الفصل (44) الدوق ويندبيرغ
44. ذلك النوع من الأشخاص
❈────────•✦•────────❈
كان (جارد) مستغرقاً في أعماله التجارية إلى حد كبير؛ حيث كان يتلقى تقارير دورية من جميع الشركات والمشاريع التي تقع تحت اسمه، ويحضر الاجتماعات الهامة بنفسه. وعلى عكس معظم النبلاء الذين كانوا يكتفون بالبقاء في الظل كمجرد مساهمين أو مستثمرين، كان هو يشارك في الإدارة بشكل مباشر.
وتساءلت (روزلين) في نفسها عن منشأ طموحه هذا في مجال الأعمال، ولعل ذلك يعود إلى خبرته السابقة كمحامٍ؛ فقد كان معروفاً في جميع أنحاء الإمبراطورية أن (جارد) عمل في القسم القانوني لإحدى شركات النقل قبل أن يرث لقبه وعرش المقاطعة. وافترضت أن أسلوبه غير التقليدي نابع من ذلك الماضي الفريد.
فالنبلاء بالوراثة لم يكونوا يعملون؛ كانوا يحملون الألقاب دون أن يمتهنوا مهناً حقيقية، ويبدو أن (جارد) كان عميد الأسرة النبيلة الوحيد الذي كسب المال بجهده وعمله الخاص. وقد أبهر هذا الفكر التقدمي (روزلين) وأثار إعجابها، ولكنه في الوقت نفسه بث في نفسها نوعاً من عدم الارتياح.
علق (جارد) قائلاً: "هناك الكثير من الناس المتلهفين لرؤيتكِ."
وتابع والابتسامة ترتسم على شفتيه دلالة على التسلية: "الجميع كانوا بانتظار أن أُعرّفهم على زوجتي. وقد أخبرني (موريسون) أن الصحف والمجلات يتوسلون حرفياً لإجراء مقابلة معكِ."
لقد كانت خطوتهما الجريئة بنشر صور زفافهما في الصحافة فعالة للغاية؛ إذ ظهرت الصور في الصحف اليومية الأسبوع الماضي، ولاقت استجابة واسعة، كما نُشر تقرير خاص آخر قبل ثلاثة أيام فقط.
وفكرت (روزلين) في الصور الثلاث التي اختارتها بنفسها؛ حتى بالنسبة لها، بدت تلك الصور جميلة بما يكفي للاحتفاظ بها، لكنها لم تفعل؛ لأنها كانت صوراً معدة ومصطنعة، لا تعكس الواقع.
قالت: "لا أعتقد أن إجراء مقابلة سيكون فكرة جيدة."
فأجابها: "وأنا أوافقكِ الرأي. لا أريد أن يتوافد الصحفيون على (ماكسفيل) أيضاً."
"هذا يبعث على الارتياح."
"إن حضور مناسبات كهذه بين الحين والآخر يعد كافياً. فإذا تكرر ظهور المرء كثيراً، يمل الناس."
"آمل ألا نخيب آمالهم الليلة."
"لن يحدث ذلك."
التفت (جارد) برأسه نحوها لأول مرة، وتلاقت نظراتهما. وحتى تلك اللحظة، كان يراقب المشهد في الخارج. وكان الغسق قد ازداد عمقاً، مخلفاً بظلاله على عينيه لتبدوا بلون يقارب السواد.
واستقرت نظراته عليها، متنقلة من عينيها إلى وجنتيها، ثم شفتيها، نزولاً إلى فكها، وأخيراً عنقها.
جعلها هذا التدقيق تشعر بالارتباك والوعي بذاتها، حتى أن ثوب السهرة الذي يبرز كتفيها بدا لها فجأة غير مريح تحت نظراته.
"لا تقلقي بشأن هذا يا روزلين."
واستقرت عينا (جارد) على فستانها الأزرق الداكن؛ وهو لون عائلة (جلين). وكانت والدته، الليدي (ديان)، قد أثنت عليها ذات مرة قائلة إن عينيها الرماديتين تناسبان هذا اللون تماماً.
وتابع وعيناه تلتقيان بعينيها مجدداً: "الجميع سيقولون إنكِ فقتِ التوقعات."
ابتسمت (روزلين)؛ فإذا كان يتوقع منها أن تفوق التوقعات، فستفعل ذلك تماماً وبشكل مثالي، دون أن تمنحه سبباً واحداً للإحباط.
(يمكنني فعل هذا).
راقبها (جارد) بصمت للحظة قبل أن يلتفت عائداً بنظره إلى النافذة.
وخلف الزجاج، كانت الظلمة تتراجع، بينما أخذت مصابيح الغاز في المدينة تزداد كثافة؛ لقد دخلوا المدينة أخيراً.
كانت دار الأوبرا تقع غرب محطة (ويندبيرغ)، في مواجهة ساحة (إيرفينغ). وكانت واحدة من أكبر وأجمل المباني في المدينة. وفي الأصل، كانت تعود لملكيتها لعائلة (جلين)، لكن جد (جارد) تبرع بها للمنفعة العامة، وأطلقت حكومة المدينة عليها اسم "قاعة فلينت" تكريماً لكرم الدوق العاشر.
"مرحباً بك يا صاحب السعادة، لقد كنا بانتظارك."
وعند وصولهما، كانت القاعة مكتظة بالفعل. واستقبلهما العمدة بنفسه، بعد أن أُبلغ مسبقاً بموعد وصولهما.
"العمدة (غرانت)، تبدو في حال رائعة الليلة."
"وكذلك أنت يا صاحب السعادة. هل السعادة الزوجية هي السر وراء ذلك؟"
فأجابه (جارد) بسلاسة: "لا يمكنني إنكار ذلك."
كان العمدة، (راينر غرانت)، يقترب من الستين من عمره، ويشغل منصبه منذ ثلاثة عشر عاماً؛ إذ لم تكن هناك قيود على فترات الولاية للمسؤولين المنتخبين في إمبراطورية (تريسين)، طالما استمر الناخبون في دعمهم.
قال (جارد): "هذه زوجتي."
"أيتها الدوقة."
فأجابت (روزلين) بامتنان: "شكراً لك على الدعوة يا سيادة العمدة."
"إنه لشرف كبير لنا حضوركِ."
وحيّا العمدة الدوقة بأدب جم، وفي تلك اللحظة ومضت أضواء كاميرات التصوير.
وحافظت (روزلين) على هدوئها؛ إذ لم تكن تتوقع أن يمر هذا الحدث دون وجود المصورين.
وعرّف العمدة بزوجته قائلاً: "هذه زوجتي، (ريتا)."
"مساء الخير، ليدي (غرانت)."
"إنه لشرف كبير يا صاحبة السعادة. أنتِ أكثر جمالاً مما تبدين في الصحف."
وانحنت زوجة العمدة، وهي امرأة نحيلة ذات مظهر لطيف، وابتسمت بدفء.
وبعد تبادل عبارات الترحيب القصيرة، التفت العمدة (غرانت) نحو الأوركسترا قائلاً:
"بما أن الدوق والدوقة قد وصلا، فقد حان الوقت لافتتاح الرقصة. لقد كانت زوجتي تتدرب لأسابيع، ولعلها اكتشفت موهبة مخفية لديها."
فقالت الليدي (غرانت) معترضة بلطف: "أوه، كف عن هذا. أرجو ألا تساء الفهم يا صاحب السعادة، أنا ببساطة أحاول ألا أحرج نفسي."
فقال (جارد) متبسماً وهو يمد يده نحوها: "سأبذل قصارى جهدي لأضمن عدم حدوث ذلك."
ولاحظت (روزلين) مزيجاً من المفاجأة والبهجة على وجه الزوجين.
"يا إلهي، يا صاحب السعادة!"
"يمكنني أخيراً أن أطلب من سيدة رقصة دون تردد، الآن بعد أن أصبحت لدي مرافقتي الخاصة."
كانت هذه لفتة احترام، والأهم من ذلك، أنها كانت تعني أن (جارد) يعتبر العمدة شخصية هامة. كما أكد ذلك أمراً كانت (روزلين) تشك فيه؛ وهو أن (جارد) لم يسبق له أن اصطحب مرافقة إلى مثل هذا الحدث من قبل.
وقال (جارد) وهو يلقي نظرة على (روزلين): "إذا كان لي أن أتباهى، فإن زوجتي راقصة بارعة. ولعلها شريكة ماهرة للغاية بالنسبة لك، يا سيادة العمدة."
"ليس لدي أدنى شك في ذلك يا صاحب السعادة. هذا شرف كبير."
ثم التفت إلى (روزلين) بابتسامه داعبة وقال: "انتبهي لخطواتكِ يا روزلين."
وبينما ضحك العمدة وزوجته، التقت نظرات (روزلين) بنظراته؛ كان يبتسم بدفء، ابتسامة زوج محب. ولأجل لحظة عابرة، كادت تلك الابتسامة تخلب لبها.
وبدأت موسيقى الفالس، وخطا الزوجان إلى ساحة الرقص.
كان العمدة (غرانت) راقصاً متمكناً؛ فلم يطأ قدمها ولو لمرة واحدة، بل وكان لديه من الهدوء ما يكفي ليقدم لها التهنئة على زواجها. ولم يكن قد دُعي إلى حفل الزفاف؛ إذ اقتصرت قائمة الضيوف على النبلاء فقط.
وبعد الرقصة الأولى، بدأ العمل الحقيقي.
إذ اقترب سيل متواصل من الناس من (جارد)، متلهفين لتحيته. وكان يقابل كل واحد منهم بأسلوب دمث، متبادلاً التعارف والمجاملات بكل سلاسة وأريحية. وكان معظمهم من عامة الشعب؛ رجال عصاميون بنوا أنفسهم وحققوا نجاحات في مجالاتهم المختلفة.
وطوال هذا "الواجب" اللامتناهي، ظلت (روزلين) إلى جانبه؛ تُعرَّف على الغرباء، وتستمع إلى حوارات بالكاد تفهمها، وتبتسم وكأنها مستوعبة لكل شيء، مراراً وتكراراً.
وكلما راقبته أكثر، زاد إعجابها به.
لقد حافظ (جارد) على ثباته وهدوئه بشكل مثالي، ولم يظهر عليه أي ملل أو تعب. وعلى العكس من ذلك، بدا مهتماً بحق، يطرح أسئلة دقيقة وذكية تنم عن تفكير وتلقى استحسان محدثيه.
(كيف يحافظ على هذا التركيز العالي؟ كيف يكون بهذا الصقل والتماسك التام؟)
وكلما طال وقوفها إلى جانبه، شعرت بالفخر لكونها زوجته. وحتى لو لم تفعل شيئاً، وحتى لو كانت مجرد زينة تقف بجواره، فقد كانت راضية تماماً.
بل أكثر من ذلك؛ كانت تتوق لتكون جزءاً من تلك الحوارات.
أرادت أن تكون امرأة يفخر بها.
امرأة يمكنها نيل إعجابه وتقديره.
شخصاً يستمتع بوجوده معها حقاً.
(هذا هو نوع الأشخاص الذي أريد أن أكونه).
وطوال الأمسية، ركزت كل انتباهها على الاستماع، وحفظ التفاصيل، وإتقان ابتسامتها.
وحينما بدأت وجنتاها تؤلمانها من كثرة الابتسام المصطنع، قاطعها صوت مألوف:
"ابن عمي!"
إنه ابن عم (جارد) الأكبر، (ألكسندر جلين).
"أخي ألكسندر."
"لقد كنتُ أحاول الوصول إليك طوال الليل، لكن الناس يلتفون حولك كالصقور التي تلاحق الأرنب. ومن المفترض بنا نحن أن نكون الصقور."
ابتسم (ألكسندر) وعانق (جارد) بعفوية. وبقامتيهما الفارعتين وشعرهما الداكن، كان يمكن للمرء أن يخطئ ويظنهما شقيقين.
ثم التفت (ألكسندر) نحو (روزلين) قائلاً: "أيتها الدوقة، أنتِ مذهلة حقاً."
"اللورد جلين."
ومد يده بحركة مبالغ فيها، فلم تترك لها خياراً سوى الاستجابة؛ وحينما حيّا يدها المكسوة بالقفاز، ابتسمت بخفة. ولحسن الحظ، كانت ترتدي قفازات حريرية.
وقاطعهم صوت آخر قائلاً: "يسعدني رؤيتك هنا يا جارد."
فأجاب (جارد) بأدب: "وأنا كذلك، ليدي جلين."
إنها (ناومي جلين). وبشعرها الذهبي الداكن وعينيها الزرقاوين الساحرتين، كانت تحمل نفس الملامح المميزة لعائلة (جلين) مثل زوجها.
وقد التقت بهم (روزلين) لأول مرة في حفل الزفاف.
وكان (ألكسندر) هو الثاني في ترتيب وراثة عائلة (جلين). وتذكرت أنها كانت حذرة منه في ذلك اليوم، رغم أنه لم يكن لديها سبب واضح لذلك. إلا أن الطريقة التي كانت تنظر بها عيناه الزرقاوان اللامعتان إليها جعلتها تشعر بعدم الارتياح.
❈────────•✦•────────❈


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا