الفصل (6) Love: zero



الفصل السادس

كانت «لورين هاميلتون»، ذات الأصول الكورية، تحمل اسماً كوريّاً كاملاً وهو «لورين نايون هان». وكان والدها، الدكتور «جونغ-غو هان»، جراح أعصاب شهيراً عمل حتى كطبيب خاص لرئيس الدولة.

وبإيمانه الراسخ بأنه لا يمكن للمرء أن يكون إنساناً قويمًا دون معرفة جذوره، كان يتحدث معها بصرامة باللغة الكورية فقط؛ وإذا خاطبته بالإنجليزية، لم يكن ليجيبها حتى.

وعوضاً عن الذهاب إلى المخيمات الصيفية كبقية صديقاتها، كانت تقضي عطلاتها الصيفية في كوريا. وبفضل ذلك، ورغم ولادتها ونشأتها في الولايات المتحدة، كانت لغتها الكورية طليقة كأي مهاجر من الجيل 1.5.

ومع ذلك، لم يكن ذلك يعني أن الكورية كانت اللغة الأكثر راحة لها. فقد كانت لغتها الأم بلا شك هي الإنجليزية، ولم تستطع «لورين» إجبار «هانتر» على تعلم الكورية بصرامة كما فعل والدها معها.

ونتيجة لذلك، كان «هانتر» يعاني في التواصل مع جده لأمه. وكان والدها العنيد يوبخها في كل مرة يلتقيان فيها، متهماً إياها بالفشل في تعليم «هانتر» لغته الأصلية.

وكحل أخير، استأجرت معلماً خاصاً للغة الكورية مرة في الأسبوع لتعليمه الأبجدية، لكن «هانتر» لم يبدِ سوى القليل من الاهتمام.

وبمحض الصدفة، كانت «مايران دي لافاييت»، ماركيزة عائلة لافاييت التي تربطهم بها علاقات عائلية وثيقة عبر الأجيال، كورية هي الأخرى. وكلما التقتا، كانت «مايران» تتباهى دون توقف بمدى إتقان ابنها «ريكس» للغة الكورية. تسبب هذا في تضافر جهود «لورين» و«مايران» لدمج «ريكس» و«هانتر» في فصل كوري واحد.

غير أن «هانتر» و«ريكس»، اللذين كانا يصنفان بسهولة كأكبر مشاغبَين في حي "أبر إيست سايد"، كانا يتشاجران كلما تقاطعت طرقهما. وفي المرات النادرة التي يتوافقان فيها، كانا يتحدان للتسبب في الكوارث! ونتيجة لذلك، كانت هذه هي المرة الثانية التي يستقيل فيها معلم لغة كورية يصعب العثور على بديل له.

لكن اليوم، وعند رؤيتها لـ «جيو» وهي تقرأ كتاباً لـ «هانتر»، لمعت فكرة عبقرية في ذهن «لورين».

فعندما ادعت «أيون-جونغ» في البداية أن «جيو» تقرأ بالفعل كتباً ذات فصول، اعتبرت «لورين» الأمر مجرد تفاخر ومبالغة. لكن مشاهدة «هانتر» وهو يركز بإنصات شديد في الكتاب الذي تقرأه «جيو» كان صدمة حقيقية لها.

هل ابني طفل قادر على الجلوس بهدوء في مكان واحد هكذا؟

ساور «لورين» أمل كبير في أن إدخال فتاة هادئة وذكية كهذه في دروس اللغة الكورية قد يحسن أجواء الدرس. وسماع أن «جيو» تتحدث الكورية بطلاقة جعل الأمر أكثر كمالاً؛ فالأطفال يتعلمون اللغة طبيعياً من أقرانهم.

ونظراً لطبيعة «هانتر» التنافسية للغاية، فإن وضع طفلة بجانبه تتحدث الكورية وتقرأ الكتب أفضل منه من شأنه أن يستفزه، ويشعل فيه رغبة الفوز دون الحاجة لدفعه.

ولحسن الحظ، ورغم تبادل «هانتر» و«ريكس» اللكمات فيما بينهما، إلا أنهما لم يمدّا أيديهما أبداً على الفتيات. وبشكل أكثر دقة، لم يكن لديهما أي اهتمام بهن على الإطلاق.

ابتسمت «لورين» ابتسامة مشرقة نحو «أيون-جونغ»:

"«أيون-جونغ»، الأمر كالتالي.. يتعلم «هانتر» الكورية حالياً مع صبي يدعى «ريكس». هل تعتقدين أن «أوليفيا» قد تكون مهتمة أيضاً؟ لدينا درس لمدة ساعتين في منزلنا كل صباح يوم سبت."

اتسعت عينا «أيون-جونغ» عند سماع عرض «لورين»، فأجابت دون حتى أن تأخذ نفسًا:

"بالتأكيد! أنا مهتمة للغاية! متى ينبغي لها أن تبدأ؟"

لقاء اللعب، الذي افترضت «أيون-جونغ» أنه سيكون حادثة فردية، استمر بشكل منتظم. وبما أنهما كانا بعمر واحد ويعيشان في المبنى السكني نفسه، كانت «جيو» أسهل شخص يمكن استدعاؤه لجلسة لعب كلما كان هناك متسع في جدول «هانتر».

ومهما كان الإخطار مفاجئاً، لم ترفض «أيون-جونغ» قط دعوة للعب مع «هانتر». بل إنها كانت تذهب إلى حد إلغاء خططها المحددة سابقاً.

وإذا التقت الأمّان في البهو في طريقهما إلى المدرسة، كانتا تسيران معاً، بل وكانتا تتشاركان المربيات خلال حالات الطوارئ.

تلقت «جيو» دروساً خصوصية في الرياضيات في منزل «هانتر» كل يوم أربعاء، وحتى أتقن أخيراً الأبجدية الكورية، كانت تحضر معه دروس اللغة الكورية يوم السبت أيضاً.

كان «هانتر» يرى «جيو» مزعجة للغاية.

كان الأمر كذلك منذ اليوم الأول الذي التقيا فيه. فرمي الكرة على «جيو» عندما خطت للتو خارج المصعد كان مجرد دعوة للعب معاً؛ ولم تكن لديه أي نية على الإطلاق لضرب جبهتها وإفقادها الوعي.

لم يتخيل قط أن هناك غبية غير قادرة على التقاط كرة بسيطة تطير في خط مستقيم. وقد حاول التعبير عن هذا الرأي لـ «لورين» في تلك الليلة، لكنه لم يحصل إلا على التوبيخ بدلاً من ذلك.

كانت ذكرى تعثر «جيو» وسقوطها للخلف بالتصوير البطء لا تزال حية في ذهنه، بل وكانت تظهر كثيراً في كوابيسه.

في الكابوس، وفي اللحظة التي تضرب فيها الكرة الصغيرة التي ألقاها على «جيو» -التي كانت ترتدي فستاناً مغطى بالدانتيل - كانت تتضخم فجأة كالعملاق.

وترتفع عالياً جداً حتى يختفي وجهها، ثم تنهار فوق مانهاتن. وتماماً كما في أفلام الكوارث، تتفتت مانهاتن إلى أجزاء كفتات البسكويت، ويختفي منزل عائلة هاميلتون دون أثر.

وحتى عندما كان يحاول سحب «جيو» لمنعها من السقوط، كان جسده يظل متجمداً وكأنه مقيد، ولم يكن يستطيع حتى إطلاق صرخة. كان كابوساً يقشعر له الأبدان لمجرد التفكير فيه.

وبسبب حادث ذلك اليوم، جرب «هانتر» الحظر والحرمان لأول مرة في حياته؛ حيث عوقب بشدة وسُلبت حريته كنتيجة لتصرف غير مقصود.

حُظر من الذهاب إلى الملعب وغرفة الألعاب لمدة أسبوع كامل!

كان ليفضل التضور جوعاً لأسبوع كامل بدلاً من ذلك.

وكان الجاني وراء كل هذا هو «جيو باركر»، تلك الطفلة المبكرة النضوج التي كانت خبيرة في ادعاء اللطف والوداعة.

لم يستطع فهم والدته، التي واصلت دعوة هذه الفتاة الضئيلة لإغاضته في كل فرصة. فائدتها الوحيدة كانت قراءة الكتب بصوت عالٍ بينما يلعب هو. والغريب أنه عندما كانت تقرأ، كانت محتويات الكتاب تتسلل بسلاسة إلى أذنيه.

لكن ذلك كان أمراً يمكنه الاستغناء عنه بسهولة. وكان من الأفضل لو بقيت عديمة الفائدة تماماً.

ولسوء الحظ، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أدرك «هانتر» أن «جيو» كانت ضرورة مطلقة بالنسبة له. لقد كان إدراكاً صادماً بحق.

قبل بضعة أشهر، في اليوم الذي جاءت فيه «جيو» لمشاهدة بطولته لأول مرة، سحق «هانتر» منافساً يبلغ من العمر أحد عشر عاماً ليصبح بطل البطولة. وكان ذلك أول فوز في حياته. ونتيجة لتلك المباراة، دخل تصنيفه العام للتنس (UTR) أخيراً في نطاق 4 نقاط.

لكن هذا لأنني ممتاز.

فوزه لم يكن له أي علاقة على الإطلاق بمجيء «جيو» للمشاهدة.

ومع ذلك، وقبل فترة ليست بطويلة، بادرت والدته ودعت تلك الفراشة الرقيقة المولعة بالكتب وأمها الصاخبة إلى بطولة أخرى. كان الأمر غير ضروري بالمرة.

في الجولة الأولى، كان المنافس أقصر من «هانتر» برأس. ولأنه كان خائفاً بالفعل، انسحب اللاعب المنافس بعد خسارته المجموعة الأولى بستة شوط نظيفة، خادعاً بأن معدته تؤلمه. وبتقدمه إلى الجولة الثانية، فاز «هانتر» بأريحية وبنتيجة 6:2 في المجموعة الأولى و 6:1 في الثانية. ولم يكن نصف النهائي مختلفاً كثيراً.

لكن في المباراة النهائية، اصطدم «هانتر» بمنافس قوي. كان «شون بيترسون»، الذي يحمل تصنيف UTR يبلغ 5.8، يبلغ من العمر اثني عشر عاماً وأطول من «هانتر» برأس كامل. وفي الواقع، سبق لهما أن تواجها بضع مرات من قبل، وكانت النتيجة خسائر متتالية لـ «هانتر».

قبل بدء المباراة، وبينما كان يرمي العملة المعدنية مع «شون» عبر الشبكة لتحديد صاحب الإرسال، لمحت عينه فجأة «جيو» في مدرجات المشاهدين. والتفكير في أنها جاءت طوال هذا الطريق للمشاهدة فقط لتدفن وجهها في كتاب مبسوط على حضنها! لقد كانت مشاهدة تفتقر إلى الانضباط تماماً.

أخذ «شون» المجموعة الأولى 3:6. وحسم «هانتر» المجموعة الثانية 7:5. وكانت المجموعة الثالثة معركة حامية ومتكافئة. وفي النهاية، ومع تعادل النتيجة 6:6، آلت البطولة إلى شوط كسر التعادل؛ وأول من يسجل 7 نقاط سيكون هو الفائز.

"إلى الأمام يا هانتر!"

أحدثت «لورين» و«أيون-جونغ» جلبة تحت ستار التشجيع. وعندما انتزع «هانتر» نقطة دراماتيكية بعد عشرات التبادلات للكرة، ضجت المدرجات بالضوضاء. عندها فقط رفعت «جيو» رأسها. ولكن بعد أن نظرت حولها وصفقت تصفيقاً خالياً من الحماس، أعادت رأسها فوراً إلى كتابها.

جعل ذلك شعوره سيئاً بطريقة غريبة.

هل الكتاب حقاً أكثر إثارة من مباراتي؟

لم يستطع «هانتر» تقبل ذلك. فجزّ على أسنانه وانطلق عبر الملعب بكل قوته. وبعد هفوة قصيرة في التركيز جعلته يتلقى ضربات متتالية، قاتل في طريقه عائداً حتى أصبحت النتيجة غير متوقعة، وعندها فقط رفعت «جيو» رأسها من كتابها لمتابعة مباراته.

في ذلك اليوم، قدم «هانتر» أدائاً تجاوز مهاراته العادية بكثير، وهزم «شون» ليعلن اقتناصه بطولة الكأس بانتصار مدوٍ.

بعد المباراة، تناول الأربعة العشاء معاً في مطعم كوري في منطقة "فورت لي". وعلى الطاولة، تفوهت «لورين» بكلمات ما كان ينبغي لها أن تقولها مطلقاً.

كانت تلك نقطة الانطلاق لنذير شؤم.

"شكراً لمجيئك يا «جيو». الآن بعد أن فكرت في الأمر، يبدو أن «هانتر» يصبح بطل البطولة في كل مرة تأتي فيها «جيو». لابد أن «جيو» هي تميمة حظ «هانتر»."

بوجهٍ كأنه يمضغ يرقانة، تذمر «هانتر» بأنه لا يمكن أن يكون الأمر كذلك بأي حال من الأحوال.

خاض «هانتر» البطولة التالية دون «جيو»، وخرج من دور الثمانية (ربع النهائي)؛ إذ كانت مباراة لم يستطع التركيز فيها بطريقة غريبة. وفي البطولة التي تلتها، وصل إلى نصف النهائي لكنه تعرض لخسارة قاسية أمام لاعب يملك تصنيف UTR أقل من تصنيفه. وفي ذلك اليوم أيضاً، كان الشعور خاطئاً منذ إرساله الأول تماماً.

وبتحليل الأسباب، ومضت في ذهنه فجأة الكلمات التي قالتها «لورين» لـ «جيو» على طاولة العشاء. بدت وكأنها صفعة على الجزء الخلفي من رأسه. فلا يمكن لتلك الفراشة الهشة المولعة بالكتب أن تكون تميمة حظه.

إلا إذا كانت نذير شؤم!

وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك سوى حل واحد:

ليس أمامي خيار سوى دعوتها إلى بطولة واختبار ما إذا كانت حقاً تميمة حظ أم نذير شؤم.

إرسال تعليق

0 تعليقات