الفصل (47) الدوق ويندبيرغ

 


47. العاطفة التي يثيرها الضعفاء

❈────────•✦•────────❈

لم يكن (جاريد جلين) بحاجة إلى شيء؛ فكل ما أراده هو السلام… حياة خالية من سقف الطموحات المرتفعة وخيبات الأمل على حد سواء. حياة تبدو متماسكة في ظاهرها، ولا يدفع فيها أحد أو يطالب منه بشيء بعد الآن.

وليعيش بهذه الطريقة، كان عليه أن يفعل ما هو ضروري. وإلى أن يُرزق بوريث يحمل اسم العائلة، كان عليه أن يتحمل وطأة هذا الالتزام الجاف والميكانيكي، في مساء كل ثلاثاء.

وعندما انتهى ذلك اللقاء المنظم، كتم أنفاسه بصعوبة وهو يغالب اضطرابه الداخلي. واستعاد (جاريد) توازنه وجلس على حافة الفراش، وكان يأمل أن تظل المرأة التي بجانبه—والتي كانت لا تزال تلتقط أنفاسها اللاهثة—على حالها؛ عيناها مغمضتان، دون أن تنظر إليه ودون أن تحدق في ملامحه مجدداً. وقبل أن تفتح (روزلين) عينيها، انزلق من السرير وأسرع خطاه نحو الحمام وكأنه يهرب من الموقف.

فتح الصنبور، وترك الماء البارد يتدفق بغزارة وغمس رأسه في المجرى المثلج. وهدأ جسده الساخن على الفور، ومع ذلك كان عقله لا يزال يشتعل بالأفكار المزدحمة. وظل تحت الماء حتى تبددت الحرارة تماماً، وحتى انخفضت درجة حرارة جسده بما يكفي ليشعر بالقشعريرة.

وحتى بعد انتهائه من الاغتسال، لم يعد (جاريد) إلى غرفة النوم؛ بل سلك أحد المخرجين في غرفة الملابس، ذلك الذي يؤدي مباشرة إلى الردهة الخارجية، واقترب من خزانة المشروبات الكبيرة. في هذه الليلة، ومرة أخرى، كان بحاجة إلى تصفية ذهنه، باحثاً عن مكان ينعم فيه بالهدوء التام بمفرده في عتمة الليل.

هل كان مجرد خيالها أن شيئاً ما بدا مختلفاً هذه المرة؟

راودت (روزلين) تلك الفكرة حتى قبيل نومها. استلقت في السرير، تنتظر عودته، ولكن كالعادة، لم يفتح باب غرفة النوم قط قبل أن تغط في نوم عميق.

كان لـ(جاريد) عادة السهر لوقت متأخر، لذا، باستثناء ليالي الثلاثاء، اعتادت (روزلين) على عدم انتظاره. وفي بعض الأحيان، عند الاستيقاظ صباحاً، كانت ترى ظهره وهو نائم في سريره المنفصل، ولكن في أغلب الأحيان، كانت تبدأ يومها بالتحديق في الملاءات الفارغة والمبعثرة حيث كان يرقد. كان زوجها رجلاً ينام قليلاً جداً.

ومع ذلك، في هذه الليلة، ولسبب ما، ظنت أنه قد يعود مبكراً. وعندما توقف صوت المياه الجارية خلف غرفة الملابس، خفق قلبها ترقباً، ودفنت نفسها تحت الأغطية، متمنية أن يفتح الباب. وإذا عاد، أرادت أن تستجمع شجاعتها لتسأله عن أمر يشغل بالها...

لماذا أظهرتَ تلك المودة أمام الجميع في الحفل؟

"اعتني بزوجتي جيداً."

كان (جاريد) يبدو أكثر عاطفية واهتماماً بكثير عندما يكون الآخرون حولهما؛ فالطريقة التي ينظر بها إليها، والابتسامات الدافئة التي يمنحها إياها، كانت أشياء لا يظهرها أبداً عندما ينفردان. وأدركت أن لطفه البالغ كان مجرد عرض مدروس أمام المجتمع.

"هل ستنشر تلك الصور حقاً في الصحف؟"

"يعتقد مساعدي أن ذلك سيكون مفيداً لأعمالنا."

لذا، فإن تلك اللمسة الخاطفة على وجنتها لا بد وأنها كانت جزءاً من نفس الحسابات العملية. كانت تعلم هذا، ومع ذلك كانت لا تزال تريد أن تسأله؛ لأنها، على الرغم من كل شيء، لم تستطع التخلي تماماً عن بصيص الأمل. ربما كان هناك سبب آخر، ربما فعل ذلك ببساطة لأنه أراد الاقتراب أكثر... ولأنه، ربما، بدأ يألف وجودها في حياته، ولو قليلاً.

"إذن، هل اكتشفتِ ما يفعله مفتشو الأسلحة النارية؟"

أخرج سؤال الليدي (ديان جلين) (روزلين) من أفكارها المشتتة. رمشت بعينيها، وثبتت نظرتها على فنجان الشاي أمامها، ثم رفعت رأسها بابتسامة مهذبة:

"نعم، يا أمي. يبدو أنهم مسؤولون أيضاً عن صيانة الأسلحة وتأمينها."

"صيانة الأسلحة؟ هذا مثير للاهتمام."

"هناك العديد من الأسلحة بين القطع الأثرية المخزنة في الملحق القديم، وقد صادف أنهم بحاجة إلى أيدٍ عاملة إضافية هناك، فتم تدريب المفتشين كمساعدين؛ حيث ينظفون الأسلحة القديمة، ويصقلون السيوف والدروع بانتظام… إنها وظيفة تتطلب قدراً كبيداً من الدقة والعناية."

"للحفاظ على الأشياء الثمينة، يجب على المرء أن يبذل جهداً مستمراً."

"أنتِ على حق تماماً."

وافقتها (روزلين) الرأي، ووضعت فنجان الشاي برفق.

كانت المرأتان تجلسان في غرفة الطعام الصيفية، وكانت (روزلين) تعلم أن الدوقة الأرملة تفضل هذه الغرفة وتستخدمها من أواخر الربيع إلى أوائل الخريف؛ إذ كانت (ديان جلين)، التي تنحدر أصلاً من الأقاليم الجنوبية، غالباً ما تتذمر من فصول الشتاء الطويلة والقاسية في الشمال.

وتماشياً مع هذا السياق، غيرت (روزلين) مجرى الحديث قائلة:

"أمي، لماذا لا تقضين الشتاء في قصر العاصمة؟ الكثير ممن يملكون منازل هناك يفعلون ذلك. هل لأنكِ تجدين الإقامة هناك غير مريحة؟"

نظرت (ديان جلين) إلى زوجة ابنها للحظة، ثم قالت بابتسامة باهتة:

"ألم يخبركِ (جاريد) بعد؟"

وتابعت بنبرة هادئة: "نحن نادراً ما نقيم في ذلك المنزل بالعاصمة."

"ولماذا ذلك؟"

"بسبب الكبرياء."

ارتسمت ابتسامة غامضة ومحملة بالذكريات على شفتي الدوقة الأرملة، وانتظرت (روزلين) التوضيح، فأردفت (ديان):

"المنزل في العاصمة كان في الأصل هدية من الإمبراطورة الأولى؛ حيث حصلت عائلة (جلين) على الدوقية بعد معاهدة الاستسلام القديمة، وعرضت عليهم الإمبراطورة ذلك القصر كبادرة حسن نية لتخفيف استيائهم. لكن رجال عائلتنا رأوا في تلك الهدية نوعاً من الإهانة المبطنة لكبريائهم، وظل هذا الموقف ثابتاً حتى الآن، بعد مرور ثلاثمائة عام."

ضحكت (ديان) وهزت رأسها، وكان شعرها الأشقر البلاتيني المصفف بعناية يتلألأ تحت أشعة الشمس.

"كبرياء الرجال في هذه العائلة يشبه عناد الأطفال—أحمق تماماً؛ فالأطفال عندما يعاندون، يتشبثون بموقفهم فقط لإثبات وجهة نظرهم، والأمر هنا لا يختلف."

علقت (روزلين) متبسمة: "كان إخوتي الأصغر سناً على نفس الشاكلة."

"وكذلك كان أبنائي."

ضحكت (روزلين) معها؛ فعلى الرغم من أن حماتها كانت امرأة حازمة وصعبة المراس، إلا أنه كانت هناك لحظات تقارب حقيقية تجمعهما.

وتابعت الدوقة: "على أي حال، اعتبري ذلك المنزل شيئاً نادراً ما نستخدمه، فنحن نقيم هناك لبضعة أيام فقط خلال مهرجان الشمس على الأكثر."

"ولكن، يا أمي، أنتِ في الأصل من العاصمة، ألن يكون الأمر متعباً لكِ إذا احتجتِ للتواجد هناك؟"

"ليس هناك أي إزعاج؛ أنا ببساطة أقيم في الجناح المخصص لنا بالقصر الإمبراطوري."

فاجأت الطريقة العفوية التي قالت بها ذلك (روزلين)؛ فالإقامة في ضيافة القصر الإمبراطوري مباشرة تعكس النفوذ الهائل للعائلة.

سألتها (ديان): "ألم تزوري القصر بعد، أليس كذلك؟"

"ليس بعد."

"في الربيع القادم، ستفعلين بالتأكيد."

فالأسبوع الأول من شهر مارس يمثل الذكرى السنوية لتأسيس الإمبراطورية، ويُعرف بمهرجان الشمس، حيث يُدعى النبلاء من جميع أنحاء البلاد إلى مأدبة كبرى في القصر. وبصفتها زوجة الدوق الحالية، ستتلقى دعوة رسمية بكل تأكيد.

وأضافت (ديان) بفخر: "سيُعجبكِ المكان؛ فقصر تريسن مكان رائع حقاً. كان يزعجني دائماً أن (جاريد) يذهب بمفرده كل عام، لكن في العام المقبل، لن يكون وحيداً."

ردت (روزلين) بابتسامة راضية. كانت غرفة الطعام الصيفية مغمورة بالضوء، مما جعل عيني الدوقة الخضراوين تتلألآن بوضوح؛ عينان خضراوان جميلتان حدقت فيهما (روزلين)، مفكرة في زوجها، الذي كانت عيناه تحملان نفس اللون والعمق تماماً.

في الليلة الماضية، عندما التقت عيونهما في العتمة، كانت متأكدة من أنها رأت شيئاً ما؛ فعلى غير العادة، لم يبدأ (جاريد) لقاءهما على الفور، بل ساد صمت غير عادٍ، وقفة غريبة استشعرت فيها نظراته التي تتأملها بهدوء. وحتى وعيناها مغمضتان، كانت تشعر بتركيزه، ولهذا السبب فتحتهما لتلتقي نظراتهما.

في عينيه، وهو ينظر إليها، رأت ملامح غير مألوفة؛ كانت العاطفة المخفية في تلك اللحظة أشبه بالرفق والتحفظ الذي يشعر به المرء عند النظر إلى شيء رقيق وهش بحاجة للحماية. كانت هناك عاطفة يثيرها الضعف والهدوء في النفس، رؤيتها تجعلك ترغب في الإحاطة بها ورعايتها. لطالما كانت (روزلين) تنجذب بطبيعتها لتقديم الدعم والاهتمام، لكنها لم تتوقع أبداً أن تستشعر هذا الجانب المكبوت والخفي في شخصية زوجها الصارم.

(لماذا نظر إليّ بتلك الطريقة؟ أم أنه كان ينظر إليّ دائماً هكذا، لكني لم ألاحظ لأن عينيّ كانت مغمضتين في كل مرة؟)

فجأة، دوّى صوت طلقة نارية عالية في الأفق، فرفعت (روزلين) رأسها والتفتت قليلاً نحو الشمال، حيث الحقول الممتدة، وعلمت أن هذا الصوت سيستمر للدقائق القادمة.

علقت (ديان جلين) بنبرة تهكمية خفيفة: "لا بد أن السادة قد بدأوا منافسات الرهان مجدداً."

"هذا يعني أنه سيكون لدينا صيد طازج على مائدة العشاء الليلة."

وضحكت المرأتان معاً.

كان (جاريد) يحب ممارسة الرماية، وقد أنشأ ميداناً خاصاً في العقار حيث يجتمع مع ضيوفه لإطلاق النار على الأهداف بدقة. وفي الليالي التي تُوضع فيها الرهانات، تكون أجواء المأدبة حيوية ومليئة بالنقاشات، وتمتلئ الطاولة بأطباق الطيور البرية.

قالت (روزلين): "أتساءل كم مرة سيكون بعيداً عن العقار هذا الخريف، إذا كان متحمساً إلى هذا الحد خارج مواسم الارتحال..."

فقاطعتها (ديان) قائلة: "لا داعي للقلق؛ فـ(جاريد) لا يذهب لرحلات الصيد الطويلة في الغابات."

أمالت (روزلين) رأسها متفاجئة: "حقاً؟ هل يكره الصيد؟"

رجل نبيل في مثل مكانته ولا يخرج للصيد؟ بالنسبة لمعظم الرجال الأرستقراطيين، كان الصيد بمثابة رياضة وتفاعل اجتماعي أساسي؛ وكان والدها وإخوتها ينتظرون مواسم الصيد بفارغ الصبر في كل عام.

❈────────•✦•────────❈

إرسال تعليق

0 تعليقات