الفصل (1) Love: zero
الفصل التمهيدي (المقدمة)
الكبرياء رفاهية لا أملكها.
وقفت "جيو" أمام الباب ذي الألواح الخشبية المصممة على الطراز الكلاسيكي، وأخذت نفساً عميقاً لتهدئة نفسها. ملأت أفقها بالهواء وكأنها تستعد للغوص في مياه عميقة.
في اللحظة التي ظنت فيها أنها نجحت أخيراً في الطفو على السطح، وجدت نفسها تغرق من جديد. لكن هذه المرة، أرخت جسدها واستسلمت دون أن تحاول المقاومة.
(تحملي، ركزي فقط على البقاء على قيد الحياة).
كررت جيو هذه العبارة المملة التي كانت سلاحها الوحيد للاستمرار خلال العامين الماضيين.
شعرت بجفاف في فمها، فمررت لسانها على شفتيها دون وعي. كانت رائحة ملمع الشفاه الرخيص برائحة الفراولة الفواحة تذكرها بتلك اللحظة؛ فقد كانت تضع الملمع نفسه في المرة الأولى التي تبادلا فيها القبلات.
تسللت تلك الرائحة الحلوة والبريئة إلى حلقها تاركة طعماً مراراً. وشعرت بكسر شيء صغير وهش كانت تحاول حمايته بكل ما أوتيت من قوة في زاوية من قلبها، لليتحول الآن إلى رماد.
أن تصبح بالغاً أمر في غاية القسوة.
كانت والدتها تقول لها دائماً لتشجيعها: "الأطفال الخجولون مثلك يتغيرون عندما يكبرون. حتى أكثر الناس انطواءً يصبحون أكثر جرأة وتزول حشمتهم مع تقدمهم في السن".
لكن والدتها كانت مخطئة.
لم يكن الأمر يتعلق بانتهاء الخجل، ولا بأن الكبر يحول الشخص فجأة إلى شخص اجتماعي وجريء.
كل ما في الأمر أنه عندما يصل الإنسان إلى أقصى درجات الضغط، يدفن شعوره بالعار في مكان سحيق بداخله فقط من أجل الاستمرار. يتصاهر بالجرأة ويدعي أنه بخير من الخارج، بينما يرتجف كل شيء فيه من الداخل، على أمل أن تأتي لحظة تتخدر فيها مشاعره ويزول هذا الكره الذاتي.
وللأسف، لم تكن جيو قد وصلت إلى تلك المرحلة من التبلد بعد.
رفعت يدها ببطءو طرقت طرقات خفيفة على الباب. ولأن الباب كان مصنوعاً من الخشب الصلب، كان لصوت الطرق نغمة هادئة وراقية.
(هل طرقت بهدوء شديد؟ لم يحن وقت النوم بعد).
شعرت بالقلق من أن يسمعها أحد أو يستيقظ، فنظرت حولها بارتباك. كانت الساعة تقارب منتصف الليل، والأضواء الرئيسية مطفأة بينما جرى تخفيض أضواء الجدران إلى أقل درجة، مما جعل أقصى الممر الطويل يبدو مظلماً كأنه كهف.
وعندما رفعت يدها لتطرق مرة أخرى، سمعت خطوات أقدام مألوفة تقترب، ثم فتح الباب بسلاسة.
استقبلتها عينان أزرقان عميقتان دون أي طيف من المفاجأة.
يبدو أنه كان قد انتهى للتو من الاستحمام؛ فقد كان يرتدي سروالاً منزلياً مخطاطاً فقط دون قميص، بينما يمسح شعره المبتل عن جبهته.
قطم حاجبيه قليلاً، وكتف يديه مسنداً جسده على إطار الباب. كان الضوء الساطع المنبعث من خلفه يلقي بظلال داكنة على وجهه.
"أين والدتك؟"
كان صوته جافاً، لكن جيو استطاعت أن تلمح فيه نبرة اهتمام خفية.
(أرجوك لا تكن لطيفاً معي... عليّ استغلالك مرة أخرى).
"إنها بخير الآن. خرجت من المستشفى بعد ظهر اليوم وعادت إلى بروكين."
نظر إليها بنوع من التردد، ثم أطلق تنهيدة قصيرة وتنحى جانباً: "ادخلي."
كانت الغرفة عبارة عن مساحة مفتوحة تفصل فيها الستائر بين منطقة المعيشة وغرفة النوم بدلاً من الجدران. ولأن هانتر لا يطيق المساحات الضيقة، جرى دمج ثلاث غرف في نهاية الممر لتصبح بهذا الشكل، مع أنابيب مكشوفة وجدران من الطوب الأحمر وأثاث بسيط، مما أعطى المكان طابعاً عصرياً.
"ألم تقولي إننا انفصلنا؟ وتصرفتِ وكأنك لن تريني مجدداً؟"
خرجت كلماته المباشرة كالسهم الحاد تجاهها.
ورغم أنها ذكّرت نفسها مراراً ألا تشعر بالعار، إلا أن وجهها اشتعل احمراراً.
"لماذا أنتِ هنا؟ هل لديكِ شيء آخر لتقولينه؟"
أمسك بزجاجة ماء من الثلاجة الموجودة في ركن المشروبات بالغرفة. فتح الغطاء بصوت حاد، وشربها دفعة واحدة دون أن يبعد عينيه عنها.
لم تستطع جيو العثور على صوتها، فابتلعت ريقها بصعوبة وأغلقت عينيها بقوة قبل أن تفتحهما مجدداً.
"أنا... أحتاج إلى المال."
في الصيف الماضي، وبمجرد أن بلغ هانتر الثامنة عشرة، حصل على حصته من أموال العائلة عبر صندوق ائتماني. بالنسبة للأشخاص العاديين، كان ذلك المبلغ خيالياً وشبيهاً بسلسلة لا تنتهي من الأرقام.
كسر الصمت الذي بدا وكأنه يدوم للأبد وسألها: "كم تحتاجين؟"
"مئة ألف دولار."
امتزجت المفاجأة بالشك والغضب على وجه هانتر وهو ينظر إليها.
كان الجميع يقولون دائماً إنه من المستحيل معرفة ما يفكر فيه، لكنها كانت تستطيع قراءة المشاعر التي تظهر في عينيه بوضوح أكثر من أي شخص آخر، فقد أكسبها العيش بحذر أمامه منذ الطفولة هذه الحاسة.
"فيما تحتاجين هذا المبلغ؟"
"... أحتاجه بشكل عاجل."
كانت يدا جيو ترتجفان لدرجة أنها ضغطت عليهما بقوة لتشكيل قبضتين. لم يعد لديها أي مكان تتراجع إليه.
"إذا كنتِ ستقترضين مني المال، فعليكِ إعطائي سبباً."
حمل صوته المنخفض نبرة أمر واضحة.
"أنا لا أطلبه كقرض... فقط أعطني إياه."
"... ماذا؟"
أطلق هانتر ضحكة ساخرة، ونظر إليها بنظرة عدم تصديق لفترة طويلة قبل أن يقول: "أعطني سبباً مقنعاً واحداً يجعلني أفعل ذلك."
"حتى لو أقرضتني إياه، لن أتمكن من إعادته على أي حال، وأنت تعرف ذلك."
"وماذا بعد؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: "لا أقول إنني لن أعطيك شيئاً في المقابل... بدلاً من المال، سأعطيك... ما تريد."
رد بسخرية: "أنتِ حتى لا تعرفين ما أريد، ما كل هذا التهور؟"
"بل أعرف تماماً. أنت تريد النوم معي. لقد قلت إن القبلة لم تعد كافية لجعلك تفوز بالمباريات. طوال السنوات الأربع القادمة في الجامعة، سأكون تميمة حظك متى ما أردت."
لفترة طويلة، كلما شارك هانتر في بطولات التنس، كانت تميمة الحظ التي يترجاها للحصول عليها هي قبلة منها.
اشتعلت عيناه بوميض أزرق حاد، ثم أخذ خطوة واسعة نحوها لينظر إليها باستعلاء. قاومت جيو بصعوبة الرغبة في التراجع إلى الخلف.
انقبض فكه وكأنه يضغط على أسنانه، ونظر إليها بنظرة غاضبة لدرجة أنه بدا وكأنه يريد خنقها.
"هل تدركين ما تقولينه الآن؟"
كانت تعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر. ومع ذلك، ونظراً لعدم قدرتها على النظر في عينيه مباشرة، خفضت رأسها.
أمسك هانتر بذقنها ورفع رأسها لتقابل عينيه، ثم أكد الواقع بكلمات صريحة وقاسية: "جيو باركر... لقد بعتِ نفسكِ لي للتو مقابل مئة ألف دولار."
نظرت إلى الأسفل وقال بمرارة: "فكر كما تشاء... هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنني بها سداد هذا المبلغ الآن، ليس وكأنني أردت..."
توقفت بسرعة قبل أن تتفوه بمشاعرها الحقيقية الخفية.
لقد حزمت أمرها بشدة للمغادرة إلى كاليفورنيا للبدء بحياة جديدة، وها هي الآن ترهن أربع سنوات أخرى من حياتها لهانتر.
"هل كان ثمنكِ مئة ألف دولار فقط؟ لو كنتِ قابلة للشراء بالمال، كان عليكِ إخباري بذلك مبكراً. لم أكن لأنتظر حتى أبلغ الثامنة عشرة لأوفر هذا المبلغ."
رفعت جيو رأسها بسرعة ونظرت إليه بغضب، لكنها لم تستطع الرد بكلمة واحدة. في الواقع، لقد باعت نفسها للتو لصديق طفولتها وابن صاحب العمل الذي تعمل لديه برقم محدد.
عضت على شفتها بصلابة وسكون.
مشى هانتر نحو مكتبه وفتح الدرج بقوة، ثم أخرج دفتر الشيكات وكتب المبلغ ووقع عليه، ثم مزق الشيك بصوت حاد.
أمسك الشيك بين أصابعه وعاد نحو جيو، وابتسامة مريرة تعلو شفتيه وهو ينظر إليها بعينين زرقاوين باردتين تملأهما الخيبة والازدراء.
"لو كنتُ أعلم أن ما ينقصكِ هو المال وليس المشاعر، لما امتنعتُ وانتظرتُ كالأحمق... خذيه."
أخذت جيو الشيك من بين أصابعه بيد ترتجف.
لقد تم الأمر.
كانت أذناها تحترقان وتؤلمانها، والعرق البارد يتصبب على طول ظهرها.
التقت المشاعر المتضاربة من البؤس والارتياح في تلك اللحظة.
لقد أصبحت بالغة الآن، وتعرف أنها يجب أن تتحمل مسؤولية القرارات التي تتخذها.
(الحمد لله أنني لا أحب هانتر).
حتى الآن، كانت تشعر بالعار والبؤس والكسرة. لو كانت تحبه، لشعرت برغبة في فتح تلك النافذة والقفز منها، وحتى في هذه اللحظة بالذات، لم تكن تلك الرغبة غائبة تماماً.
بدلاً من العيش بهذه الطريقة، ألم يكن من الأفضل إنهاء الأمر بسهولة...
بينما كانت تحدق في النافذة وهي تغرق في أعماق يأس يلتف حول عنقها، جاء صوت هانتر ليسحبها من شعرها ويعيدها إلى الواقع: "اخلعي ملابسك."
تجمدت جيو في مكانها ونظرت إلى ملامحه.
كان وجهه يبدو لا يبالي وبارداً، ومن المستحيل قراءة ما يدور في ذهنه.
"اـ الآن؟ هـ هنا؟"
تعلثمت بصوت مخنوق. كان والداه وأخته الصغرى ينامون في الطابق نفسه.
أشار هانتر إلى يدها وقال: "لقد استلمتِ المال بالفعل، وكان الشرط لأربع سنوات 'متى ما أردت'... أليس كذلك؟"
عندها فقط أدركت جيو حقيقة ما فعلته؛ فبمجرد قبولها هذا المال، لم يعد بإمكانها رفض أي شيء يطلبه هانتر بعد الآن.
سحب الستائر بصوت حاد، لتظهر الأسرة العريضة التي تحتل وسط غرفة النوم المرتفعة خطوة واحدة عن غرفة المعيشة. جلس على طرف السرير وأشار بذقنه: "ماذا تنتظرين؟"
هل سبق لهانتر أن نظر إليها بمثل هذا التعبير من قبل؟
آلمتها أنفاسها وهي ترى نظرته التي جعلتها تشعر بأنها بلا أي قيمة. أبقت رأسها منخفضاً ومشت نحو السرير وهي تكرر الفكرة نفسها بينها وبين نفسها:
(حتى العار... أصبح رفاهية).


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا