الفصل (7) Love: zero
الفصل السابع
في منتصف الفصل الدراسي الثالث من الصف الثالث الابتدائي، حلّ شهر مايو.
كان نسيم الربيع العليل يحرك الخضرة اليانعة في حديقة "سنترال بارك". وانزلقت أشعة الشمس النعسانة فوق أسطح المباني الحجرية العتيقة في الشارع الخامس المطلة مباشرة على الحديقة.
وتحت فستان زِيّها المدرسي، ارتدت «جيو» قميصاً صيفياً أصفر قصير الأكمام لأول مرة هذا العام. وبما أن «أيون-جونغ» تطوعت كعضوة في لجنة التحضير للبزار الخيري بالمدرسة ولم تتمكن من اصطحابها اليوم، فقد اتصلت بالخادمة «سونغ سون-يي» لتنوب عنها.
كانت «سون-يي»، التي تجاوزت الستين من عمرها بكثير، جليسة أطفال اعتنت بـ «جيو» كثيراً منذ أن كانت طفلة حديثة الولادة. ورغم أنها عاشت في أمريكا لمدة ثلاثين عاماً، إلا أن لغتها الإنجليزية كانت ضعيفة. وهي المسؤولة بشكل كبير عن إتقان «جيو» للغة الكورية بطلاقة.
كانت «جيو»، التي تشعر بالخجل الشديد أمام الغرباء، تتحدث ببراعة وأريحية كأي فتاة عادية في سنها أمام «سون-يي»، التي كانت تمتلك طبيعة دافئة ومريحة. وبينما كانت تمسك بيد «سون-يي» وتسيران نحو الشارع الخامس، برز وجه «هانتر» فجأة من حيث لا تدري!
"إيك!"
توقفت «جيو» في مكانها، وقد ارتعدت فرائصها من الخوف.
همس «هانتر» بصوت خافض مباشرة عند أذن «جيو» المتجمدة والمنكمشة: "بمجرد وصولكِ إلى المنزل، تعالي إلى بيت الشجرة."
وعلى الفور، تجاذبت أنظار الأطفال المحيطين بهم نحوهم.
وقبل أن تتمكن «جيو» حتى من سماع إجابتها، اختفى «هانتر» بين حشود الأطفال بعد المدرسة بأسرع ما ظهر.
تعالي إلى بيت الشجرة؟
في الفناء الداخلي لمبناهم السكني، كان هناك بيت شجرة مزود بـ «مزلقة». ويبدو أنه كان يطلب منها القدوم إلى هناك.
وكلما شعر «هانتر» بالملل من اللعب معها في غرفة الألعاب، كان بيت الشجرة في الفناء هو المكان الذي تأخذهما إليه «روزا». كان «هانتر» يشبه كرة من النار، تنفث ألسنة اللهب في كل الاتجاهات.
وفيمَ كانت «جيو» تركب المزلقة بضع مرات أو تجلس على الأرجوحة متأرجحة بساقيها، لم يكن باستطاعته كبح الطاقة المتفجرة المكبوتة داخل جسده؛ فكان يتسلق إلى سطح بيت الشجرة، ويفرد ذراعيه وكأنه على وشك الطيران، ثم يقفز للأسفل.
كان مجرد النظر إلى «هانتر» ينهك طاقة «جيو» بالكامل، لذا كثيراً ما كانت تسرع للاختباء داخل بيت الشجرة، ثم تجلس هناك تقرأ كتبها في صمت.
كما كان «هانتر» يفضل الاندفاع بمفرده وتقليب الملعب رأساً على عقب بدلاً من اللعب مع فراشة كتب تحوم حوله بإنزعاج. ولهذا السبب، ورغم أنهما يتشاركان المساحة نفسها، إلا أن كلاً منهما كان يلعب بمعزل عن الآخر.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها «هانتر» لقاءها مباشرة؛ وحتى دون أن يفعل ذلك، كانا يلتقيان كثيراً جداً بالفعل.
لماذا بحق السماء طلب مني القدوم إلى بيت الشجرة؟
وبينما كانت «جيو» تقف هناك بوجه حائر، دفع شخص آخر بوجهه فجأة في مجال رؤيتها.
"أوليفيا! هل أنتِ مقربة من «هانتر هاميلتون»؟"
سألتها «سيينا»، وعيناها الزرقاوان الكبيرتان تفيضان بالفضول. لقد كانت الفتاة الأكثر شعبية بين فتيات الصف الثالث.
ترددت «جيو» المذعورة قبل أن تجيب:
"... لا."
لم تسبق لـ «سيينا» أن تحدثت معها من قبل؛ وليس لأنها تضمر أي ضغينة لـ «جيو»، بل ببساطة لأنه لم يكن لديها أي اهتمام بفراشة كتب تجلس في الزاوية وتقرأ بهدوء. كانت تلعب فقط مع أطفال الدائرة التي بذلت والدتها قصارى جهدها لبنائها.
كانت والدة «سيينا»، «ريبيكا ريد»، شهيرة بين طلاب الصف الثالث. وفي الفصل الدراسي الماضي، وفي مشروع لبحث نمط القدوة النسائية المختار من الشخصيات التاريخية أو المشاهير، قدمت «سيينا» بفخر عرضاً توضيحياً بلوحة صنعتها عن «ريبيكا».
كانت «ريبيكا» من خريجات مدرسة "آستور"، وقد أصبحت مصممة ملابس نسائية بعد عملها كمحررة في مجلة موضة بارزة. وبامتلاكها لمئات الآلاف من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تتردد في إظهار حياتها الفارهة والبراقة للعلن.
وكانت «سيينا» تظهر كثيراً على حساباتها؛ وبفضل ذلك، كانت الأم وابنتها تُعاملان كالمشاهير في المدرسة.
أمالت رأسها وهي تنظر إلى «جيو»:
"أشعر أنني رأيتكما معاً في بعض الأحيان.. ألستما صديقين؟"
هل هانتر صديقي؟
لم تستطع «جيو» التجرؤ على الإجابة بسهولة.
وبشكل دقيق، كان «هانتر» حارس البوابة الذي يحمل مفتاح جزيرة الكنز المسماة "المكتبة" داخل غرفة الألعاب. وكان شخصاً يتوجب عليها البقاء في جانبه الطيب إذا أرادت الاستمرار في الدخول إلى هناك.
لكنها لم تستطع التلفظ بمثل هذه الكلمات بصوت عالٍ.
لقد أمضيا بالتأكيد وقتاً طويلاً معاً، لا يقل عن العائلة، ولكن عندما يصطدمان ببعضهما في المدرسة، كانا غير مبالين، يتصرفان كالغرباء ولا يعترف أحدهما بالآخر أبداً. لم يكن هناك سبب خاص؛ فبما أنهما كانا على هذا النحو منذ الروضة، فإن الاعتراف ببعضهما فجأة الآن بدا أكثر غرابة.
والأهم من ذلك، أن «هانتر» كان يكرهها. لم تعد «جيو» تجده مخيفاً كما من قبل، لكن هذا لم يكن يعني أنها تحبه أيضاً. لذا كان سؤال «سيينا» صعب الإجابة.
ماذا يمكن للمرء أن يسمي علاقة يلتقي فيها الأشخاص بكثرة كالأصدقاء، لكنهم ليسوا مقربين؟
تألمت «جيو» طويلاً وهي تحاول اختيار كلماتها، فتقطّع حاجب «سيينا» بحدة وكأنها شعرت بالإحباط:
"على أي حال، إن لم تكونا كذلك."
مع ذلك، استدارت وهي تلفت شعرها الأشقر العسلي. وكان صوت همسها يُسمع بوضوح وهي تبتعد:
"إنها خجولة بشكل محبط."
عضت «جيو» شفتها وخفضت رأسها. كانت تعرف ما يطلقه عليها الأطفال.
الفتاة الخجولة.
بل إن أحدهم استخدم تعبير "خجولة بشكل مؤلم" في مكان يمكنها سماعه تماماً.
كانت «جيو» تخاف من الغرباء منذ صغرها. وحتى الآن، كانت تخشى أن تكون محط اهتمام مفاجئ أكثر من أي شيء آخر.
كانت «أيون-جونغ» تجد سلوكها محبطاً؛ فكانت تخيف «جيو» بقولها إنها إذا عاشت بهذه الشخصية في أمريكا -حيث يُعامل الاجتماعيون بشكل أفضل بكثير- فسوف تُدهس طوال حياتها. ثم تلقي باللوم في شخصيتها على والدها «ألان باركر». كان «ألان» رجلاً خجولاً ومنطوياً يعمل في القسم الخلفي لبنك استثماري، وكان خاضعاً تماماً لـ «أيون-جونغ» التي تصغره بتسعة عشر عاماً.
ولأجل «أيون-جونغ»، التي كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها للبحث عن أكاديميات للمناظرة، كان «ألان» يهدئها بقوله إنه كان تماماً مثل «جيو» عندما كان صغيراً، وأن الأمر سيتحسن تدريجياً كلما كبرت.
وكانت «جيو» تتمنى ذلك بصدق أيضاً؛ فقد أرادت أن تكون شخصاً مشرقاً ومفعماً بالحيوية وواثقاً من نفسه. لكن الشخصية المولودة مع المرء لا يمكن تغييرها بضغطة زر. فكلما طرح عليها أحدهم سؤالاً مفاجئاً، كان ذهنها يبيض تماماً، وتتوقف الكلمات في حلقها. وفي داخل معدتها، كانت عشر طنيات من النحل تطنين وتطن قبل أن تسدد لدغة حادة.
في طريق العودة إلى المنزل، تدلت كتفا «جيو» بخيبة أمل. لم يكن حتى سؤالاً صعباً، فلماذا لم تستطع الإجابة عليه؟ كان بإمكانها فقط القول إنهما ليسا صديقين.
كان الأمر محبطاً وأحمقاً.. وكانت تنقم على «هانتر».
يفعل شيئاً لم يفعله قط فجأة!
كان «هانتر» يلفت الأنظار مهما فعل. وعندما يظهر، تتجه العيون إليه تلقائياً، وإلى أي شخص تصادف وجوده بجانبه.
ربما لم يكن الشخص المعني يهتم على الإطلاق، لكن «جيو» كانت تجد ذلك غير مريح.
ولو كان الأمر بسبب أن اسمه الأخير هو «هاميلتون»، فإن الأطفال الذين يحملون أسماء عائلات شهيرة كانوا شائعين في المدارس الخاصة رفيعة المستوى في مانهاتن. وسط سيل من الأطفال الذين يمتلكون أجداداً بارزين في الكتب الدراسية مثل «لافاييت»، و«فاندربيلت»، و«روكفلر»، و«كينيدي»، كان «هانتر» مجرد واحد منهم.
كان امتلاك بنيان جسدي ممتاز والإجادة في الرياضة من الشروط المواتية للبروز بين الأطفال العاديين، لكن كان هناك الكثير من الأطفال بصرف النظر عن «هانتر» ممن هم أطول قامة وأكثر رياضية.
وإذا كان هناك فارق، فهو أن «هانتر» كان يتصرف وكأنه لا يخشى شيئاً في هذا العالم. وأينما ذهب، كان يرفع رأسه عالياً وينظر إلى الشخص الآخر من أسفل أرنبة أنفه العالية. لم يكن يعتريه الارتباك قط، وكان لا يوقف ولا يهاب شيئاً فيما يفعله.
لو كان «هانتر» قد تلقى سؤالاً مفاجئاً وعشوائياً، لما كان ليرتبك مثل «جيو». وإذا كان من الصعب الإجابة عليه، كان سيتجاهله تماماً، بل وكان سيسخر من السؤال الأحمق بدلاً من ذلك.
ورغم أنه كان أنانياً للغاية ومتمحوراً حول ذاته، إلا أن الأطفال كانوا يتبعون «هانتر».
لم تره «جيو» قط بمفرده في المدرسة؛ فقد كان يجر خلفه حشداً من الأصدقاء، وفي اللحظة التي يغادر فيها بوجه ملول، كان أصدقاؤه ينادون باسمه ويهرعون خلفه كالسرب.
كانت «جيو» تحسد «هانتر». لم تكن تحسد شعبيته على الإطلاق، لكنها كانت ترغب حقاً في امتلاك تلك الشخصية غير المبالية التي لا تهتم بنظرات الآخرين، وتقدير الذات الذي يظل ثابتاً مهما قال أي شخص.
وبما أن صبياً شهيراً كهذا من مدرسة "ألتون" قد اقترب من فتاة خجولة من مدرسة "آستور" وهمس لها فجأة، فمن الطبيعي تماماً أن يجد الأطفال الأمر غريباً.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا