الفصل (5) Please Just Use Me
أخذت "إميلي" نفساً عميقاً، وأشاحت بنظرها جانباً وهي تحاول إقناع الرجل المعتوه القادم أمامها بمنطق عقلاني وهادئ:
— "...إنه لأمر مؤسف حقاً يا سيدي الشاب، ألا توجد في هذه المنطقة آنسات شابات من طبقة مناسبة لتقوم بمصادقتهن."
ورغم أن صوتها كان يرتجف من الخوف، إلا أن الرسالة يبدو أنها وصلت إليه بوضوح:
— "تتحدثين بطلاقة وفصاحة مفاجئة، أليس كذلك؟"
لم تدرِ ما الذي يقصده بذلك، لكن الثناء —حتى وإن كان بلا معنى— يظل ثناءً، وشعرت بوجوب الإعراب عن امتنانها:
— "شكراً لك يا سيدي الشاب."
— "هل تلقيتِ تعليمكِ في مكان ما؟"
— "عملتُ في منزل قس الإبرشية لفترة طويلة، وقد علمتني زوجته أموراً كثيرة."
— "فهمت."
بدا أن إجابتها كانت كافية، إذ لم يضف أي كلمة أخرى. ولشدة فضولها لرؤية ردة فعله، رفعت إميلي عينيها بحذر.
وعندما التقت أعينهما، ابتسم لها السيد الشاب، لتظهر غمازتان على خديه الناصعين كالبورسلين. كان هذا المشهد المباغت كفيلاً بتجميد إميلي في مكانها كالصنم!
هل توقف الزمن؟ أم أن أناقته الرفيعة كانت غامرة إلى حدٍّ طهر المكان من حوله وجعله ساكناً؟
بدا أن أشعة الشمس المتدفقة عبر النافذة تتجمع وتتألق من حوله، لتزيد من حضوره إشراقاً وبهاءً.
كانت نظراته الناعمة والمنحنية تحجب جزئياً عينيه الزرقاوين اللافتتين، بينما جعل أنفه الحاد وشفتاه المنحوتتان بأناقة جمالَه يبدو وكأنه من عالم آخر. لقد كان مشهداً أروع من أن تصفه الكلمات المجردة.
وعلى غفلة منها، لم تدرك إميلي أن عينيها قد تسمرتا عليه، وكأنها عاجزة عن إشاحة بنظرها بعيداً.
— "ما الأمر؟"
انكسر الصمت، وحينها فقط أدركت إميلي أنها كانت تحدق فيه لفترة أطول من اللازم. أطرقَت رأسها بسرعة وهي مجفولة:
— "لـ.. لا شيء يا سيدي الشاب."
حدقت في الأرض، محاولة تهدئة عينيها المشتعلتين والطنين الذي يدوّي في أذنيها. وحتى وهي تكافح لاستعادة رباطة جأشها، ظلت الصورة الخاطفة المضيئة لوجهه تلاحق خيالها.
لاحظت حذاءه اللامع يبتعد خطوة إلى الخلف، وللحظة تجرأت على الأمل في أنه يغادر. غير أن سؤالاً آخر عاد ليرد:
— "ما الذي جاء بكِ للعمل هنا؟"
— "...سمعتُ أنهم يطلبون عمالاً، فكتبت لي زوجة القس خطاب توصية."
هل يجدر بها تكرار ما سبق أن أخبرت به الوكيل؟ أم أن الخوض في التفاصيل الكثيرة سيُعد أمراً غير لائق؟
ولعدم تأكدها، ترددَت إميلي قبل أن تسرق نظرة خاطفة إلى الأعلى لتستشف مزاجه.
— "فهمت."
أدار السيد الشاب رأسه لينظر إلى الأفق البعيد. وقبل أن تتمكن إميلي من قول أي شيء آخر، استدار مبتعداً ببطء:
— "لقد كان حديثاً قصيراً، لكنني استمتعتُ به يا إميلي."
غادر "آرثر" السقيفة وتوجه مباشرة إلى الحمام.
— "سـ.. سيدي الشاب...؟"
— "اخرجوا. جميعكم."
طرد الخدم المتلكئين بأمر حاسم وصارم، ثم فتح صنبور حوض الاستحمام وبدأ في خلع ملابسه.
وحتى مع وجود أحدث شبكات السباكة، لم تكن المياه الساخنة تتدفق فوراً دون تهيئة الأنابيب أولاً، لكن آرثر لم يطق الانتظار؛ فخطا إلى داخل الماء البارد على أي حال، غير قادر على تحمل الضوضاء التي تتزاحم في عقله.
— "……"
ومع انحسار الطنين في أذنيه، بدأت أفكاره المشوشة تصفو تدريجياً. غير أنه مع هذا الصفاء، اجتاحته موجة عارمة من الغضب.
أي نوع من العقاقير أطعموه إياه ليتركوه في هذه الحالة؟
كان بوسعه تحمل الهلاوس العابرة والضلالات السمعية، لكن المشكلة الحقيقية كانت في تفاقم هذه الأعراض واشتعالها في مثل هذه اللحظة الحرجة. كان ذهنه يشعر بضبابية وكأنه ملفوف بفضاء كثيف من الضباب، مما جعل التفكير أو الحديث بشكل سليم أمراً مستحيلاً.
لقد سنحت له أخيراً فرصة للتقرب من تلك الغريبة القادمة من الخارج، لينتهي به المطاف بالفشل في ترك انطباع مناسب! ورغم أنه حاول الحفاظ على هيئة هادئة ورزينة، إلا أنه وصلت به الحال إلى عجز تام عن فهم ما كانت تقوله، مما أجبره على الانسحاب.
إذن، ما الذي جاء بها للعمل هنا تحديداً؟
رش آرثر الماء الذي لا يزال بارداً على وجهه وفركه بقوة، ثم سرعان ما أزاح الفكرة من رأسه. فبالنظر إلى ملابسها الفضفاضة الشبيهة بالأكياس التي كانت ترتديها عندما رآها لأول مرة، فمن المرجح أنها مجرد فتاة فقيرة أخرى تبحث عن بضع قروش لقاء أعمال منزلية شاقة.
وإن كان الأمر كذلك، فإن منحها بعض المال ببساطة سيحل المشكلة. غير أن المعضلة تكمن في أنه لا يمتلك أي أموال سيالة حالياً؛ ولو كان يمتلكها، لما احتاج إلى اللجوء للتقرب من شخص مثلها في المقام الأول.
ما يهم الآن هو أنها تبدو شديدة الحذر والتوجس منه. ربما سمعت قصصاً وشائعات عنه من بقية العاملين.
ورغم ذلك، فقد حاول أن يكون ودوداً وسهل المنال قدر الإمكان —حيث عرّفها باسمه، وتصرف بنبل لتجنب أن تظن أنه مجرد رجل لعوب— غير أن الخوف كان مكتوباً بوضوح على تعابير وجهها.
أعاد آرثر شريط المحادثة في ذهنه، محللاً كل تفصيلة ليضمن أن ذهنه المضبب لم يدفعه للتصرف بشكل غير لائق. وتذكر سلوكها، وترددها في الكلام، والتلعثم في الكلمات القليلة التي نطقت بها.
— "قالت إنها آنسة شابة مناسبة من عائلة طيبة..."
بالنسبة لفتاة قادمة من الريف، كانت طريقة كلامها مصقولة ومهذبة على نحو مفاجئ. كان هناك شيء غريب في نبرتها، لكن هذا لم يكن مهماً. عاد آرثر إلى أفكاره السابقة.
عندما التقت أعينهما وابتسم لها، كانت ردة فعلها...
تلك اللحظة الخاطفة التي تحولت فيها تعابيرها الحذرة والخائفة إلى نظرة ذهول وشرود، كانت شيئاً يعرفه آرثر جيداً؛ فقد رآه مرات لا تحصى من قبل.
ورغم أنه يجد الأمر مزعجاً، إلا أن مظهر الخارجي كان غالباً ما يجلب له اهتماماً غير مرغوب فيه من النساء.
أطلق ضحكة جافة وهو يحدق في انعكاس صورته في مرآة الحمام. وحتى وهو مبلل ومبعثر الشعر، ظلت ملامحه القوية كما هي. لقد كانت الإرث الوحيد الذي لا يزال بإمکانه الاعتماد عليه بعد أن فقد كل شيء آخر.
وبيد يملؤها الانزعاج، فرك وجهه مجدداً قبل أن يستند بظهره إلى حافة الحوض مع تنهيدة عميقة. فاض الماء فوق الحافة ليغرق أرضية الحمام، لكن تنظيفه كان مشكلة شخص آخر.
أنهت إميلي مهامها لهذا اليوم، متظاهرة بالهدوء في الظاهر بينما كانت مضطربة وعاصفة من الداخل.
في البداية، قلقة من أنها ربما ارتكبت خطأً ما. لكن المحادثة كانت قصيرة، ولم يتخللها سوى القليل من الكلام ذي القيمة.
لم يحدث شيء مما كانت تخشاه. ولم يتبقَّ سوى الموقف نفسه: أي نوع من المرض هذا الذي يعاني منه السيد الشاب ليجعله ينحدر إلى مستوى الحديث مع شخصية وضيعة وغير مهمة مثلها؟
كان ذهنها مليئاً بالأسئلة، لكن لم يكن هناك من يجيب عليها.
وكان الشخص الوحيد الذي قد يعلم شيئاً هي "هانا"، لكنها لم تكن تبدو قابلة للحديث في الوقت الحالي. فعندما عادت إميلي إلى غرفتهما المشتركة، وجدت هانا مستلقية على وجهها فوق السرير وهي تنتحب بصوت خفيض.
ترددت إميلي قبل أن تتجه بسكون إلى زاويتها الخاصة. تحركت هانا عند سماع الصوت، وجلست وهي تمسح أنفها.
— "لم يحدث شيء،" تمتمت هانا.
لكن من الواضح أن شيئاً ما قد حدث!
— "أنا فقط... اشتقتُ لأمي. هذا كل ما في الأمر."
— "فهمت."
لم تكن هانا تبدو راغبة في الحصول على المواساة، لذا تركتها إميلي وشأنها. وبعد لحظة من الصمت، مسحت هانا وجهها وسألت بنبرة أنفية:
— "أنتِ تجيدين عملكِ أفضل مما توقعت."
هل تعرضت للتوبيخ مجدداً بسبب ضعف أدائها؟ لقد رأت إميلي حدوث ذلك عدة مرات، لكنها تصنعت الجهل وهي تجيب بحذر:
— "أحقاً؟ كنتُ قلقة، لكنني سعيدة بسماع ذلك."
قررت إميلي استكشاف الأمور بسؤال صيغ بعناية:
— "لكنني لا أزال غير متأكدة من بعض الأمور. هل هناك أي شيء يجدر بي الحذر منه أثناء العمل؟"
يبدو أن مزاج هانا قد تحسن، إذ انتفخت بكبرياء وأجابت بشيء من التعالي:
— "حسناً، كبداية، لا تقتربي من مخزن القبو؛ فهناك يحتفظون بالخمور والبهارات الثمينة."
— "بالتأكيد! لن أنظر إليه حتى، ما لم أُكلف بتنظيفه."
— "و... احذري من الخادم الرئيسي (البيتشار)؛ فهو صارم للغاية."
أومأت إميلي برأسها، أملةً في توجيه الحديث نحو السيد الشاب:
— "السيد جيفرسون صارم، هاه؟ شكراً على التحذير."
— "لا، ليس السيد جيفرسون! إنه في الحقيقة لطيف جداً."
— "أوه، إذن هناك خادم رئيسي آخر؟ لم ألتقِ به من قبل."
رئيس آخر صعب التعامل معه! لكن هذا لم يكن محط اهتمامها الآن. غير أن هانا كانت تبدو مشغولة الفكر، وهي تتمتم بجدية مع نفسها:
— "لقد ذهب إلى العاصمة قبل وصولكِ مباشرة. أتساءل متى سيعود؟"
— "فهمت."
كادت إميلي تستسلم وتترك الموضوع، عندما أطلقت هانا تنهيدة إحباط وهي تحل شعرها المربوط:
— "على الخادم الرئيسي العودة قريباً... لقد نفد دواء السيد الشاب منذ فترة طويلة!"
انتصبت أذنا إميلي اهتماماً، لكنها نفضت وسادتها بعفوية وهي تردد كلمات هانا:
— "نفد دواء السيد الشاب؟ هذا يبدو أمراً خطيراً!"
— "إنه يستمر في التجول هنا وهناك... أخشى أن يتسبب في ضجة أخرى... على أية حال، لنذهب للاستحمام."
أنهت هانا المحادثة عند هذا الحد، لكن إميلي شعرت بأنها عرفت شيئاً في غاية الأهمية.
أطلقت تنهيدة ارتياح خفيفة؛ فالسيد الشاب مريض بوضوح، ولكن طالما سيعود الخادم الرئيسي من العاصمة، فمن المرجح أنها لن تضطر للتعامل معه مجدداً أبدًا.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا