الفصل (34) Love: zero
أخفض جارد رأسه وأطلق تنهيدة ارتياح طويلة ومبالغاً فيها. وعندما رفع رأسه مجدداً، لمع بريق طريف في عينين تحملان نفس لون عيني هانتر تماماً.
«شكراً يا هانتر. كنت قلقاً سرّاً من أن أضطر للبدء من الصفر، لكنك ابني على أي حال، ولن تخيب ظن والدك. لولا أن لورين كانت تلح عليّ منذ أيام لأتحدث معك، لما حلمت بإزعاجك بمثل هذه الأمور أبداً. يمكنك تصديق ذلك.»
أطلق هانتر ضحكة مكتومة وهو يزرر قميصه، ولاحظ أن الكتفين والساعدين كانا ضيقين قليلاً، رغم أنه تم تفصيل القميص منذ فترة قصيرة فقط. يبدو أنه نما مجدداً، لأنه في الآونة الأخيرة كان يضطر لشراء قمصان وأحذية رياضية جديدة كل ثلاثة أشهر.
تحسنت حالته المزاجية لأن المحادثة كانت تنتهي بأسرع مما توقع، وابتسم ابتسامة عريضة.
«أنا أصدقك. لذا، لننهِ هذا النقاش هنا. اترك المائتي دولار على المكتب، وأغلق الباب وراءك وأنت خارج.»
صفق جارد بكفيه وقام من مقعده.
«حسناً. أوه، بالمناسبة، إلى أين أنت ذاهب اليوم؟»
«هناك حفلة مشتركة للصف الثامن... حفلة الربيع.»
«آه، حفلة الربيع... أعرفها جيداً.»
وكأنه تذكر شيئاً فجأة، فتش جارد في الجيب الداخلي للسترة الملقاة على ذراعه وسحب محفظته. أخرج منها شيئاً، وأمسكه بين أصابعه، ثم حرك معصمه باتجاه هانتر.
بقي هانتر واقفاً في مكانه تماماً، ومد ذراعه بدقة وسرعة ليلتقط الطرد الصغير الطائر فوق رأسه. لم يكن بحاجة حتى لفك غلافه ليعرف ما في يده.
أشار جارد إلى الواقي بتعبير جاد للغاية.
«تحسباً لأي ظرف، احتفظ بواحد على الأقل في محفظتك.»
«لماذا بحق السماء أضع هذا في محفظتي...؟»
في اللحظة التي استنتج فيها السبب، انقبض وجه هانتر في عبوس شديد، وشعر بالغثيان. لم يكن يريد معرفة أي شيء عن الحياة الشغوفه لوالديه.
«أنت تعرف كيف تستخدمه، أليس كذلك؟ عندما تضع الواقي ، تضغط على الطرف بأصابعك لإخراج الهواء—»
«أبي!» قاطعه هانتر وهو مصدوم تماماً.
«هيّ، نادني "بابا". كلمة "أبي" تشعرني بالبعد.»
تجاهل هانتر جارد الذي يتظاهر بالحزن. ونظراً لسنه، لم يكن بوسعه إطلاقاً أن يناديه «بابي» كما تفعل ديزي.
«أنا أعرف بالفعل كيفية ارتدائه. لماذا تطرح هذا الموضوع فجأة من لا شيء بينما كنا نتحدث للتو عن حفلة!»
بينما قطّم هانتر حاجبيه في عدم تصديق تام، رد عليه جارد بسؤال ووجهه يملؤه الذهول.
«ألا يصلح الفتيان اكثر إشتعالا بعد الحفلات هذه الأيام؟ لقد قلت إنها حفلة مشتركة. هل الأجواء مختلفة عما كانت عليه عندما كنت طفلاً؟ ضع هذا في اعتبارك: الأمر لا يتعلق فقط بحماية الطرف الآخر، بل يتعلق أيضاً بحماية نفسك. هانتر، عندما كنت مراهقاً—»
«أبي،» قاطعه هانتر مرة أخرى وهو يضغط على أسنانه. لم يملك أدنى اهتمام بحكايات رجل كان مراهقاً قبل نحو ثلاثين عاماً.
ومع ذلك، حرك جارد سبابته ليشار إلى أنه لم ينتهِ من الكلام بعد. كانت خطاباته تطول دائماً كلما تحول الموضوع إلى الثمانينيات أو التسعينيات لأن تلك الحقبة كانت فترة أوج شبابه.
«أنت تقول هذا لأنك لا تعرف، ولكن في أواخر الثمانينيات، كان الأمر جنونياً! مانهاتن الآن مجرد مدينة ألعاب للأطفال مقارنة بذاك الوقت. عندما كنت طفلاً، كانت مانهاتن مليئة بالكحول، والمخدرات، والموسيقى، والحفلات... انتظر، لنوضح شيئاً. أنا لا أقول إطلاقاً إن تلك الأشياء مرغوبة؛ أنا فقط أذكر حقيقة بسيطة.»
دارت عينا هانتر. في أي زمن يعتقد والده أنهما يعيشان؟
بالطبع، حتى هذه الأيام هناك أطفال يتناولون المخدرات ويتباهون بعلاقاتهم، ولكن إذا تصرف أي شخص بنفس مكاشفة مراهقي الثمانينيات، فسوف يُطرد بسهولة من المدارس الخاصة المرموقة ويُنفى إلى إحدى المدارس الداخلية الصارمة على الساحل الشرقي.
«على أي حال! الحفلات التي يتجمع فيها المراهقون لا تختلف كثيراً. أعلم من التجربة أن الفتيان في سنك لا تحكمهم عقولهم، بل تحكمهم غرائزهم.»
أشار جارد بإصبه نحو الأسفل. وضع هانتر يده على جبهته ومد ذراعه الأخرى يشير نحو الباب.
«اخرج.»
كشر جارد عن أسنانه وأطلق ضحكة من القلب.
«حسناً، سأتوقف عن إزعاجك. هل تواعد أحداً؟»
تنفس هانتر الصبر وهو ينظر للسقف.
«بالطبع تواعد، بالنظر لمدى وسامتك. إلى أي مدى وصلت؟ القاعدة الأولى؟ الثانية؟ الثالثة؟»
تغضّن جبين هانتر بشدة.
«كف عن الهراء، سلم المال واخرج بسرعة! الخمس دقائق انتهت.»
«آه، ألا يستخدم أطفال هذه الأيام هذه التعبيرات؟ في زمننا، كانت القاعدة الأولى قبله، والثانية الملامسات ، والثالثة... يا بني، أليس لديك أي أسئلة عن البيسبول؟»
عندما اكتفى هانتر بالتحديق فيه في صمت، التقت عينا جارد بعينيه بتعبير جاد.
«يا بني، يمكنك أن تدعوني بـ "العجوز" إذا أردت، لكني سأؤكد على هذا مرة أخرى: ما لم تكن شخصاً تريد أن تشاركه اسم عائلة هاميلتون للأبد، فالوقاية أمر لا بد منه. فهمت؟ أنا مستعد لأكون مرشدك في أي وقت. تذكر دائماً أن تلعب بأمان وأن تراعي الطرف الآخر.»
«ليس لدي أي نية لمشاركة حياتي الخاصه مع والدي، ولا أريد تحت أي ظرف أن أسمع عن حياتك الخفيه أيضاً. أليس من المفترض أن يبدأ الآباء عادة بإخبار أطفالهم ألا يفعلوا ذلك بدلاً من الحديث عن علاقات في سن غير ناضجة؟»
متوقفاً في خطواته بينما كان على وشك المغادرة، ضحك جارد وبعثر شعر هانتر. أبعد هانتر يده باشمئزاز.
«لن يتوقف الأطفال لمجرد أن والديهم يخبرونهم بذلك. كنا أنا ولورين في الواقع قلقين لأنك لم تكن تبدي أي اهتمام بالجنس الآخر على الإطلاق. في سنك، كنت بالفعل مع صديقتي الثالثة. أوه، للعلم، لم أصل للقاعدة الثالثة، وصلت فقط للثانية.»
«سأشهد ضدك في المحكمة باستخدام ما قلته للتو إذا تطلقت أنت وأمي.»
عندها، أخرج جارد بضع أوراق نقدية من فئة المئة دولار ودسها في الجيب الخلفي لسروال هانتر.
«هيّ، في زمني، لم تكن العلاقات عيباً، بل جاذبية. المهم هو أنه بمجرد أن تلتقي بالشخص الذي تحبه، تظل مخلصاً له. أطفال هذه الأيام متزمتون للغاية.»
سحب هانتر الأوراق النقدية وعدّها، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يدفع جارد من ظهره.
«الخمس دقائق انتهت. اخرج الآن.»
أثناء دفعه للخارج، سأل جارد بسرعة: «يا بني، ألا توجد فتاة تعجبك؟ هل أنت بالمصادفة ملتوي الرغبات؟ حتى لو كنت كذلك، يمكننا قبول الأمر طالما أنك سعيد.»
عندما ظل هانتر صامتاً، توقف جارد والتفت بوجه جاد: «هل أنت حقاً...؟»
عقد هانتر حاجبيه ورد بإزعاج: «عما تتحدث؟ أنا أُعجب بالفتيات.»
بالنظر إلى ما حدث ذاك الصباح بعد تقبيل فتاة في حلمه، كان متأكداً تماماً.
«أوه، حقاً؟ هل هناك فتاة تعجبك؟»
«ليس الأمر كذلك تماماً...»
شاعراً بضيق غريب في صدره، رفع هانتر نظره ليجد جارد يبتسم بفضول عميق.
«ليس الأمر كذلك تماماً؟» كرر جارد.
بعد تردد، سأل هانتر فجأة: «كيف تعرف عندما تعجب بأحدهم؟ هل هناك أعراض معينة؟ ما هو الدليل القاطع على أنك تعجب بهم؟»
صلب جارد ذراعيه وأومأ برأسه: «هذا سؤال جيد. كان لدي نفس الشك حتى التقيت بوالدتك. حقيقة أنك تسأل تعني أنك لم تلتقِ بشخص تحبه حقاً بعد. عندما تحب شخصاً ما بحق، لن تتساءل حتى عما إذا كنت تحبه؛ سيستجيب جسدك دون تفكير قبل أي شيء آخر. وفي سنك، الفتاة التي تهتم بها قد تتغير اثنتي عشرة مرة في السنة، وهذا طبيعي. قد تقع في الحب بجموح مع أول شخص، وهو ما يسمى "الحب الأول".»
واصل جارد الحديث وهو يستكشف رد فعل هانتر بدهاء.
بالنظر إلى وقوف هانتر متجمداً بوجه وقور يستوعب الكلمات، بدا أنه كان هناك بالفعل شخص يخطر على باله. ومع إطلاقه تنهيدة عميقة، بدا أيضاً أن الأمور لا تسير كما يريد.
ومع معرفته بشخصية ابنه، توقع جارد أن قصة هانتر الرومانسية الأولى لن تكون أقل من حرب؛ سيحاول تسيير الأمور على طريقته، معتقداً خطأً أنه يمسك بزمام الأمور.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا