الفصل (24) Love: zero

 


كان "هانتر" الذي تعرفه "جييو" هو الشخص الذي يُفضل الركض بأقصى سرعة وسط المطر على أن يشارك مظلة صغيرة مع شخص آخر. لقد كان دائمًا على هذا النحو. ومع ذلك، وفي هذا اليوم بالذات، كان يسير بهدوء واسترخاء رغم أنه ابتَلَّ بالكامل.

هل يعقل أنه كان ينتظر لنتمكن من السير معًا؟

فتحت فمها لتسأله، لكنها أغلقت مجددًا.

مستحيل.

لو سألته، لكتفى بالسخرية منها. أعملت "جييو" عقلها بحثتا عن موضوع أكثر أمانًا. ولحسن الحظ، لم يضغط عليها بوجه قليل الصبر لمجرد أن ردها تأخر قليلاً، كما كان يفعل عندما كانا طفلين.

وبفضل ذلك، فكرت في موضوع محايد كان مثاليًا لفتح محادثة.

"هل ستذهب إلى حفلة الربيع الراقصة  أيضًا؟"

"حفلة الربيع؟"

رفع حاجبه.

كانت "حفلة الربيع" حفلة رقص تُقام بانتظام لطلاب المدارس الخاصة في مانهاتن الذين يرتادون مدارس البنين والبنات. 

كانت تذاكر حفلة الرقص، التي تُقام في قاعة احتفالات بفندق خمس نجوم أو قاعة فعاليات كبرى، تصل إلى مائتي دولار للشخص الواحد.

"تعرف، حفلة الرقص."

"آه. تلك."

كانت هذه الحفلات المختلطة تُقام حسب المراحل الدراسية بدءًا من الصف الخامس، وهو بداية المرحلة المتوسطة، لكن "جييو" لم تحضر أيًا منها من قبل. يعود السبب في ذلك إلى أن والدي "كلوي" منعاها من حضور حفلات الرقص حتى تصل إلى الصف التاسع.

وبما أن صديقتها المقربة لم تكن تستطيع الذهاب، فقد أجلت "جييو" حضورها بطبيعة الحال أيضًا. بدافع الفضول، كانت ترغب في تجربة الذهاب مرة واحدة على الأقل، لكنه لم يكن شيئًا تتوق إليه بشدة.

وحسب علمها، لم يحضر "هانتر" هذه الحفلات مطلقًا هو الآخر. كانت الحفلات تُقام في الغالب مساء أيام الجمعة، وبما أن "هانتر" كانت لديه بطولات في كل عطلة نهاية أسبوع تقريبًا، فقد كان يقضي ظهيرة يوم الجمعة في تدريبات خاصة مع مدربه.

سألها "هانتر" بالمقابل: "وماذا عنكِ؟"

"أفكر في الذهاب هذه المرة. مع كلوي."

"متى موعدها؟"

"بعد أسبوعين من يوم الجمعة. هل ستذهب أنت أيضًا؟"

عندها، سحب هاتفه من جيبه وتحقق من شيء ما. وعلى جدوله المكتظ، لمحت "جييو" لمحة خاطفة لما بدا أنه جدول بطولات. قال بنبرة أظهرت عدم الاهتمام:

"على الأرجح."

على الأرجح. وفي "قاموس هانتر"، لم يكن ذلك يختلف عن القول إنه سيحضر حتمًا.

تفاجأت "جييو" قليلاً لكنها لم تقل شيئًا. مرة واحدة في الشهر، كان هناك أسبوع بدون بطولات يقوم فيه بمراجعة أسلوب لعبه، وبدا أن التوقيت قد تزامن بشكل مثالي.

عندما ظهرت بنايتها السكنية على بعد مجمع سكني واحد، أطلقت زفير راحة. كان من المذهل أنهما وصلا إلى المنزل بسلام وهما يتحادثان كأشخاص متحضرين، دون أي تهكم أو شجار.

"توقفي عند بيت الشجرة لبرهة قبل أن تدخلي."

بينما رفعت "جييو" نظرها إليه بنظرة تساؤلية، ناولها "هانتر" المظلة المطوية.

"هناك بطولة في عطلة نهاية هذا الأسبوع. إنها من فئة L2، لكن هذه المرة سأشارك في بطولة فئة تحت 18 سنة بدلاً من تحت 16 سنة. إنها مباراة مهمة وسيأتي مدربو الجامعات لمشاهدتها أيضًا."

استقر شيء بارد ولاذع في صدر "جييو".

بالطبع. كدتُ أفهم الأمر خطأ بلا سبب. أنا سعيدة لأنني لم أسأل.

لقد نسيت أن هناك سببًا واحدًا فقط يجعل "هانتر" ينتظرها في ذلك المطر، ويحمل المظلة معها، ويجاري خطوتها.

بغباء.

سألته بصوت خافت ومستسلم: "دون حتى أن تغير ملابسك؟ أنت مبتل تمامًا."

"لا يهم. سأكون في الانتظار، لذا اذهبي وغيري ملابسكِ إن أردتِ."

"...لا يهم بالنسبة لي أيضًا."

شعرت "جييو" بالتحطيم فجأة كبالون منفجر وإرهاق تام، ولم تكن لديها الطاقة لمجادلة "هانتر" حول ما إذا كانت ستذهب إلى بيت الشجرة أم لا. كانت تريد فقط إنهاء طقس الشؤم والسعد هذا بسرعة حتى تتمكن من الاختباء في غرفتها، وقراءة كتاب، والراحة.

بالدخول إلى ردهة البناية السكنية، مشى الاثنان بصمت نحو الممر المؤدي إلى الفناء، محافظَين على مسافة قيللة بينهما.

في الحقيقة، كانت تعتقد أن "هانتر" سينغص عليها لبعض الوقت قبل أن يدرك مدى سخافة الأمر ويتخلى عنه. ومع ذلك، حتى بعد أن أصبح في الصف التاسع، كان لا يزال يناديها على هذا النحو قبل المباريات المهمة.

ولم تجبر نفسها على الفهم إلا بعد أن بحثت في الإنترنت عن أمثلة مختلفة لكيفية التزام الرياضيين الصارم بروتينهم اليومي قبل المباريات.

كانت توافق على طلباته بالخروج إلى بيت الشجرة مرة واحدة فقط من كل ثلاث مرات. عندما كانت أصغر سنًا، كان من الصعب عليها الرفض لأنها كانت ترغب في قراءة الكتب في مكتبة "هانتر"، أما الآن فيمكنها ببساطة استعارة الكتب من مكتبة المدرسة.

ومع ذلك، وبسبب "هانتر"، كانت تتلقى دروسًا خصوصية في الرياضيات من معلم هو الأفضل في هذا المجال بأقل تكلفة، وبسبب سير "أي-جونغ" وهي مرفوعة الراس تحت هالة "لورين"، لم تكن تستطيع تجاهل مطالبه بالكامل.

في الحقيقة، في كل مرة كان يترجاها فيها العظيم "هانتر هاملتون" للخروج إلى بيت الشجرة، كان ذلك يمنحها أيضًا شعورًا بالرضا الملتوي.

بدا الفناء الممطر كئيبًا بعض الشيء. كانت ساعة مبكرة لتُسمى مساءً، لكن الغسق هبط مبكرًا في الفناء المحاط بالبنايات السكنية الشاهقة.

كانت المصابيح، التي تبدو كإضاءات الغاز الكلاسيكية، مضاءة بالفعل بين المقاعد الحديدية المصنوعة على طراز الفن الحديث  والمدهونة باللون الأخضر الهادئ. كانت صفائح المطر الكثيفة تدور حول الأضواء الصفراء مثل الحشرات المجنحة التي يجذبها السطوع في ليلة صيفية.

ودون حتى فتح مظلاتهما، اقترب الاثنان من بيت الشجرة بخطوات سريعة.

"اصعدي أولاً."

أمام السلم، أشار "هانتر" بذقنه نحو المدخل.

"أوه؟ أوه، حسناً..."

أجابت بارتباك وصعدت على السلم. لقد فاجأها عدة مرات اليوم. منذ العام الماضي، كان لديها انطباع غامض بأن "هانتر" أصبح تدريجيًا إنسانًا محترمًا، لكن كان من الغريب وغير المألوف أنه فكر في جعلها تدخل أولاً بدلاً من القفز للداخل بمفرده للهرب من المطر.

شاردة في أفكارها، صعدت "جييو" السلم بدافع العادة البحتة وزلقت قدمها فجأة. انزلقت إحدى ساقيها بين الدرجات، وتسبب ثقل حقيبة ظهرها في اندفاع الجزء العلوي من جسدها إلى الخلف.

"واو!"

اصطدمت حقيبة ظهرها بشيء صلب بصوت مكتوم.

"أنغ."

في الوقت نفسه، اندفعت ذراع طويلة والتفت حول خصرها.

قبض "هانتر"، الذي كان يقف متفرجًا، على "جييو" بغريزته وهي تسقط للوراء وتذمر فوق قمة رأسها:

"هي، تمسكي جيدًا يا مانشكـ... يا جييو باركر."

امتصت الحقيبة على ظهرها الصدمة الجسدية، لكن الصدمة النفسية ظلت قائمة بالكامل.

كنت على وشك أن تناديني مانشكين للتو، أليس كذلك؟

كان "مانشكين" هو اللقب الذي يستخدمه لأخته الصغرى "ديزي" كلما صعدت على معدات تدريبه وقامت بمقالب خطيرة. وإلى جانب كادت تسقط بشكل محرج في بركة مياه أمام "هانتر" مباشرة، شعرت بالإهانة لمعاملتها كطفلة مثل "ديزي".

احمر وجه "جييو" على الفور. وكانت سعيدة لأن ظهرها كان موجهًا إليه.

"آ-آسفة. السلم البديل أملس للغاية..."

تم استبدال السلم الخشبي القديم منذ فترة بسلم بلاستيكي بسبب الشكاوى من أنه خطير، وكانت حوافه الدائرية زلقة بسبب المطر.

مستندة إلى "هانتر"، تمكنت "جييو" من إعادة ساقها المحاصرة إلى الدرجة ولوحت بذراعيها، مجاهدة لاستقامة جسدها. عندئذ، تمتم وكأنه منزعج:

"اثبتي فقط، سأرفكِ للأعلى."

أطلق الذراع الملتفة حول خصرها، وأمسك ساعديها بقوة بكلا يديه، ودفعها ببطء إلى الأعلى.

تسلقت "جييو" السلم بسرعة ودخلت بيت الشجرة. كان الجزء الداخلي أظلم بكثير من الخارج. ومع ذلك، كان مساحة مألوفة لها تمامًا كغرفتها الخاصة.

ودون تردد، مشت إلى الجانب المقابل وارتمت على الأريكة. وبينما كانت تزيح الشعر الملتصق بجبهتها وخدودها، لفتت فخذاها، اللتان تلمعان من المطر، انتباهها.

يا إلهي. تنورتي قصيرة جدًا، ألم يرَ الداخل عندما كنت أصعد؟

وفقًا للوائح الزي المدرسي، كان عليها ارتداء سروال ضيق قصير تحت تنورتها، لذا حتى لو كان هناك شيء مرئيًا، لكان السروال القصير وليس الملابس الداخلية. ورغم معرفتها بذلك، اشتعلت خدودها الباردة مرة أخرى.

هزت "جييو" رأسها بقوة لتصفية ذهنها من الأفكار العديمة الفائدة.

كان "هانتر" مختلفًا عن بقية الفتيان المهووسين بالفتيات. لم يكن لديه أي اهتمام بأي شيء خارج نطاق التنس. وكانت تستطيع المراهنة على مصروف أسبوع كامل  بأنه لو كان عليه الاختيار بين امرأة مثيرة وجذابة بملابس البحر وبين مضرب تنس، لاختار مضرب التنس دون لحظة تردد واحدة.

في تلك اللحظة بالذات، انحنى "هانتر" بجسده العلوي ودخل إلى بيت الشجرة.

عندما كانا صغيرين، لم يكن بيت الشجرة يبدو صغيرًا حتى عندما يتزاحم عدة أفراد بداخله، لكن لسبب ما، بدا وكأنه ينكمش أكثر فأكثر في كل مرة تأتي فيها.

بدا وكأنه بالأمس فقط عندما كانت تجلس على الأريكة تقرأ كتابًا بينما يصعد هو إلى السطح، محدثًا أصوات ضجيج قبل أن يقفز إلى الأرض، ولم تصدق أن ذلك كان قبل عدة سنوات بالفعل.

هل هذا ما يطلق عليه الكبار الحنين إلى الماضي (النستالوجيا)؟

كان التقدم في السن أمرًا عاطفيًا بطريقة ما.

وبينما كان "هانتر" يستقيم ببطء في ظهره المنحني، لامس رأسه السقف المليء بخيوط العنكبوت. وبدا هو نفسه متفاجئًا قليلاً، فسرعان ما خفض رأسه وهز شعره مرتين مثل كلب كبير. تتطايرت قطرات الماء في كل الاتجاهات.

جعدت "جييو" أرنبة أنفها وأدارت رأسها بعيدًا.

وقبل مضي وقت طويل، خطى "هانتر" وارتمى بجانبها مباشرة.

إرسال تعليق

0 تعليقات