الفصل (2) Love: zero

 


"جيو، لماذا لا تجيبين؟ ألم تسمعي أمكِ وهي تتحدث إليكِ؟"

ارتفع صوت "أي-جونغ".

عندها فقط رفعت جيو رأسها عن الكتاب. كان ضوء شمس بعد الظهيرة ينسكب عبر نافذة غرفة المعيشة التي أُنزلت ستائرها إلى المنتصف، فضيقت جيو عينيها بسبب الوهج.

خارج النافذة المطلة على الرصيف في الشارع الخامس، كان المشاة يمرون بعجلة. ولأن أجسادهم العلوية كانت مختفية خلف الستائر، لم تكن تظهر سوى أرجلهم وهي تتحرك بطريقة بدت مريبة ومثيرة للريبة قليلاً.

الشارع الخامس، الذي كان هادئاً طوال الصيف، كان مزدحماً على غير العادة اليوم. والسبب هو أن سكان حي "أبر إيست سايد" الراقي، الذين تفرقوا في الصيف نحو منتجعات "الهامبتونز" في لونغ آيلاند وجزيرة "نانتوكيت" في ماساتشوستس للهرب من الحر الشديد، بدأوا بالعودة جميعاً دفعة واحدة مع اقتراب "عيد العمال"، الذي يوافق أول يوم اثنين من شهر سبتمبر.

كانت ذرات الغبار المضيئة تسبح في أشعة الشمس التي تسقط على أرضية غرفة المعيشة. كانت جيو تحب العفر المتطاير في الهواء؛ فهذا الغبار الذي لا يظهر إلا حيث تسقط الشمس مباشرة، يختفي دون أثر بمجرد أن يبتعد عن الضوء.

في بعض الأحيان، كانت تتمنى لو تستطيع هي أيضاً الاختفاء كلياً عن أنظار الناس بتلك الطريقة، خاصة عندما يقترب منها أحد الكبار فجأة، ويحدق فيها بتركيز ثم يطرح سؤالاً يصعب عليها الإجابة عنه.

كلما حدث ذلك، كان قلبها يخفق بشدة ويتوقف عقلك تماماً عن التفكير، لتمسي كالحمقاء التي لا تستطيع حتى الإجابة عن سؤال في غاية البساطة.

نظرت جيو إلى أمها "أي-جونغ" بملامح خالية وهي ترمش بعينيها فقط. أمسكت أي-جونغ بذقن الطفلة ذات السنوات الخمس الضيق والنحيل ورفعته للأعلى، وهي تحاول تمالك أعصابها وتأديبها:

"جيو، لقد قلتُ لكِ إنه يجب عليكِ أن تصبحي صديقة مقربة لـ هانتر. هل تفهمين ما أقوله؟ هل تعلمين كم بذلتُ من جهد منذ الفصل الدراسي الماضي فقط لأنسق لكِ موعد لعب معه؟ وما الذي تفهمه طفلة في الخامسة من عمرها على أي حال!"

ثم قطمت حاجبيها وتابعت بضغط:

"جيو باركر! وماذا قالت لكِ أمكِ؟ قلتُ لكِ عندما يكلمكِ أحد، لا تتفادي عينيه، أنظري إليه مباشرة وابتسمي! كم مرة عليّ أن أكرر لكِ أنكِ إن لم تبتسمي تبدين... جهمة وعبوسة. الأمريكيون يحبون الوجوه المشرقة المبتسمة."

ابتسمت أي-جونغ ابتسامة عريضة أظهرت كل أسنانها وكأنها تطالبها بتقليدها. مدّت جيو شفتيها بآلية، مظهرة أسنانها اللبنية الناقصة.

"أرأيتِ؟ تبدين جميلة جداً عندما تبتسمين، حتى غمازاتكِ تظهر."

اختفت ابتسامة أي-جونغ وهي تغرز ظفرها الحاد في غمازة جيو، ثم واصلت التحدث مع نفسها وهي ترفع الملابس على الحمالات وتقارنها بجسد جيو، بينما أعادت جيو نظرها إلى الأسفل نحو كتابها.

"عائلة هانتر قضت الصيف بأكمله في رحلات فاخرة بين أوروبا والهامبتونز قبل أن يعودوا إلى نيويورك الآن قبل سبتمبر مباشرة. أنا أموت من الحسرة حقاً! هذا موعد لعب حظيتُ به فقط لأنني صادفتُ والدته في البهو، لذا عليكِ أن تبلي بلاءً حسناً يا جيو. تأكدي من أن تصبحي صديقة لـ هانتر لتلعبا معاً باستمرار في المستقبل، فهمتِ؟ إذا استمعتِ لكلام أمكِ، فسيكون كل شيء في صالحكِ."

رفعت جيو، التي كانت تستمع لكلام أمها بقلة اهتمام، رأسها عن الكتاب. كانت أمها تقول أشياء غريبة أحياناً. وبنوع من الخوف في عينيها الكبيرتين، سألت جيو:

"... أأكل هانتر؟"

صرت أي-جونغ بلسانها وصححت لها بضيق:

"لا! ليس أكل هانتر، بل أن تصبحي 'أفضل صديقة' له! هل تفهمين ما أعنيه؟"

هزت جيو رأسها وأعادت وجهها إلى الكتاب، قبل أن ترفع عينيها خفية لتقرأ مزاج أمها:

"... لا أريد، لن... أفعل."

خرج صوتها نحيلاً كأنه همس.

"ماذا؟ قلتُ لكِ لا تمتمتي عندما تتحدثين معي! ارفعي صوتكِ."

"لا أحب كعك الأرز ، لن أأكله."

رفعت جيو صوتها قليلاً، فقد كانت تكره ملمس كعك الأرز اللزج الذي يلتصق بالأسنان.

"عن ماذا تتحدثين فجأة؟"

تمتمت أي-جونغ وهي تسحب فستاناً من الحمالة وتجبر جيو على الوقوف. اليوم كانت متطلبة وشديدة التدقيق بشكل استثنائي، وتضع كل جهدها في إلباسها.

"نحن ذاهبتان إلى منزل عائلة ثرية، لذا يجب أن تبدي جميلة. هيا نجرب هذا أولاً."

كانت عبارة "عائلة ثرية" كلمة متأصلة في قاموس أي-جونغ كأنفاسها. ورغم أن جيو لم تكن تعرف المعنى الدقيق لها، إلا أنها أدركت بشكل مبهم أنها تعني منزلاً واسعاً وفخماً؛ إذ كانت أمها تبدو في أوج سعادتها عندما تذهب جيو للعب مع صديق يعيش في منزل ثري.

فجأة، أُنتزع الكتاب من يدي جيو الصغيرتين وأُلقي على أرضية الغرفة. ونُزع عنها ثوب النوم الذي كانت ترتديه في لحظة، لتلبس فستاناً ذات خامة تسبب الحكة.

وبعد تكرار هذه العملية بضع مرات، ابتسمت أي-جونغ بأريحية ورضا. وكان الخيار الذي وقع عليه الاختيار هو فستان قطني أبيض.

"عندما زرتُ الهامبتونز في المرة الأخيرة، كان الجميع، كباراً وصغاراً، يتجولون بأناقة ورقي بارتداء فساتين بيضاء مثل هذه. لا بد أنها الموضة الشائعة بين الأثرياء."

تمتمت أي-جونغ لنفسها وهي ترتدي هي الأخرى فستاناً أبيض دون أكمام، ونظرت في المرآة الطويلة الممتدة في زاوية الغرفة، ثم قامت بدورة كاملة كعارضة أزياء تقف على منصة العرض.

في الواقع، كانت أي-جونغ عارضة أزياء سابقة، لذا كانت لا تزال رشيقة القوام . ولأنها تعرف هذه الحقيقة جيدا، كانت تفضل الأساليب الجريئة التي تلفت الانتباه.

راقبت جيو أمها لبرهة قبل أن تلتقط بهدوء الكتاب الذي سقط على الأرض، ثم صعدت على الأريكة وفتحته مجدداً.

ورغم عيشها في نيويورك لقرابة عشرين عاماً، لم تكن أي-جونغ تعلم أن "عيد العمال" يمثل النهاية غير الرسمية لفصل الصيف. كما لم تكن تعرف أن هناك قاعدة غير مكتوبة بين الطبقة المخملية والراقية تنص على عدم ارتداء الملابس بيضاء اللون التي ارتداها الناس في الفيلات الصيفية بعد انقضاء عيد العمال.

وقد مضى عيد العمال منذ يومين بالفعل.

بالنسبة لـ أي-جونغ، كان المال يساوي الطبقة والنزاهة؛ وبالتالي فإن الشخص الذي يملك أكبر قدر من المال هو من ينتمي للطبقة العليا. وللأسف، كانت المعايير التي تختار تقديدها هم أولئك المتسلقين الذين يحاولون بشتى الطرق الدخول في المجتمع الراقي المحافظ والمغلق. وكان ذلك لأن مظهرهم المغطى بالعلامات التجارية الفاخرة والمبهرج يجعلهم يبدون وكأنهم الأكثر ثراءً من الخارج.

كان الأمر خارج نطاق فهمها تماماً مدى تقديس الطبقة العليا الأمريكية—التي تعاني من عقدة النقص تجاه تاريخها القصير والمحدود مقارنة بأوروبا—لهذا التاريخ القصير وعاداته.

لفترة من الوقت، كانت تراقب عن كثب تصرفات امرأة صينية قيل إنها اكبر متبرعه للروضة؛ حيث كانت تلك المرأة تحمل حقائب "هيرميس" وتغير ألوانها كل يوم في الأسبوع. ولكن فور سماعها شائعة تشير إلى أن المرأة هي عشيقة لمسؤول صيني كبير، فزعت أي-جونغ وغيرت هدفها قائلة إنه مهما بلغت ثروة شخص ما، فلا يمكنها تقليد مجرد عشيقة.

أما الشخصية التي اختارتها بعد طول تفكير، فكانت امرأة شقراء طويلة ونحيلة من أوروبا الشرقية، تتشح بالماركات العالمية من رأسها إلى قدميها، في أوائل ثلاثينياتها، وزوجها مدير تنفيذي في أواخر ستينياته، وهي زوجته الخامسة.

وانخداعاً بذلك المظهر البراق، لم تلاحظ أي-جونغ أنهما كانا يتأرجحان على هامش المجتمع الراقي تماماً مثلها.

وهي ترتدي ساعة "رولكس" في معصمها مع سوارين متقنين من التقليد المتقن لعلامة "كارتييه"، أدخلت أي-جونغ أقراط الألماس بعيار قراط واحد—التي حصلت عليها من زوجها كـ "هدية إنجاب"—في أذنيها. وأخيراً، حملت بفخر حقيبة "هيرميس" ذهبية اللون عمرها اثنا عشر عاماً، كانت قد حصلت عليها من متجر للمستعملات.

ثم اقتربت من جيو التي كان أنفها مدفوناً في الكتاب، وعدّلت الشريط الكبير المثبت على رأسها وستحثتها:

"أغلقي الكتاب، حان الوقت للذهاب إلى الشقة الفاخرة (البينتهاوس) ولتحظي بموعد مع وريث عائلة هاميلتون."

ضحكت أي-جونغ بصوت عالٍ على كلماتها وهي تجدها مسلية. لم تفهم جيو ما المضحك في ذلك، لكنها كانت سعيدة لأن أمها يبدو أنها في مزاج جيد.

وفجأة، توقفت أي-جونغ عن الضحك ورسمت تعبيراً جاداً وهي تسحب يدها:

"أمكي تفعل كل هذا من أجلكِ يا جيو. عليكِ أن تعتبري نفسكِ محظوظة لتتمكني من النشأة في هذا النوع من البيئات. عندما كنتُ صغيرة..."

وقطعت كلامها فجأة وهي تبتسم سراً وتمسح على شعرها المصفف بأسلوب مثالي:

"سونغ أي-جونغ، التي كانت تسير إلى المدرسة مشياً لأنها لا تملك المال ولم تستطع حتى دخول الجامعة، وصلت أخيراً إلى حي أبر إيست سايد في مانهاتن... لقد ارتقيتُ في هذا العالم حقاً."

أخرجت مرآة يد من حقيبتها لتعدل زينتها وهي تضرب شفتيها ببعضهما، ثم مدّت يدها إلى جيو:

"هيا بنا يا جيو."

أمسكت جيو بيد أي-جونغ وغادرتا الشقة. كانت تحرك ساقيها الصغيرتين بسرعة لتواكب خطوات أمها الطويلة.

كانت تعلم أن الصبي المسمى هانتر يرتاد الروضة نفسها؛ فقد سمعت اسمه كثيراً وكان مألوفاً، لكن وجهه كان ضبابياً في ذاكرتها. لم تكن معه في الفصل نفسه أبداً، فضلاً عن أنها كانت تكره الأولاد الذين لا يفعلون شيئاً سوى الركض والصراخ.

(هل هناك الكثير من الكتب في منزل هانتر؟ أتمنى ذلك).

عندها فقط، تشكل لدى جيو فضول بسيط تجاه موعد اللعب هذا.

كانت أمها تميل لشراء الفساتين والأشرطة لها أكثر من الكتب، وكانت جيو قد قرأت—وأعادت قراءة—كل قصص الأطفال المرصوفة على الرف المنخفض ذي الطوابق الثلاثة.

لم تكن تعرف لماذا تصر أمها على أن تصبح صديقة لـ هانتر، لكن إن كان هذا "المنزل الثري" يحتوي على العديد من الكتب، فقد لا يكون التشارك مع صديق هناك أمراً سيئاً.

إرسال تعليق

0 تعليقات