاهدة المسرحيات أو قراءة الروايات؟»


ورغم حيرتها، أجابت إيميلي بأكثر نبرة مهذبة ممكنة:


«أعتذر منك، لكني لست متعلمة بالقدر الكافي لأكون طرفاً مناسباً في تجاذب أطراف الحديث عن هذه المواضيع.»


«تتحدثين بطلاقة حقاً! وتعرفين كلمات معقدة أكثر مما توقعت.»


لم تتوقع إيميلي أن تتلقى إطراءً كهذا، ولم تتوقف أسئلة النبيل عند هذا الحد.


«هل عشتِ أنتِ وعائلتكِ طوال عمركم في "تولوم" فقط؟»


وتساءلت إيميلي بينها وبين نفسها إن كانت هذه مقابلة عمل، فأحنت رأسها وأجابت باحترام:


«نعم، وُلدت ونشأت هنا. وكان والدي يعمل في مناجم الفحم حتى توفي في حادث.»


«عجيب! يبدو أن لديكِ لهجة أهل "سورفيس".»


توقفت إيميلي قليلاً، ولكن بما أن اللهجة لم تكن شيئاً يمكنها اختلاق أعذار له كما فعلت مع القس وزوجته في المرة السابقة، لم يكن أمامها سوى الإجابة بالحقيقة:


«يبدو أن أمي عملت في تلك المنطقة لزمن طويل في الماضي.»


«في أي عائلة؟ بطريقة ما، عندما قلتِ "لست متعلمة بالقدر الكافي"، بدوتِ تماماً كأحد أبناء تلك المنطقة.»


«لم تكن عائلة نبيلة على الإطلاق، بل قيل لي إنه كان بيت أحد التجار.»


أجابت إيميلي بما سمعته، وفكر السيد الشاب للحظة قبل أن يطرح سؤاله مجدداً:


«على كل حال.. ما هي طبيعة الحياة في "تولوم"؟»


كيف تجيبه لتجعله يرضى ويغادر العليّة؟ وبعد تفكير قصير، ردت إيميلي:


«نحن لا نأكل الفئران، وآخر جريمة قتل حدثت في تولوم كانت منذ سبع سنوات، لذا فالأمن ليس سيئاً إلى هذا الحد. ومع ذلك، صحيح أنه بما أننا لا نستطيع شراء الفحم، فإن كل عائلة تجمع البقايا والفتات من حول المناجم لاستخدامها.»


حينها انفرطت من السيد الشاب -الذي اقترب منها دون أن تشعر- ضحكة خافتة:


«شخصيتكِ مثيرة للاهتمام.»


«شكراً لك على هذا الإطراء.»


«ولكن سيكون الأمر أروع لو نظرتِ إليّ وأنتِ تتحدثين.»


يا للورطة! هل بالغت في تفادي النظر إليه حتى بدا وكأنها تخفي شيئاً ما؟


لم يكن أمام إيميلي خيار سوى التراجع خطوة إلى الوراء وإدارة رأسها نحو السيد الشاب. لكنها لم تستطع مواجهة عينيه مباشرة، فاكتفت بالنظر إلى شفتيه.


«إذن، كيف تجدين العمل هنا؟»


«كل ما أخشاه هو أن تكون عيوبي عبئاً على الآخرين، ولكن كل شيء بخير. فالجميع هنا في غاية التهذيب و—»


يا للورطة مجدداً! برؤيتها لشفتي السيد الشاب تشتدان وتتصلبان، أدركت أن إجابتها كانت خاطئة. ألم يظهر أعراض التوهم بأن الجميع هنا غرباء وأطوارهم مريبة؟


سارعت إيميلي بالإضافة: «بالطبع، أنا مجرد عاملة هنا، لذا لا أفعل إلا ما أُؤمر به.»


«حقاً؟»


أدار السيد الشاب رأسه وتمتم بصوت خفيض:


«العمل هنا جيد إذن..»


شعرت إيميلي بتسارع أنفاسها من شدة التوتر. لماذا تفوهت بتلك الحماقة أمام الشخص الذي يتوجب عليها ألا تخطئ أمامه تحديداً؟


لامت نفسها، ولكن مع تشتت انتباهها بين اللهجة، ولغة العيون، ووقفتها، والمسافة بينهما، خرجت تلك الإجابة الروتينية من فمها دون أن تدري.


والآن، كان عليها حتى كتم أنفاسها، خائفة من أن يزعجه صوت تنفسها المتسارع.


لكن سؤالاً أشد إرباكاً أُضيف إلى كل هذا:


«هل هناك شخص تواعدينه؟ أوه.. هل تسمونه خليلاً أو حبيباً؟»


تمالكت إيميلي نفسها وتحدثت. فعندما يطرح صاحب العمل أسئلة كهذه، يكون السبب واضحاً ومفهوماً:


«على الإطلاق! ليس لديّ أصدقاء ناهيك عن شخص أواعده، ولا يوجد أحد في عائلتي قد يتبعني إلى هنا. أمي مريضة وأخي صغير السن...»


إن كان السيد النبيل يخشى أن تغزو فئران "تولوم" القصر أو تتكاثر فيه، فيمكنها أن تؤكد له بيقين أنهن يملكن من العقل والتدبير ما يكفي لتجنب ذلك.


«لا، لا.»


هز النبيل رأسه بابتسامة:


«لم أزر "تولوم" قط، لكنكِ ربما الشخص الوحيد هناك الذي يتحدث بهذه الطريقة اللبقة، أليس كذلك؟»


«...»


«آه يا إيميلي.. لهذا السبب ليس لديكِ أصدقاء.»


عضت على شفتيها بقوة، لكن السيد الشاب بدا وكأنه ينبهر بشيء لم يكن يتوقعه:


«في الحقيقة، ظننتكِ تلقين بالكلمات جزافاً لأنكِ تجدينني مزعجاً، لكن تبين أن كل كلامكِ كان صادقاً.»


«كيف أجرؤ على ذلك؟»


«أنا أتحدث عن صدقكِ الآن.. ماذا لو كذبتِ في الحال؟»


لقد فهمها السيد الشاب خطأً وبشكل جدي! لم تكن تشعر بالانزعاج إطلاقاً، بل كانت تحاول فقط تجنب الأشواك والمصايد المتناثرة في كل مكان.


لكن توضيح هذا الأمر سيزعج السيد النبيل حتماً، لذا لوحت إيميلي بيديها بارتباك:


«لا، ليس الأمر كذلك.»


ابتسم السيد الشاب، الواقف وسط الكتب المتروسة، ابتسامة فيها شيء من المرارة:


«أفضل ألا تكذبي.»


كانت هذه إشارة خطر! انتاب الرعب إيميلي وفكرت مراراً: لا يمكن أن يوصمها سيدها بالدهاء والمكر.


«لم أحمل قط مثل هذه المشاعر.»


ولكي تضفي الصدق على عبارتها التالية، رفعت بصرها قليلاً حتى أرنبة أنف السيد الشاب:


«أنا فقط أخشى أن أقترف خطأً أمامك يا سيدي الشاب. فأنا غير متعلمة، وأيضاً—»


«إيميلي.. خطأ؟»


أصبح صوت السيد الشاب أكثر إشراقاً وبهجة. الحمد لله!


«دعنا نفعل هذا: أنا أيضاً ليس لديّ أصدقاء.»


لا.. لم تكن هذه أخباراً سارة، بل تباشير شؤم وأعظم بلاء يلوح في الأفق!


«وأنتِ ليس لديكِ أصدقاء أيضاً.»


يا إلهي! أرجوك، إلا هذه الكلمات...


«ما رأيكِ إذن؟ لنكن صديقين.»


لكن دعاءها المستميت لم يصل إلى السماء. وحقيقةً، لم يُستجب أي من أدعية إيميلي طوال حياتها قط. شعرت باليأس وهي تتساءل في سرها عن التعبير الذي يتوجب عليها إظهاره على وجهها.


«كيف أجرؤ؟»


«آرثر وإيميلي صديقان الآن.»


لقد منحها هذا الشخص البعيد المنال شرفاً يفوق قدرها بكثير!


«الأصدقاء يتجاوزون عن أخطاء بعضهم. الآن، هل يمكنكِ التعامل معي براحة أكبر من الآن فصاعداً؟»


كان من الأفضل لو حدد لها خطاً أصفراً للأخطاء التي يمكن التغاضي عنها! فبخلاف التنفس بالقرب منه، إلى أي مدى يُسمح لها بالذهاب؟


«وبما أنه ليس لديكِ أصدقاء أيضاً، فأنتِ غالباً لا تعرفين كيف تتصرفين فوراً، لذا...»


كان السيد الشاب على وشك إضافة شيء ما حين توقف وقطّب حاجبيه.


نظرت إيميلي حولها بقلق. ورأته يتحرك نحو الباب، فهل عاد إلى صوابه أخيراً؟


لكن مثل هذا الحظ لم يطرق بابها بعد. وحتى وهو يغادر، ترك لها كلمة وداع لطيفة:


«كان من اللطيف أن نتحدث أكثر اليوم.»


وبينما كانت تفكر في الكلمات المناسبة لشكره على هذا الشرف المفرط، غادر الشخص الذي فرض عليها الصداقة فرضا العليّة.




تصلبت ملامح آرثر وخلت تماماً من أي تعبير فور عودته إلى غرفته.


ورغم أن الدواء الذي أُجبر على تناوله قد نفد، إلا أن طنين الأذن كان يتردد بصورة متكررة بدلاً من أن يقل. لم يستطع التمييز ما إذا كانت هذه أعراض انسحابية بسيطة أم أعراضاً جانبية أخرى.


في هذه الأثناء، نادراً ما كانت تلك المرأة تتواجد بمفردها، وحتى عندما ينجح في اقتناص فرصة، كانت تبدي حذراً شديداً ولا تجرؤ حتى على النظر في عينيه!


لقد ترك مساحة للاحتمالات تحسباً لأي شيء، ولكن بهذا المعدل، لن تكون تلك الفتاة القروية ذات نفع يذكر.. بل ستكون عديمة الفائدة تماماً كحارس الصيد!

إرسال تعليق

0 تعليقات