الفصل (3) Love: zero

 


الفصل الثالث

كان منزل عائلة "هاميلتون" عبارة عن شقة فاخرة (بينتهاوس) تحتل الطابق العلوي من المبنى السكني نفسه الذي تقيم فيه "جيو". وكان المصعد المؤدي إليها يقبع في زاوية هادئة من البهو، بعيداً عن المصاعد الرئيسية.

"أخيراً سنركب هذا المصعد!"

بمجرد أن ضغطت "أي-جونغ" على الزر، انزلقت الأبواب الثقيلة لتفتح.

"هيا بنا إلى الداخل يا جيو."

وما إن خطوتا إلى داخل المصعد، الذي كان حجمه يعادل نصف حجم المصاعد الرئيسية، حتى أُغلقت الأبواب. كانت الأزرار على الجدار مرتبة من الأعلى إلى الأسفل: حرفا PH (للبينتهاوس)، ثم الأرقام 16، و15، وأخيراً حرف L (للبهو). وبدون تردد، ضغطت أي-جونغ على زر PH، لكنه لم يضئ.

"ما الذي يحدث؟ هل هو معطل؟"

وبينما كانت تضغط على الزر مراراً وتكراراً، انفتحت الأبواب فجأة من جديد. كان الواقف هناك هو "مايك"، مدير الخدمات في المبنى، بزيّه المُرتب وتعبير الارتباك يعلو وجهه. أشار إليهما بالخروج وهو يقول بلهجة حازمة:

"هذا المصعد مخصص لشقة البينتهاوس فقط، إذا كان لديكما وجهة أخرى، يرجى استخدام المصاعد الرئيسية."

فزعت أي-جونغ وتلعثمت بالإنجليزية بلكنة كورية ثقيلة:

"عفواً... جيو—لا، أوليفيا وهانتر، موعد لعب في بينتهاوس هانتر!"

عندها، انخفضت نظرات مايك نحو جيو، التي كانت تختبئ خلف أمها وتمسك بطرف تنورتها، قبل أن يعاود النظر إلى الأمام متحدثاً بنبرة باردة وجافة:

"علينا إجراء عملية تحقق عبر الهاتف الداخلي أولاً، لذا يرجى الخروج."

وبملامح صارمة، منع مايك الأبواب من الإغلاق بيده، بينما أشار باليد الأخرى ملوحاً لهما بالخروج. سحبت أي-جونغ يد جيو وتمتمت بالكورية بضيق:

"هذا الرجل لا يعامل بقسوة إلا سكان الطوابق السفلى! هل يمارس التمييز ضدنا لأننا مستأجرون؟ أم لأنه ينظر باستعلاء للآسيويين كونه أبيض؟"

سرقت جيو نظرة خاطفة إلى وجه مايك. ولأنه ربما لمح نبرة اللغة الأجنبية غير المألوفة، قطم حاجبيه بعمق واستدار قائلاً:

"اتبعا ني."

تبعتا مايك ووقفتا أمام مكتب الاستقبال. وبمجرد أن رفع سماعة الهاتف الداخلي للاتصال بالشقة الفاخرة، اقترب أحد السكان ليسأل عما إذا كانت طلبية البقالة قد وصلت.

ونظراً بطرف عينه إلى أي-جونغ، أنزل مايك السماعة بلا مبالاة والتفت نحو الساكن. لم تكن أي-جونغ من النوع الذي يقف صامتاً، فطرقت بأصابعها على المكتب هاتفتاً:

"عذراً! أنا هنا أولاً!"

رفع مدير الخدمات إصبعه كأنه يطلب منها الانتظار دون حتى النظر إليها. اشتعل وجه أي-جونغ احمراراً، وفتحت فمها لتصرخ فيه، لكنها سرعان ما أطلقت تنهيدة امتزج فيها الاستسلام بالغضب.

لقد تعلمت كبح غضبها أثناء عيشها هنا، معرفة أن الصراخ وإثارة الفوضى عندما لا تسير الأمور كما تريد في هذا البلد لن يجلب لها مرادها، بل قد ينتهي بها المطاف بمواجهة دعوى قضائية. فضلاً عن أن هذا المستوى من التمييز لم يكن شيئاً جديداً عليها.

"جيو، عليكِ أن تعتبري نفسكِ محظوظة لأنكِ نصف بيضاء، أتمنى فقط لو كان شعركِ أشقر فاتحاً."

مررت أصابعها عبر شعر جيو النامي ذي اللون البني الرمادي قبل أن تتركه، متأففة بلسانها بإنزعاج مرة أخرى.

كان افتراض أي-جونغ نصف صحيح ونصف خاطئ؛ فالتمييز العرقي كان موجوداً والواقع صريح، إلا أن مايك الذي افترضت أنه أبيض كان في الحقيقة من أصول لاتينية ولم يكن هو نفسه معصوماً من التمييز.

كما أن نبرتها المباشرة، الناتجة عن مفرداتها الإنجليزية البسيطة التي تفتقر إلى الأسلوب المنسق، وحركاتها العجولة التي اكتسبتها من عادات الحياة في كوريا، جعلتها تبدو وقحة في نظر الآخرين. ودون أن تدرك ذلك، كانت تعزو معظم مواقف الجفاء إلى التمييز العرقي.

وبعد أن سلم صندوق البقالة للساكن بابتسامة دافئة ومزحة لطيفة كادت تجعله يبدو مستعداً للتخلي عن أعضائه من أجل إرضائه، أخذ مايك السماعة مجدداً بوجوم، ثم أشار بذقنه نحو جيو وسأل:

"الاسم؟"

عندما خفضت جيو نظرتها وانكمشت خلف تنورة أمها، أجابت أي-جونغ بدلاً عنها:

"أوليفيا باركر."

وبعد إبلاغ الشقة الفاخرة عبر الهاتف الداخلي بأدب بأن هناك ضيفة وصلت إلى البهو من أجل موعد لعب مع هانتر، أطلق مايك السماعة وهز رأسه:

"يمكنكما الصعود الآن."

ودون أن تنبس بكلمة شكر، استدارت أي-جونغ وسحبت معصم جيو، ثم توجّهت نحو مصعد البينتهاوس، بينما كان صوت كعبها العالي يتردد في البهو وكأنه نداء احتجاج.

وعندما أصبحتا داخل المصعد الخاص مجدداً، ضغطت على زر PH، وهذه المرة أضاء الزر.

"آه، لقد تحرك أخيراً!"

ضغطت أي-جونغ على يد جيو بقوة لدرجة أن جيو رفعت رأسها لتقول إنها تتألم، لكنها أغلقت فمها خائفة من ملامح أمها المتوترة والجدية. وكانت اليد الملتفة حول يدها مبللة بالعرق.

عندما توقف المصعد في الطابق العلوي، انزلقت الأبواب. وكان هناك باب آخر يتلو الأبواب الأوتوماتيكية مباشرة. أخذت أي-جونغ نفساً عميقاً ودفعت الباب دون تردد.

وبقيادة يد أمها، خطت جيو أولى خطواتها على إطارات منزل عائلة "هاميلتون".

كان المصعد يفتح مباشرة على معرض مدخل واسع، وفي المنتصف تماماً وقفت طاولة أثرية دائرية يعلوها تمثال نصفي من الرخام المصمم على الطراز الكلاسيكي الحديث. وكانت ثريا بلورية كلاسيكية متدلية من السقف تلقي ببريق ناعم على التمثال.

وعلى الجدران المزينة بإطارات خشبية، عُلقت لوحة زيتية ضخمة داخل إطار مذهب كلاسيكي، تجسد مشهداً من حرب الاستقلال الأمريكية، وتتوسطها شخصية رجل يرتدي معطفاً عسكرياً كحلي اللون.

وبينما كانت تدور بعينيها، توقف نظر أي-جونغ عند اللوحة:

"ها؟ هذا الشخص يبدو مألوفاً... أين رأيته من قبل؟"

رفعت جيو رأسها هي الأخرى لتنظر إلى اللوحة. تركت أي-جونغ يد جيو، وبدأت تبحث في حقيبتها حتى أخرجت ورقة نقدية من محفظتها.

"يا إلهي يا جيو! أنظري إلى هذا! إنه يشبه تماماً الرجل الموجود على ورقة العشرة دولارات، أليس كذلك؟"

لوحت بالورقة النقدية أمام عينيها، فهزت جيو رأسها بقلة اهتمام.

"يا لـ الروعة! لقد قالوا إن عائلته لها شأن كبير في كتب التاريخ، ويبدو أن هذا صحيح. من بين كل المنازل التي زرتها، يبدو هذا المكان الأوفر ثراءً على الإطلاق."

وبينما كانت أي-جونغ تتأمل بذهول وتقترب لإلتقاط نظرة أفضل، ظهر أثر حركة من الممر الأيمن؛ إذ تلا الصوت الخفيف والسريع لخطوات طفل يركض، صوت خطوات هادئة لشخص بالغ.

"هانتر هاميلتون! كم مرة أخبرتك ألا تلعب بالكرة في الممر؟ ضعها جانباً فوراً!"

أعادت أي-جونغ الورقة النقدية بسرعة إلى حقيبتها ورفعت ذقن جيو، ثم رفعت زوايا فمها إلى الأعلى لأقصى حد ممكن كأنها ساحرة، ملمحة لجيو لتقليدها.

كلما ابتسمت أمها بتلك الطريقة بشفتيها الحمراوين المشرقتين، كانت جيو تجدها مخيفة قليلاً.

"ابتسمي يا جيو!"

سحبت جيو زوايا فمها كما طُلب منها وأبقت عينيها مثبتتين على الممر، بينما كان قلبها يخفق بلا سبب.

(ماذا لو قفز وحش مرعب من هناك؟)

ولأنها قرأت كتاب الأطفال "حيث تكون الأشياء البرية" قبل بضعة أيام، اجتاحت جيو موجة مفاجئة من الخوف. حاولت الاختباء خلف تنورة أمها كما تفعل دائماً، لكن أمها التي شعرت بحركتها، سحبت تنورتها ودفعت جيو إلى الأمام.

اقتربت الخطوات أكثر فأكثر، وبدلاً من ظهور وحش بقرون، خرج من الممر صبي ذو شعر بني داكن وعينين زرقاوين حادتين. اتسع فم جيو ذهولاً.

لقد كان وجهاً رأته في الروضة... إذن اسمه هانتر. لقد كان أطول طفل في روضة كينسينغتون، وكان أيضاً حاكم الملعب المستبد!

إذا اصطدم أي طفل بهانتر أثناء ركضه كالإعصار، فسينتهي به المطاف مطروحاً على الأرض، لذا كان الأطفال يتفادون طريقه عادة.

وعندما لاحظ وجود جيو، برقت عينا هانتر الزرقاوان، ورما كرة تنس صفراء زاهية نحوها بكل قوته، وفي الجزء الأخير من الثانية صرخ:

"أمسكيها!"

وبينما وقفت جيو متجمدة وهي ترمش بعينيها، طارت كرة التنس الصلبة لتصيب منتصف جبهتها مباشرة. ارتد رأسها إلى الخلف، وسقطت بالحركة البطيئة بينما رفرف فستانها الأبيض.

أطلقت أي-جونغ صرخة تقشعر لها الأبدان، ومع صوت اصطدام قوي، ارتطم الجزء الخلفي من رأس جيو بالأرضية الرخامية.

كان ذلك اليوم الذي التقت فيه بـ "هانتر هاميلتون" لأول مرة.

وانتهى موعد لعبهما الأقصر على الإطلاق بنقل جيو إلى غرفة الطوارئ بعد إغمائها جراء ارتجاج في المخ.

✦ ❖ ✦

كان صباح يوم الخميس من الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، وكان اليوم الأول للدراسة في مدرسة "أستر".

وهي تتثاءب، وقفت جيو أمام أي-جونغ تحرك أصابع قدميها. كانت الجوارب الكحلية التي تصل إلى ركبتيها تجعلها تشعر بالحرارة والحكة.

ثبتت أي-جونغ شريطاً كحلياً كبيراً على أحد جانبي شعر جيو، التي كانت ترتدي زي المدرسة المخطط بخطوط حمراء وبدائيات بيضاء وخضراء فوق خلفية كحلية.

في بيئة يرتدي فيها الجميع الزي نفسه تماماً، كانت إكسسوارات الشعر هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التميز، لذا كان فتيات المدارس الخاصة في حي "أبر إيست سايد" يتجولن جميعاً بأشرطة كبيرة في شعورهن.

إرسال تعليق

0 تعليقات