الفصل (8) Love: zero

 


عند وصولها إلى الشقة، أطلقت «جيو» تنهيدة كانت أعمق بكثير من أن تصدر عن طفلة في سنها. لم تكن لديها أدنى فكرة عن السبب الذي دفعه لطلب مجيئها إلى بيت الشجرة، لكن كان لديها شعور قوي بأن شيئاً مملاً للغاية على وشك أن يحدث.

فكلما أراد «هانتر» شيئاً، كان يضايقها ويصرّ عليها بلا هوادة حتى تستسلم.

كنت أفضّل لو التقينا في الشقة الفارهة (الپينتهاوس) بدلاً من هذا.

فمنذ ولادة «ديزي»، الأخت الصغرى لـ «هانتر» العام الماضي، أصبحت «جيو» أقل ترددًا في زيارة منزله. طالما تمنت أن تكون لها أخت صغرى، وكانت «ديزي» -التي تتملص بحركاتها وتفوح منها رائحة الحليب الخفيفة- لطيفة ومحبوبة للغاية.

وكلما ذهبت إلى هناك في موعد للعب، كانت «جيو» تجد أي ذريعة للتسلل إلى غرفة نوم «ديزي». وبعد اللعب مع الرضيعة التي بدأت للتو تخطو خطواتها الأولى، كانت تعود إلى غرفة الألعاب قبل وقت قصير من موعد الذهاب إلى المنزل لتختار بضعة كتب تستعيرها.

بالإضافة إلى ذلك، وما لم يكن «هانتر» يلح عليها لتقرأ له، فإنه لم يكن يلقي عليها حتى نظرة عابرة، سواء كانت قادمة أم مغادرة.

آه، هل يريد مني أن أقرأ له مجدداً؟

تمتمت «جيو» بينها وبين نفسها وهي تضع حقيبتها المدرسية بكسل على مقعد البهو.

كان «هانتر» يعرف كيف يقرأ بمفرده الآن. ومع ذلك، كان كثيراً ما يدفع بكتاب في وجهها ويأمرها بقراءته بصوت عالٍ، متصرفاً وكأنها نوع من الكتب الصوتية البشرية.

وانزعاجاً من هذا، كانت قد اشتكت ذات مرة بذكاء لـ «أيون-جونغ»، لتتلقى توبيخاً في المقابل:

"يا إلهي، لا شيء في هذا العالم بالمجان. أنتِ تقرئين تقريباً كل الكتب الموجودة في ذلك المنزل بدلاً منه على أي حال، لذا اعتبري الأمر مجرد مقابل واقرئي ما يريده. ليس الأمر بتلك الصعوبة."

وكان أكثر ما يثير حنق «جيو» هو أنه بمجرد أن تبدأ القراءة مجبرةً تحت تهديداته واستعطافه، كان «هانتر» لا يكاد يستمع إليها؛ فإما أن يتعلم عكسياً متدلياً من شريط التمرين أو يشغل نفسه بشيء آخر تماماً.

وشعوراً منها بأنها تتحدث إلى غرفة فارغة، كانت تختلس نظرة إليه وتتوقف عن القراءة، ليقوم «هانتر» بإسقاط كرات التنس التي كان يتدرب على التلاعب بها ويقطّع حاجبيه بجهامة في وجهها:

"واصلي القراءة حتى آلمركي بالتوقف."

خلال موعد اللعب الأخير بينهما، أُجبرت على قراءة ثلاثة فصول كاملة من رواية خيالية مستوحاة من الأسطورة الإغريقية حتى بُحّ صوتها.

وتساءلت عما إذا كان يستدعيها الآن لقراءة الفصل التالي.

لم تستطع فهم السبب الذي يجعله يرفض القراءة بنفسه وهو يعرف ذلك يقيناً. للوهلة الأولى، تساءلت عما إذا كان يبدو غير ذكي، لكن رؤيته خلال جلسات التدرج الخصوصي في الرياضيات أثبتت أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق.

واستسلاماً منها لمحاولة فهمه، إذعنت «جيو» لمصيرها وجذبت كم «سون-يي»:

"جدتي، أنا ذاهبة إلى بيت الشجرة."

"الآن؟"

نظرت إليها «سون-يي»، والدهشة واضحة في عينيها المجعدتين.

"نعم. طلب مني «هانتر» الخروج لمقابلته قبل قليل. أعتقد أنه يريد مني أن أقرأ له."

"«هانتر» طلب ذلك؟ حسناً، لا بأس إذاً. اذهبي، وسأعد بعض الوجبات الخفيفة أثناء غيابكِ."

كانت «سون-يي» تعلم بالفعل أن أي شيء يتعلق بـ «هانتر» في هذا المنزل يعني ضوءاً أخضر تلقائياً.

"حسناً. سأعود قريباً!"

سارت «جيو» عبر الممر، وفتحت الباب الحديدي الثقيل المؤدي إلى الفناء الداخلي، وخطت إلى الخارج.

كانت أشعة شمس الظهيرة تتسلل بزاوية مائلة عبر المقعد البرونزي المنحني بأناقة والمحيط بالنافورة الحجرية في الحديقة. وكلاهما كانا جزءاً من معالم المبنى منذ تشييده في عشرينيات القرن الماضي.

وفي أحد جوانب الفناء، انتصب بيت شجرة بُني على ارتفاع قامة شخص بالغ. وبما أن قاطني المبنى كانوا يميلون إلى كبار السن، كان رؤية الأطفال أمراً نادراً. علاوة على ذلك، كان الفناء الداخلي للمبنى غير متاح للغرباء، وبالتالي كان هذا المكان بمثابة ملعب خاص لـ «هانتر» و«جيو».

وفي المساحة الفارغة تحت الدعائم الطويلة لبيت الشجرة، استقر صندوق رمل مستطيل. وكانت مجرفة صفراء ودلو بلاستيكي أزرق مكسور النصف -كان «هانتر» يلعب بهما عندما كان صغيراً- لا يزالان مدفونين جزئياً في الرمل.

وامتدت مزلقة منحنية كخرطوم الفيل من جانب بيت الشجرة نحو الأرض، بينما كانت أرجوحة إطارية دائرية معلقة من عمود مثبت بالسقف تتأرجح برفق مع النسيم.

كان «هانتر» سريع المشي، وكانت «جيو» قد تعمدت إبطاء خطواتها، لذا كان لديه متسع من الوقت للوصول قبلها. وبالفعل، كان هناك صوت خبط إيقاعي كاصطدام الخشب يتردد بانتظام من الأعلى.

كان يحمل دائماً كرة تنس في جيبه أو حقيبته، ولم تكن بحاجة لرؤيته لتعرف أنه يقضي الوقت برميها على الجدار. ومع ذلك، جعل الإيقاع غير المنتظم للصوت الأمر يبدو مضطرباً بطريقة غريبة.

وعند وقوفها أمام السلم، أخذت «جيو» نفساً عميقاً، علقت في لحظة صراع قصير.

كانت فضولية لمعرفة السبب الذي دفعه لاستدعائها إلى بيت الشجرة، وفي الوقت نفسه، لم تكن تريد معرفة السبب مهما كان. لكن اليوم، تغلب الفضول على الحذر.

وما إن وضعت «جيو» إحدى قدميها على السلم حتى أصدر صريراً حاداً، وتوقف صوت الكرة المرتدة داخل بيت الشجرة على الفور.

صعدت ببطء، وأمالت رأسها قليلاً وهي تدخل. ففي الصف الثاني، لم تكن بحاجة لإمالة رأسها عند المرور عبر المدخل، مما يعني أنها لابد وأنها كبرت وزاد طولها منذ ذلك الحين.

وبينما كان الخارج ساطعاً لدرجة تعمي الأبصار، كان الجزء الداخلي من بيت الشجرة معتماً. وكان عليها أن ترمش عدة مرات لتعتاد عينها على التباين.

مطبخ ألعاب، وطقم معيشة صغير، وأريكة ضئيلة. ووسط هذه المحتويات المألوفة، بدا «هانتر» غير متناسق مع المكان وهو يستلقي بإهمال على الأريكة. كان يفضل عادة التسلق فوق سقف بيت الشجرة بدلاً من الدخول إلى الداخل، مدعياً أنه ضيق وممل للغاية ولا يوفر أي متعة.

"«جو باركر». ما الذي أخذ منكِ كل هذا الوقت؟"

تساءل «هانتر» بصوت متجهم دون حتى أن يلقي عليها التحية.

جعدت «جيو» أنفها قليلاً: "«جو باركر»؟"

ورغم أن «هانتر» بات يعرف كيفية نطق "جيو" بشكل صحيح الآن، إلا أنه كان لا يزال يناديها بذلك الاسم، وكأن نطق اسمها بالشكل الصحيح يتطلب جهداً كبيراً. وفي كل مرة يقولها، كانت تتذكر الصوت الذي كان يقول في الماضي: «جو باركر». أنا أكرهكِ.

كانت قد أخبرته مراراً أنه إذا كان سيناديها بهذا الاسم، فإنها تفضل أن يستخدم اسمها الإنجليزي «أوليفيا»، لكنه لم يتظاهر حتى بالاستماع إليها.

تجاوزت «جيو» عبارات المجاملة هي الأخرى ودخلت في الموضوع مباشرة:

"لماذا استدعيتني هنا؟"

شحنت كلماتها القليلة بأكبر قدر ممكن من الاستياء والانزعاج الذي استطاعت استجماعه. وصعدت إلى طرف لسانها رغبة عارمة في أن تطلب منه ألا يتصرف وكأنه يعرفها أمام الأطفال الآخرين كما فعل سابقاً، لكنها تمكنت من كبح جماح نفسها. لم يكن ذلك نابعاً من نقص الشجاعة؛ فمعرفتها به منذ الصغر جعلت التحدث إلى «هانتر» ليس بالأمر الصعب بالنسبة لها.

بل لأن الأطفال الذين يقولون أشياء من هذا القبيل في الكتب التي تقرأها، كانوا دائماً الفتيات اللئيمات اللاتي يستقوين على البطلة. وكان الأطفال الذين يسمعون تلك الكلمات ينتهي بهم الأمر مجروحين للغاية.

ولم تكن «جيو» تريد التصرف كفتاة لئيمة.

وليس وكأن «هانتر هاميلتون» المتمحور حول ذاته سيهتم على أي حال.

كانت كلمة "متمحور حول ذاته" مفردة جديدة التقت بها في كتاب قرأته مؤخراً. وفي اللحظة التي رأت فيها الكلمة، تبادر «هانتر» إلى ذهنها تلقائياً. ففي عالم يسير فيه كل شيء تماماً كما يشتهي، كان الشخص الوحيد الذي يمكنه إيذاء «هانتر هاميلتون» هو نفسه.

سحبت «جيو» كرسياً صغيراً من طقم المعيشة إلى أبعد نقطة ممكنة عن «هانتر» وجلست. كانت الأريكة التي يجلس عليها «هانتر» بميل متكئاً بإحدى ذراعيه على مسند الظهر هي مكان «جيو» المخصص عادة. ولمعرفته بذلك، كان من اللؤم منه الاستحواذ على المساحة بأكملها.

"هناك بطولة يوم السبت."

اندفع «هانتر» قائلاً.

"......"

اكتفت «جيو» بالرمش، ووجهها خالٍ من أي تعبير.

منذ العام الماضي، بدأ «هانتر» التنافس مرتين في الشهر في البطولات الإقليمية للأولاد دون سن الثانية عشرة. وكانت «لورين» قد دعت «أيون-جونغ» و«جيو»، لذا كانت «جيو» قد رافقتهما مرتين بالفعل. وبالتالي، لم تكن حقيقة وجود بطولة لديه بالشيء الجديد.

"قلتُ هناك بطولة!"

كرر كلامه، ويبدو عليه الإحباط من قلة استجابتها. عندها فقط تحدثت «جيو» ببطء:

"... وماذا في ذلك؟"

"تعالي."

"إلى أين؟"

أخرج الكلمات من بين أسنانه المغضوبة:

"البطولة."

وصوب نحوه عينيه الزرقاوين الساطعتين، اللتين بدتا وكأنهما تتألقان حتى في العتمة، بنظرة حادة كالليرز. وجدت «جيو» نفسها عاجزة عن الكلام، ينفتح فمها وينغلق قبل أن يتقطب حاجباها قليلاً.

أطلبتَ مني القدوم كل هذا الطريق إلى بيت الشجرة لمجرد أن تقول لي هذا؟

✦ ❖ ✦

بتوجيه من والده، «جيريد هاميلتون»، أمسك «هانتر» مضرب التنس لأول مرة في سن الرابعة.

كانت لعبة التنس رياضة تقليدية في عائلة هاميلتون، وكان «جيريد» نفسه قد شغل منصب كابتن فريق التنس المدرسي خلال أيامه في مدرسة "ألتون".

و«هانتر»، الذي كان يتردد على أكاديمية للتنس في جزيرة "راندالز" مرتين في الأسبوع بعد المدرسة، دُعي للانضمام إلى مجموعة اللاعبين النخبة عندما بلغ الثامنة من عمره.

وقد تفاخر دون توقف بعد تلقيه تلك الدعوة.

كانت «جيو» قد اكتفت بإمالة رأسها، متسائلة عما يمكن أن يكون رائعاً إلى هذا الحد لدرجة تجعله يقفز فرحاً بهذه الطريقة، لكن عائلة هاميلتون تحركت بسرعة لتقديم الدعم الكامل بمجرد أن أدركوا أن «هانتر» يمتلك موهبة حقيقية في هذه الرياضة.

ومن بين الطوابق الثلاثة التي تشغلها شقة عائلة هاميلتون، كان الطابق السفلي يسمى البدروم. ويضم هذا الطابق سكن العاملين المعروفين بـ "المساعدين"، إلى جانب خزانة لحفظ المشروبات، وغرف تخزين، ومساحات للأمتعة الكبيرة.

وفي الصيف الماضي، بدأ مشروع تجديد ضخم لتوسيع الصالة الرياضية وتحويلها إلى ملعب تنس، تم إنجازه في ديسمبر من ذلك العام. وتلقى «هانتر» دروساً خصوصية في ذلك الملعب وتدرب ضد آلة قذف كرات فائقة الحداثة. ومع وجود غرفة تدريب بدني تقع في أحد الجوانب، كان هذا التجهيز محط حسد حتى بالنسبة للاعب محترف.

إرسال تعليق

0 تعليقات