الفصل (5) Love: zero

 


بسماحِها لروزا باقتيادها إلى غرفة الألعاب، استطاعت «جيو» أن تقمع خوفها من «هانتر» قليلاً، والفضل في ذلك يعود إلى تلك الكلمة السحرية: "المكتبة". وما إن وطئت قدمها المكان حتى اتسعت عيناها بذهول.

كانت غرفة الألعاب بحجم أربع غرف من غرف نوم «جيو» مجتمعة! وتضم كل شيء: منصة تسلق شبيهة بتلك الموجودة في الحدائق العامة، ومزلقة، وأرجوحة، بل وحتى حبلاً انزلاقياً  لم يكن ينقصها أي شيء على الإطلاق.

ومع ذلك، لم تكن تلك الألعاب هي ما لفت انتباه «جيو».

فبجوار النافذة في الجهة المقابلة، امتدت خزانة كتب ضخمة من الأرض حتى السقف، مكدسة بالكتب عن أخرها. وبدلاً من الأرفف التقليدية، أسند إليها سلم ذو عجلات بشكل مائل تماماً كالمكتبات التي تظهر في الأفلام، حتى يتمكن المرء من سحب الكتب من أعلى نقطة فيها.

"واو."

انفلتت شهقة إعجاب خافتة من فم «جيو».

وأمام خزانة الكتب، استقرت أريكة محشوة بالحبوب مستديرة الشكل، بدت كبيرة بما يكفي ليستلقي عليها ثلاثة بالغين.

ولأول مرة منذ أن بدأت موعد اللعب مع «هانتر»، ارتسمت على شفتي «جيو» ابتسامة صغيرة.

قفز «هانتر» على المقعد الدائري المتدلي من الحبل الانزلاقي وانطلق عبر الغرفة بسرعة جنونية. ولتفاديه، التصقت «جيو» بالجدار واقتربت بجهد حذر نحو النافذة.

وفيما كان «هانتر» يندفع بين ألعاب الغرفة كالسنجاب الطائر، دفنت «جيو» أنفها في كتاب، غارقة في عمق الأريكة المحشوة.

وعلى الرغم من وجودهما في المساحة نفسها، إلا أن لعب كل منهما بمفرده أضفى سكينة على قلبها. وسرعان ما استغرقَت كلياً في كتابها حتى نسيت أن هذه الغرفة ملكٌ لـ «هانتر».

مرَّ بعض الوقت.

"هل تعرفين كيف تتحدثين أساساً؟"

جفلت «جيو» بالصوت المفاجئ ورفعت رأسها بسرعة، لكن في اللحظة التي التقت فيها بعينيه الأزرقين الحادتين، سارعت إلى خفض بصرها وهزت رأسها.

"... نعم."

وكانت تلك نهاية المحادثة.

وبعد أن بدا أنه فقد الاهتمام بها مجدداً، ركض «هانتر» عائداً نحو منصة التسلق. تنفست «جيو» الصعداء وسمحت لعينيها بتتبع الكلمات المطبوعة مرة أخرى. ولم ترفع رأسها مجدداً إلا عندما تلا ارتطاماً خافتاً أنينٌ مكتوم.

كان «هانتر» مستلقياً على الأرض تحت منصة التسلق. بدت المنصة مرتفعة للغاية، ويبدو أنه سقط من هناك.

وبينما كانت «جيو» تراقبه بعينين مذعورتين، انتفض واقفا على قدميه، ثم تسلق المنصة من جديد.

كانت المقابض الملحقة بالعمود الطويل مثبتة على مسافات متباينة، بل وكان هناك عجلة دوارة في المنتصف تماماً، مما جعل اجتيازها يبدو تحدياً صعباً.

بذراعيه الطويلتين، واصل «هانتر» التأرجح بإصرار حتى وصل إلى العجلة الدوارة وتعلق بها. ومع ضمه لقدميه وتأرجحه بهما جئة وذهاباً، دارت العجلة نصف دورة بصوت صرير خفيف.

مد ذراعه الطويلة من اليد التي تمسك بالعجلة، لكن المقبض التالي كان يبعد خمس بوصات على الأقل عن أطراف أصابعه. فعاد للتعلق بالعجلة بكلتا يديه، وأرجح جسده للداخل والخارج قبل أن يقفز بجرأة.

أثناء مراقبتها له، أطلقت «جيو» شهقة مفاجئة رغماً عنها.

وكما كان متوقعاً، كادت أطراف أصابعه أن تلامس المقبض قبل أن يسقط على الأرض بارتطام ثقيل.

"أوغغ."

وبعد تلك التأوهة القصيرة، خيم سكون تام على غرفة الألعاب.

ومستلقياً كالنسر المبسوط، ضرب «هانتر» بقبضته على بساط الأرضية المبطن بسماكة، ثم جزّ على أسنانه وانتصب بجذعه العلوي واقفاً.

وفي اللحظة التي التقت فيها عينا «جيو» بعيني «هانتر»، خفضت رأسها على الفور. ولدى اختلاسها نظرة من طرف عينها، رأته ينفض الغبار عن ملابسه ويتسلق منصة التسلق مرة أخرى.

ارتطام. تذمر. سقوط. أنين. خبط، خبط. تذمر.

ومع تكرار هذه السلسلة المتشابهة من الأصوات مراراً وتكراراً، لم تستطع «جيو» كبح فضولها ورفعت رأسها مجدداً.

ألا يؤلمه ذلك؟

تساءلت في سرها متى سيعلن «هانتر» استسلامه.

وعندما أدرك أنها تراقبه، صرخ بإحباط:

"أستطيع فعلها!"

من الفزع والارتباك، هزت رأسها وكررت كلماته كالببغاء:

"أجل. يمكنك فعلها."

عندها فقط، نهض «هانتر» بخطوات غير ثابتة نوعاً ما، وصعد منصة التسلق مجدداً، ثم أمر «جيو»:

"أنتِ. شاهديني وأنا أفعلها بالشكل الصحيح. توقفي عن النظر في كتابكِ."

اجابت بصوت ضئيل ومتردد: "... حسناً."

وتحت أنظار «جيو» المترقبة، وصل «هانتر» إلى العجلة الدوارة مرة أخرى. وبإمساكه بالعجلة، ضم قدميه وتأرجح للأمام والخلف كالأرجوحة، محدثاً صوت صفير حاد في الهواء. ثم أطلق ذراعيه وقَفز.

كلانغ. مع صوت اصطدام راحته بالحديد، أصلح «هانتر» إمساكه بالمقبض بأعجوبة. ثم زأر كحيوان مفترس:

"نعم!"

"واو."

انطلقت تعجب ثناء حقيقية من فم «جيو» أيضاً وهي تشاهد هذا العرض.

ومن تلك النقطة، أصبح الأمر في غاية السهولة. نقل «هانتر» ذراعيه للأمام بالتناوب، واصلًا إلى نهاية منصة التسلق في غمضة عين. ترك المقبض بكلتا يديه، وهبط على الأرض بارتطام، ثم رفع ذقنه للأعلى وابتسم ابتسامة النصر.

وبعد أن تأكد من أن «جيو» شَهِدت نجاحه، أمرها مرة أخرى:

"لقد فعلتها! صَفِّقي."

صفّقت «جيو» بكفيها الصغيرين معاً بخطوات متتابعة خفيفة كما أمرها تماماً.

ورغم أن «هانتر» كان أكثر إخافة من شبح منتصف الليل أو وحش بقرون، إلا أن وجهه المبتسم كان ساحراً بطريقة ما، حتى إنه بدا كالملاك.

وعندما رأته يتمشى نحو قسم المكتبة، سارعت «جيو» إلى خفض رأسها ورفعت الكتاب أمام أنفها مباشرة دفاعاً عن نفسها.

ومن خلال الفجوة التي تعلو كتابها، اختلست «جيو» النظرات إلى «هانتر» وهو يتجول جيئة وذهاباً أمام خزانة الكتب، ممرراً يده على العناوين.

وعندما توقف في منتصف المسافة تقريباً، سحب كتاباً ذا فصول. ثم جاء ووقف أمام «جيو»، وركض بأصابع قدمه على الأريكة المحشوة.

"أنتِ. هل يمكنكِ حقاً قراءة كتاب ذي فصول؟"

"... نعم."

عندما أجابت «جيو» بتردد، دفع «هانتر» الكتاب الذي بيده نحوها.

"اقرئي هذا إذاً. بصوت عالٍ."

كان الكتاب الذي ناولها إياه هو  (بيت الشجرة السحري). وهو كتاب كانت قد بدأت قراءته في المكتبة، لتغلقه بدافع الخوف بعد الصفحات الأولى فقط. ومع ذلك، وبالمقارنة مع «هانتر»، كان الكتاب أقل إخافة بكثير.

أخذت «جيو» الكتاب، وبدأت تقرأ بصوت عالٍ وببطء.

وبعد أن وقف أمامها ليستمع للحظة، قفز «هانتر» على حافة النافذة العريضة والمبطنة، متطلعاً إلى الخارج ومرجحاً ساقيه.

لقد كان كتاباً مرعباً عندما قرأته بمفردها، لكن الغريب أنه لم يعد يبدو مخيفاً اليوم. ومع استغراق «جيو» المتزايد في المغامرة التي تتكشف بين الصفحات، توقفت الساقان المتدليتان أسفل حافة النافذة عن الحركة.

وفجأة، سقط «هانتر» -الذي كان يجلس بهدوء ويستمع إلى صوت القراءة- غاطساً فوق الأريكة المحشوة.

"آه!"

ومع انخفاض البقعة التي هبط فيها «هانتر» بحدة، اندفعت «جيو» -التي كانت تجلس بأدب- إلى الخلف مستلقية على ظهرها وهي لا تزال ممسكة بالكتاب. ولحسن الحظ، كانت هذه المرة فوق الأريكة المحشوة الناعمة.

خطف «هانتر» الكتاب من يديها واستلقى على بطنه فوق الأريكة.

"إلى أين وصلتِ في القراءة؟"

أشارت «جيو»، التي كادت توازن نفسها على الأريكة الغارقة، بسبابتها إلى منتصف الصفحة:

"هنا."

"سأقرأ أنا أيضاً."

قرأ «هانتر» بضع كلمات بصوت عالٍ، متعثراً فيها. ثم مد يده فجأة وسحبها أقرب إليه وهي تجلس بجهة غير مريحة بجانبه.

"الآن اقرئي أنتِ مجدداً."

"......"

حركت «جيو» قدميها ببطء قبل أن تستلقي على بطنها بجانب «هانتر».

"أسرعي."

"حسناً."

وعندما أعادت الكلمات إلى مجال رؤيتها، بدأت تقرأ بصوت عالٍ بهدوء وسكينة. مال رأس «هانتر» مقترباً من الكتاب.

نزلت «لورين» و«أيون-جونغ» إلى غرفة الألعاب للتحقق مما إذا كان الطفلان يلعبان بلطف ودون أي مشاكل، ليُفاجأا بهذا المشهد غير المتوقع.

كان الطفلان مستلقيين جنباً إلى جنب على بطنيهما فوق الأريكة المحشوة، ورأساهما متقاربان وهما يقرآن كتاباً معاً.

قفزت «روسا»، التي كانت تغفو على كرسي بجوار الباب، بذعر عند سماع صوت اقتراب الأشخاص، لكن «لورين» وضعت إصبعها على شفتيها، مشيرة إليها كي تعود للجلوس.

و«لورين»، التي كانت قلقة من أن يتصرف «هانتر» العنيد بلؤم ويجعل الفتاة الرقيقة الهادئة تبكي، هزت رأسها بعدم تصديق حتى وهي تشاهد ابنها يحدق في الكتاب.

لم يكن لدى «هانتر» أي اهتمام بالكتب. لقد تعلم الحروف الأبجدية والصوتيات في الروضة، ولكن بما أنه كان لا يزال في مرحلة يتعثر فيها بالكلمات، فقد كان يكره القراءة أكثر.

علاوة على ذلك، كان طفلاً يمتلك طاقة زائدة عن الحد تمنعه من الجلوس بهدوء في مكان واحد والتركيز. وحتى عندما كانت هي أو المربية تقرآن له، كان يفقد اهتمامه بسرعة. ومع ذلك، ها هو «هانتر» يتطلع في كتاب، غير مدرك تماماً أن أحداً قد دخل غرفة الألعاب.

أشارت «لورين» بأسلوب خفي لـ «أيون-جونغ» بعينيها للتراج إلى الخارج. ولدى مغادرتهما غرفة الألعاب بتكتم حتى لا تزعجا الطفلين، قادت «لورين» «أيون-جونغ» إلى الممر وتحدثت:

"«أيون-جونغ»، هل تتحدث «أوليفيا» الكورية بطلاقة أيضاً؟"

"أوه، بالطبع! إنها تفهم كل شيء وتتحدث بها بشكل جيد. أنا لا أتحدث معها إلا بالكورية، ومربيتها كورية أيضاً."

أجابت «أيون-جونغ» بضحكة ناعمة.

وبصراحة، كانت مجرد جليسة أطفال تستعين بها مرتين في الأسبوع، لكن «أيون-جونغ» أشارت إليها بـ "المربية"؛ إذ بدا المصطلح أكثر رقياً وبهرجة.

"آه. كان عليَّ فعل ذلك أيضاً، ولكن بما أن اللغة الإنجليزية أسهل بالنسبة لي، فإن التحدث بالكورية مع طفلي ليس بالمهام السهلة."

إرسال تعليق

0 تعليقات