الفصل (20) Love: zero

 


— "في جسم الإنسان، هناك عدة نقاط للنبض يمكن قياسه منها. وهي مناطق تمر فيها الشرايين بشكل مباشر تحت الجلد..."

ممسكة بمؤشر طويل، بدأت الآنسة شابيرو شرحها بالإشارة إلى أجزاء مختلفة من نموذج تشريحي. وفي هذه الأثناء، كان السيد هوكينز يتجول موزعاً مطبوعات ورقية وأقلام رصاص على كل صف. وفقط بعد أن وصلت المطبوعات إليها، أدارت سيينا نظراتها بعيداً عن جي-يو أخيراً.

ففف. أطلقت جي-يو تنهيدة ارتياح خافته. لم تكن هي وهنتر يعنيان أي شيء لبعضهما البعض مطلقاً، ولم تكن لديها أدنى رغبة في جلب شكوك لا داعي لها وتحويل المدرسة إلى جحيم لا يطاق.

خلال الفصل الدراسي الشتوي السابق، وضعت سيينا حداً نهائياً لصداقتها التي استمرت ثماني سنوات مع صديقتها المقربة، بياتريس.

فقد قامت بياتريس، التي ترتاد نفس أكاديمية التنس التي يرتادها هنتر، بتصرف متهور للغاية: إذ دعت هنتر سراً إلى "حفلة سرية" أثناء وجودهما في حافلة النقل التي تنقل الأطفال إلى ملاعب التنس بعد المدرسة.

كان والدا بياتريس يغيبان كثيراً عن المنزل لأيام متواصلة بسبب العمل، وكانت الحفلات السرية التي تُقام خلال تلك الفترات معروفة جداً بين أطفال المدارس الخاصة.

وكحفلة حصرية يُدعى إليها عبر التناقل الشفهي فقط الأطفال ذوو الشعبية من الصف السابع في كل مدرسة، فقد كانت محل حسد مضمر. ورغم اسم "الحفلة السرية"، إلا أن الشائعات الملونة كانت تنتشر عبر حي "أبر إيست سايد" بأكمله في اليوم التالي مباشرة.

يقولون إن فلان وفلانة تبادلا القبلات كعقوبة في إحدى الألعاب.

أو، يقولون إن فلانة أغلقت على نفسها الباب في غرفة فارغة مع حبيب شخص آخر ولم تخرج لفترة طويلة.

داخل حافلة النقل، التي كانت عالقة في ازدحام مروري على الجسر المؤدي إلى جزيرة راندال، جلست بياتريس بجانب هنتر وهمست بالدعوة في خفاء. وبينما أرهف الأطفال الآخرون آذانهم يستمعون متظاهرين بعدم الاكتراث، رفض هنتر الدعوة في التو واللحظة.

— "حفلة سرية؟ أسف، لكنني مشغول لذا لا أستطيع الذهاب. لدي بطولة هذا الأسبوع، وعليّ التمرن طوال الأسبوع."

تعرضت سيينا لأكثر فضيحة مهينة في الفصل الدراسي الماضي عندما رفض هنتر دعوتها علناً. لقد دعته سراً لأن الجميع يعلم أنه كان الفتى الذي تُعجب به، لكنه ردها خائبة أمام بقية الأطفال مباشرة.

وبدأ الأطفال على الفور في الكتابة على هواتفهم. وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى أكاديمية التنس، كانت الأخبار قد انتشرت بالفعل بين طلاب الصف السابع بأكمله.

وحللت كلوي، التي كانت مهتمة بشكل استثنائي بالشائعات الناشئة من الفئة ذات الشعبية، أن بياتريس — التي كانت دائماً في المرتبة الثانية — كانت تحاول ترسيخ مكانتها ومنافسة سيينا على لقب "الملكة" من خلال الحفلة السرية، لكنها في النهاية بالغت في تقدير حظوظها.

وبعد أن وُصمت بالخائنة، واجهت بياتريس اضطهاداً بلا رحمة من سيينا. وبناءً على ذلك، طُردت من الشلة ذات الشعبية. وحتى الشلل "الطامحة" التي كانت تتسكع وتتملقهم فقط للتدخل معهم، رفضت قبولها.

وحتى الآن، وبعد مرور فصل دراسي كامل، كانت تتجول بوجوم وشحوب، ملاحِقة شلة "الفاشلين" الذين ما كانت لترد عليهم السلام في الماضي.

مؤخراً، كانت سيينا هي من تقيم الحفلات السرية بدلاً من بياتريس. إذ كان والداها يغيبان عن المنزل كثيراً أيضاً، والحفلات التي تُقام سراً في القبو السفلية لمنزلها الفاخر اعطيت لها  اسماً جديداً: "حفلات تحت الأرض" .

أصبحت بياتريس بمثابة عبرة لطلاب الصف السابع في مدرسة أستور. ولم تعد أي فتاة تملك الجرأة أو الشجاعة لمغازلة هنتر على حساب تحمل انتقام سيينا القاسي وحياة مدرسية جحيمية.

نَقَرَت جي-يو بلسانها بهدوء. إذا كنّ يُحببنه إلى هذا الحد، فبإمكانه على الأقل أن يكون لطيفاً قليلاً. بغض النظر عن سيينا أو أي شخص آخر، لم يكن لدى هنتر أدنى اهتمام بأي شخص سوى التنس. وكان ذلك لحسن الحظ في الواقع.

لو أن هنتر واعد شخصاً آخر غير سيينا...

اقشعر جسد جي-يو وابتعدت عنه ببطء وخفاء. وأياً كانت تلك الفتاة، فقد كانت تشعر بالأسف على حبيبته المستقبلية.

في تلك اللحظة بالذات، طرحت الآنسة شابيرو سؤالاً على الطلاب:

— "إذا كنتم بحاجة إلى التحقق من العلامات الحيوية لشخص فاقد للوعي، فما هي المنطقة الأكثر كفاءة في الجسم لقياس نبضه؟"

رفع حوالي عشرين طفلاً أيديهم بحماس. ضمت جي-يو ركبتيها وأجابت في سرها فقط وهي تشاهد الأطفال الآخرين يشاركون بفعالية.

وانسكبت إجابات الأطفال دون قيود، تراوحت بين مناطق معقولة مثل المعصم والصدر والصدغين إلى إجابات غريبة مثل أخمص القدمين والجفون. ولم تُحرج الآنسة شابيرو الأطفال أبداً مهما كانت تعليقاتهم سخيفة. وبعد الاستماع إلى كل الإجابات الطريفة، هزت رأسها:

— "بما أن الدم يجري في كل مكان في جسم الإنسان، فلا توجد إجابة خاطئة تماماً من بينها. ومع ذلك، في حالات الطوارئ، فإن المناطق المكشوفة خارج الملابس ستكون أسهل في العثور عليها، أليس كذلك؟ ومن بين تلك المناطق، فإن النقاط التي تكون فيها الشرايين قريبة من الجلد ويسهل قياسها هي المعصم، وجانب الرقبة، والجزء الداخلي من الساعد. وتسمى هذه النبض الساعدي، والنبض العضدي، والنبض السباتي على التوالي."

قامت الآنسة شابيرو والسيد هوكينز بعرض توضيحي شخصي لكيفية قياس النبض في هذه النقاط الثلاث.

— "الآن، يرجى التجمع في أزواج مع الشخص الجالس بجانبكم. سنأخذ بعض الوقت لتسجيل النبض المقاس لمدة دقيقة واحدة عند كل نقطة نبض على الأوراق الموزعة."

الصالة الرياضية، التي كان يجلس فيها أطفال من كلا المدرستين مختلطين معاً، تحولت فوراً إلى صخب عارم يشبه ميدان "تايمز سكوير" في منتصف الصيف. وإثر مفاجأتها، فتحت جي-يو فمها وصرخت داخلياً.

هل عليّ فعل هذا مع هنتر؟

— "أوليفيا!"

بينما كانت جي-يو تجمع ورقتها المطبوعة، رفعت رأسها عند الهسيس المستعجل لـ كلوي وهي تناديها. وكانت كلوي وسيينا، اللتان تجلسان جنباً إلى جنب في الصف الثاني، تلوحان لها في وقت واحد.

— "سيينا تقول إنها ستتبادل المقاعد معكِ!"

ابتسمت كلوي، التي تملك ضفيرتين، ابتسامة عريضة مظهرة بالكامل تقويم أسنأنها المزين بحلقات مطاطية بألوان القوس قزح. مع ابقاء عيناً حذرة على المعلمة، وقفت سيينا نصف وقفة من مقعدها وأشارت لـ جي-يو بالقيام بسرعة. وبينما بدأت جي-يو بالوقوف بهدوء وسعادة، رفع هنتر يده فجأة.

— "سيد هوكينز، هل يُسمح لنا بتغيير الشركاء أثناء الحصة؟"

وعلى الفور، وكأن الزمن قد توقف، انقطع الصخب والضجيج فجأة.

وأخذاً بمكان السيد هوكينز، وجهت الآنسة شابيرو تحذيراً صارماً:

— "سيينا، وأوليفيا! إجلسن."

ثم شددت مرة أخرى:

— "تغيير الشركاء أثناء التمرين التطبيقي ممنوع. الان، ليس لدينا الكثير من الوقت، لذا يرجى الإسراع والبدء. ستقضون خمس عشرة دقيقة في تسجيل النبض المقاس عند ثلاث نقاط نبض على الورقة المحددة والتحقق مما إذا كان يقع ضمن المعدل الطبيعي. لا تنسوا تسجيل ما إذا كان النبض قوياً أم ضعيفاً، منتظماً أم غير منتظم."

عاضة على شفتها وهي تجلس مجدداً بارتباك، حدقت جي-يو في هنتر بوجه متجهم. وكسكبت الاستياء واللوم في نظراتها، لكنه نظر إلى الورقة المطبوعة بوجه غير مبالٍ بشكل يثير الغيظ قبل أن يتحدث فجأة:

— "هل ستبدئين أنتِ أولاً؟"

— "……"

عندما اكتفت جي-يو بالتحديق ولم تجب، هز كتفيه:

— "إذا كنتِ لا تريدين، فسأبدأ أنا أولاً، لذا أعطيني معصمكِ."

— "لماذا فعلت ذلك؟"

— "فعلت ماذا؟" سأل هنتر بعجز.

— "عرضت سيينا تبديل الشركاء. أنت تحبها أكثر من—"

— "إنها مزعجة،" قاطعها هنتر ببرود.

— "……"

هل هذا يعني أنني لست مزعجة؟

— "توقفي انت مزعجة أيضاً، وأعطيني معصمكِ ."

بالتأكيد.

أطلقت جي-يو تنهيدة عالية ومقصودة، وبتردد مدّت معصمها. وتحت جلد معصمها، الذي كان أبيض إلى حد الشفافية، كانت عروقها الزرقاء مرئية بالكامل. عندما كانا أصغر سناً، كان هنتر يعتاد السخرية منها، قائلاً إن جلدها يبدو مثل لفائف "السبرينغ رول" الصينية حيث يمكن رؤية كل شيء بالداخل.

خلال عطلة الربيع، كانت قد غسلت واقي الشمس سراً واكتسبت سمرة خفيفة في كانكون بالمكسيك، بعيداً عن عين أي-جونغ المراقبة، لكن ذراعيها عادتا إلى حالتهما السابقة في أقل من شهر. كانت أي-جونغ جادة تماماً بشأن الحفاظ على بياض بشرتها. وحتى عندما كانت جي-يو تتوسل بجدية أن الجميع يعتقد أن البشرة الشاحبة جداً تبدو مبتذلة، لم تكن أي-جونغ تتظاهر حتى بالاستماع.

وكلما ذهبوا في عطلة إلى بلدان حارة، كانت أي-جونغ تعيد وضع واقي الشمس مراراً وتكراراً حتى يبدو جلد جي-يو طلاءً طباشيرياً. وتكليلاً لذلك، كانت تجبر جي-يو على ارتداء قبعة غريبة مع رفارف مثل أذني الفيل تغطي كتفيها، بل وكانت تحمل مظلة فوقها حتى عندما لا تمطر. وكانت جي-يو تشعر بخجل شديد يمنعها من رفع رأسها كلما حدث ذلك.

في المقابل، فإن هنتر، الذي قضى أسبوعي عطلة الربيع في جزيرة تملكها عائلة هاملتون في البحر الكاريبي، كان مسمراً بلون أكثر روعة مما كان عليه في الصيف. ورغم أنها لم تصرح بذلك قط، إلا أنها كانت تحسد لون بشرته، الذي كان يبدو صحياً مثل الكراميل المذاب. وكان ذلك يجعله يبدو بطريقة ما ثرياً وأنيقاً.

عدّل هنتر ثلاثة من أصابعه المغطاة بالثفنات وضغط بقوة على منتصف معصمها. ثم، مميلاً رأسه، أزاح أصابعه لأعلى قليلاً من قبل.

مرت حوالي ثلاث ثوانٍ.

عقد حاجبيه ورفع رأسه بسرعة:

— "جو باركر، هل قلبكِ ينبض أصلاً؟"

إرسال تعليق

0 تعليقات