الفصل (192) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty
طرق.
تردد المهاجمون المحيطون بالعربة عندما أُلقي بجسد جندي فرقة المهام الخاصة إلى الخارج.
الغابة، التي كانت قبل لحظات مليئة بصليل الصلب والصراخ الهستيري، خيم عليها صمت غريب ومؤلم. ثم خرج هو.
من العربة المحطمة، خطت هيئة تشبه شيطاناً بعث من الموت.
أسند أوسكار إحدى يديه على إطار الباب المكسور وانحنى وهو يتسلق للخروج، ممسكاً بسيف في اليد الأخرى.
بدا ماركيز راينهارت الشاب في حالة أسوأ من أي وقت مضى.
كان الجزء العلوي من جسده، العاري حتى من قميص، ملفوفاً بإحكام بضمادات بيضاء. وكان شعره مبتلاً بالعرق، وملتصقاً بفوضوية بوجهه. وكان حافي القدمين، دون حذاء حتى.
ومع ذلك، كانت الومضة الزرقاء في عينيه، التي تشع من خلال خصلات شعره الرطبة، كافية لانتزاع الإرادة من أي شخص يجرؤ على رفع سيف ضده.
ردّد أوسكار بنظرات باردة وثاقبة للمحيط من حوله:
"قوات دفاع العاصمة... فرقة المهام الخاصة."
كان صوته خفيضاً، خشناً، وأجشاً تقريباً. وعند تلك الكلمات، تغير تنفس الجنود الملثمين.
وبرغم حالته، أطلق أوسكار ضحكة جافة وجوفاء:
"أنا فضولي للغاية لأعرف ما هي الجريمة التي أمركم الملك بالقبض عليّ بسببها."
لم يجب أحد.
فرقة المهام الخاصة، التي تعمل تحت أمره الملك المباشرة — القائد الأعلى للجيش — لم تكن تملك السلطة للرفض ولا الحق في التشكيك في المبررات وراء أوامره.
لقد تلقوا أمراً ملكياً واحداً فقط:
"أبيدوا جميع الذين فروا سراً من راينهارت في غضون أربع وعشرين ساعة، دون استثناء."
استنشق الجنود الهواء بحدة ورفعوا شفراتهم مجدداً.
في وقت سابق، كانت تلك الشفرات نفسها قد وُجِّهت نحو إرنست.
لكن هذه المرة، كان هناك فارق واحد بين الماضي والحاضر.
أحكم أوسكار قبضته على السيف من جديد وشرع يلوح به بكل قوته نحو الجنود المندفعين نحوه.
اندفعت الحرارة عبر جسده. وكل حركة كانت تمزق ظهره وكأن اللحم ينشق مجدداً. لكن عينيه الزرقاوين كانتا تحترقان كشعلة لا تنطفئ.
لم يكن يعلم. هل كان يسمع أشياء؟ هل كان يتخيل ذلك؟
لقد كان يتخبط داخل حفرة بلا سلم.
في هذه المرة، لم يكن والده هناك.
في الظلام، قبض على شريط أحمر وهمس باسم واحد فقط:
سيو-آه.
لا —
راون.
هان راون.
شعر وكأن جسده يحترق ليتحول إلى رماد، متشبثاً بظل المرأة التي أخفت حتى اسمها الحقيقي عنه.
كيف يمكنه أن ينسى ذلك الألم المؤدي للغثيان؟ بدا وكأنه لا يوجد سوى مخرج واحد:
الموت.
كيف يمكنه أن يموت؟
لقد أمن بأن الطريقة الوحيدة للهروب من المعاناة هي الاختفاء تماماً، لذا ظن أن الموت هو الخيار الوحيد.
ثم —
"الآنسة الشابة تنتظر سيدك."
ذلك الصوت سحبه إلى الأعلى من عنقه.
وعندما فتح عينيه، لم يستطع التمييز ما إذا كان قد استيقظ حقاً. الحفرة التي بلا سلم والعالم الذي رآه فور فتح عينيه —
كانا الجحيم نفسه.
تناثرت الدماء عبر رؤيته. ومع ذلك، لم يتوقف أوسكار.
كان يلوح.
يقطع.
يطعن.
يبيد أعداءه أمامه بأسلوب منهجي.
السم الذي يجتاح جسده...
الحرارة الحارقة للحمى...
حتى سيوف العدو التي قد تنهي حياته إذا تعثر وأسقط دفاعه —
لم يستطع أي منها قتل أوسكار.
جملة واحدة أبقت روحه متماسكة من أن تحترق لتحول لرماد: إنها تنتظر.
ما كان يفتقده إرنست —
وما يمتلكه أوسكار الآن. أو ربما...
ما كان يتمنى بيأس امتلاكه:
انتظار شخص واحد فقط.
الذئب المنعزل — والأناني ربما — لم يكن بحاجة إلى انتظار الجميع.
كان يرغب في شخص واحد فقط. انتظار ذلك الشخص الوحيد، المطبوع فيه كعلامة فارقة. انتظار مائة شخص لا يمكن مقارنته بانتظار ذلك الشخص الواحد.
لهذا السبب مات إرنست. ولهذا السبب لم يستطع أوسكار الموت.
"احموا سيدكم!"
في اللحظة التي نهض فيها أوسكار، تغيرت معنويات كارل والذئاب. حمايته وهو فاقد للوعي كانت مختلفة تماماً عن القتال وهو يقف بينهم. انقلبت قوة اندفاع الذئاب. ومع انضمام أوسكار إلى القتال، بدأ المجرى يتغير ببطء — ثم انقلب تماماً.
مزقت الذئاب الرقاب بلا رحمة وأنهت الأرواح. وفي المقابل، تعرضوا هم أيضاً للعض، والقطع، والرمي جانباً. الدماء الحمراء — التي لا يمكن التمييز فيها بين الصديق والعدو — تناثرت عبر الغابة المظلمة. الصرخات والأنين كانت تدور في الهواء كأنها صيحات تحملها الرياح.
ولكن كما هي العادة دائماً، كانت الذئاب هي من نجا من عاصفة الدماء والصراخ. وعندما أصبح إحباطهم واضحاً، بدأت فرقة المهام الخاصة بالتراجع بسرية، وفي لحظة ما، بدأوا في الانسحاب. أولاً بحذر، ثم بشكل علني.
وعندما تحركت الذئاب، التي غمرتها نشوة النصر، لملاحقتهم، صرخ كارل فوراً:
"توقفوا!"
كانت عيون الذئاب حمراء من أثر المعركة. وعبر بعضهم عن عدم رضاهم على الفور. لكن نظرة واحدة إلى تعبير كارل الصارم كانت كافية لتهدئة حماسهم بسرعة.
وفوق التنفس المتسارع للمتلقين للنواحي، بدأت الغربان تنعق. وجذبتها رائحة الدماء، فجلست قريباً، تراقب الجثث بالأسفل. وكانت الطيور الجارحة تحوم ببطء فوق الأشجار الكثيفة.
الغربان والصقور — كأنها رسل إله بعيد — كانت تحوم عند الحد الفاصل بين الحياة والموت. وكانت تجد الموتى دائماً بدقة مذهلة.
وحتى بعد معارك لا حصر لها، فإن موت الرفاق الذين شاركوهم الحياة والولاء لم يكن أمراً يعتادون عليه أبداً. نظر كارل بصمت إلى الرأس المقطوع لأحد الذئاب التي رباها بيديه. وبحذر، أغلق العينين اللتين لم تغلقا بعد.
"نظفوا المكان."
"... حاضر."
بدأت الذئاب بهدوء في جمع جثث رفاقهم الصرعى. راقبهم كارل للحظة قبل أن يدير جسده.
أوسكار.
ربما لأن باربارا هي من ربته، فقد كان يشبهها بطرق مخيفة كثيرة.
لقد كان فاقداً للوعي حتى ما قبل المعركة مباشرة. ومع ذلك الآن، وكأنه لم يكن مستلقياً قط، كان يقف منتصباً، ويلبس ملابسه وكأنه لم يصب بأذى مطلقاً.
لم يكن يبدو كرجل كان على وشك الموت.
"سيدي."
"أبلغني بالوضع."
"هل أنت بخير؟"
لم يجب أوسكار. وبملامح غائبة، كرر الكلمات نفسها:
"أبلغني بالوضع. لماذا أنا هنا."
كان العرق يغطي جبهة أوسكار.
والطبيب — الذي استعاد وعيه للتو — نظر إليه بملامح مذهولة. كانت حالة أوسكار واضحة دون الحاجة حتى للسؤال. الحرارة المنبعثة منه كانت تؤكد ذلك. كانت الحمى شديدة.
ومع ذلك، ولأن أوسكار كان واقفاً، اعتدل كارل غريزياً في وقفته. واستعد للإجابة عن السؤال. لكنه تردد. من أين ينبغي له حتى أن يبدأ؟
بعد صمت قصير، وقبل أن يتحدث كارل مباشرة —
تحدث أوسكار أولاً:
"... تلك المرأة."
كان سؤالاً غير مسؤول على الإطلاق. وحتى مع اشتعال ذهنه بالحمى، أدرك أوسكار كم كان يبدو مثيراً للشفقة.
أمام عينيه كانت ترقد جثث ذئابه التي ذُبحت. وفرقة المهام الخاصة التابعة للملك كانت قد وجهت شفراتها نحوهم للتو.
كم من الوقت كان فاقداً للوعي؟
هل راينهارت بخير؟
هل يمكن للذئاب المتبقية التعافي؟
تلك كانت الأسئلة التي كان ينبغي له طرحها. لم يكن هذا هو الوقت المناسب للبحث عن تلك المرأة القاسية —
التي أخفت حتى اسمها عنه.
والآن بعد أن وصل الوضع إلى هذا الحد، تساءل أوسكار عما إذا كان الملك السابق هو من قتل والده إرنست بالفعل بجسده — أم أن إرنست نفسه هو من قتل نفسه في النهاية.
لقد مات والده الأحمق دون مسؤولية. وحتى في موته، كان يتخبط في الجحيم وهو متمسك برسالة من أمه.
"لقد أصبحت ماركيزة."
لللحظة، أصبحت عينا الذئب الأسود فارغتين.
الأفكار التي غطتها الحمى تبخرت دفعة واحدة.
راقب كارل أوسكار بتركيز. ورؤية تلك النظرة الفارغة جعلته يتحدث مجدداً بصوت خشن:
"لقد أصبحت ماركيزة –"
"هل أجبرتموها؟"
تلاشى الفراغ من عيني أوسكار. وحل الظلام مكانه.
"ماذا؟"
كان بإمكان أوسكار بسهولة تخيل الذئاب وهي تجبر تلك المرأة — التي كانت تكاد تتنفس — على الوقوف والضغط على ختمها. كان بإمکانه تصورها وهي ترتعد، غير قادرة على الحركة أو الكلام، وتطبع الختم بدافع الخوف.
كان رأسه ينبض بالفعل وكأنه يوشك على الانقسام. والحرارة تصاعدت فقط بينما اقترب أوسكار خطوة من كارل:
"هل هددتموها لتطبع الختم؟"
تعمقت نظرة المحارب العجوز. وأجاب كارل بهدوء لأوسكار الذي كان يشع حرارة:
"كما تتوقع يا سيدي، لم تقبل لقب الماركيزة بطوعها في البداية. لقد رفضت."
رفضت.
أجل. بالنظر إلى الوراء الآن، لم تقل تلك المرأة 'لا' لعرض زواجه. لقد قالت إنها لا تستطيع.
إذن، كانت تعلم منذ البداية.
الشخص المشتبه به. ابنة بيتر.
كانت تعلم من هو والدها. وما الذي فعله ذلك الرجل براينهارت قبل أن يفر.
إذن كان خوفها منه أمراً حتمياً. وحتى عندما وصل أوسكار إلى مرحلة لا يمكنه فيها إيذاؤها أبداً، كانت تخافه دائماً.
لو أنه علم بوجود ابنة لبيتر قبل لقائها —
لكان أوسكار قد طاردها بدلاً من بيتر الذي اختفى من العالم. لكان قد لاحقها بلا رحمة حتى النهاية. وعندما يجدها أخيراً، لكان قد استخدمها دون تردد. لكان سيعلم أنها بريئة. لكن البراءة لم تكن لتكون سبباً لإعفائها.
ربما خائنه تيريزيا فيتكينشتاين قد خانته لأنها كانت تملك شيئاً تحتاج إلى حمايته أثناء انفصالهما.
"فور فقدان سيدي للوعي، أدركت الماركيزة شارلوت فون رايشنشتاين الوضع وذهبت إلى قصر الماركيزية. وكانت الليدي سابين فون جيروم حاضرة في الساحة حيث تعرض سيدي للهجوم."
أظلمت عينا أوسكار أكثر. ومن هاتين الجملتين فقط، كان بإمكانه إعادة بناء الوضع بأكمله.
"الحرس الملكي كان هناك."
"الحرس الملكي؟"
كانت الحرارة المنبعثة من أوسكار تشبه الفرن.
شارلوت — الأم التي تملك حقوق الإرث.
سابين — المدعومة منه.
الملك — الذي يريده ميتاً.
والحرس الملكي — الذي يملك السلطة لفرض النظام.
كانت شارلوت ستحاول تأمينه بأي طريقة. وكان الملك سيحاول شق طريقه بقوة.
أدرك حقيقة ساطعة بحدة: بدت راينهارت وكأنها حُصرت تماماً في الزاوية.
ولكن إن كان الأمر كذلك —
فأين هو الآن؟
ومن الذي بقى في الخلف لمواجهة ذلك الغضب؟
زوج من العينين البنيتين المليئتين بالدموع ظهر في ذهنه. وتحددت نظرة أوسكار بحدة:
"ماذا فعلتم قبل أن تغادروا؟"
"سيدي —"
"أنا أسألك، ماذا تركتتم خلفكم؟"


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا