الفصل (188) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
ابتسم بيتر ابتسامة عريضة.
وبدلاً من أن يجيبها، سحب لها كرسياً وأشار إليها بيده كي تجلس. بالنسبة للآخرين، كان يبدو وكأنه يتصرف بأدب ويقول لها: "تفضلي بالجلوس هنا". لكن الكلام الذي وصل إلى مسامع "سيو-آه" كان مختلفاً تماماً عن تلك الإشارة اللطيفة.
"هل اعتنى بكِ جدكِ جيداً؟"
"……!"
"إن كنتِ قد عرفتِ أباكِ، فكان عليكِ إلقاء التحية بحرارة. هل من الأدب أن تتحدثي بهذه الوقاحة؟"
أمسك بيتر بذرع سيو-آه وضغط عليها لتجلس على الكرسي وكأنه يساعدها، ثم تظاهر بأنه يسكب لها كوباً من الماء وهمس بصوت خافت:
"لو كنتُ أعلم أنكِ هنا لمشيتُ إليكِ أسرع. يا للأسف! كان من الأفضل لو كبرتِ تحت رعايتي بدلاً من جدكِ، أليس كذلك؟"
أمال قارورة الماء قليلاً وتابع:
"على أي حال... ذلك العجوز (هان هونغ-هيون) لديه قوة تحمل عجيبة! كيف استطاع تربية حفيدته —التي ولدت من اغتصاب ابنته— بكل هذا الحرص؟ هل يجب عليّ أن أشكره على ذلك؟"
وضع بيتر القارورة على الطاولة وضحك بصوت مكتوم:
"لا، هذا غير صحيح، بالطبع أنا ممتن له! ولهذا السبب فإن لقائي بكِ في هذا الوقت المناسب يسعدني كثيراً. لا تتخيلي كم أنا فخور بكِ."
حبست سيو-آه أنفاسها وانتظرته ليعود ويكمل كلامه.
"هاتي راينهارت وسلميها لوالدكِ يا ابنتي."
اقترب من سيو-آه المتجمدة في مكانها وهمس مبتسماً:
"وإلا..."
"هذه المرة... سأهشّم رأس جدكِ تماماً."
اعتدل بيتر في وقفته ونهض.
نظر إلى ابنته الشاحبة للحظة ثم التفت عنها بكل هدوء وراحة، ومشى بثبات نحو مقعده —على يسار الملك.
رفعت سيو-آه عينيها ببطء.
كان الملك وسابين وبيتر يقفون أمامها كأنهم لوحة واحدة.
والدها البيولوجي الحقيقي، الواقف بجانب الملك، غمز لها بعينه بخفة.
(هان هونغ-هيون... لديه قوة تحمل عجيبة ليُربي حفيدة ولدت من اغتصاب ابنته...)
"لهذا السبب عشتُ حياتي كلها وكأنني أذنبتُ ذنباً عظيماً...
لهذا السبب لم أستطع يوماً أن أرفع رأسي...
خوفاً من أن تجرح ملامحي المأخوذة منك قلوب الناس الذين أحبهم...
هكذا عشتُ تماماً."
وحتى لو رماها العالم أجمع بالحجارة ولعن ظروف ولادتها، كان هناك شيء واحد تؤمن به دائماً:
"ما كان لك أن تفعل بي ذلك أبداً!
أنت... يا من دمرت روح أمي، وحولت حياة جدي وجدتي إلى جهنم، بل وحتى دمرت مرقد الموتى!"
انقبضت يدها تحت الطاولة وقست على نفسها حتى انغرست أظافرها في لحمها.
"حسناً إذن..."
وفي اللحظة التي فتح فيها الملك ليوبولد فمه ليبدأ جلسة الاستماع العلنية —
أسرع خادم على طول جدار القاعة، وهمس برسالة بين الملك وسابين. نهضت سابين فوراً من مقعدها.
تتبعت أعين النبلاء نظرات سابين نحو مدخل القاعة.
طق... طق...
تردد صوت الكعب العالي الحاد بوضوح في أرجاء القاعة، وكأنه إشارة تعلن البداية الحقيقية للجلسة.
تحرك النبلاء واضطربوا عندما دخلت شارلوت.
فستانها الأسود —الذي يبدو كملابس الجنائز— وشعرها المنفوش، ووجهها الشاحب... كلها أمور جعلتها تبدو مختلفة تماماً عن هيئتها المعتادة.
"...أمي."
نادتها سابين بصوت متألم، لكن شارلوت لم تنظر إلى ابنتها، بل حدقت مباشرة في "سيو-آه" الجالسة على كرسي الماركيز راينهارت.
النبلاء الذين كانوا يتهامسون قبل قليل حبسوا أنفاسهم الآن.
وحده سيمون، المقيد في أقصى زاوية، شعر بجفاف حلقه.
الخادمة الكبيرة التي رافقت سيو-آه اقتربت منها وهمست في أذنها بشيء ما وهي تبتسم. بالنسبة للآخرين، كانت تبدو وكأنها توجهها للكرسي المناسب فقط، لكن وجه سيو-آه كان يزداد مظلماً مع كل ثانية.
كان من الواضح أن شارلوت جاءت بنية تدمير سمعة سيو-آه وإسقاطها تماماً.
وكيف له أن يحمي سيو-آه من بطش الملك؟
كان المستقبل يبدو مظلماً جداً.
"يا جلالة الملك!"
تردد صراخ شارلوت المليء بالألم في قاعة الاجتماعات الواسعة. مشت بخطوات سريعة نحو الملك وهي تبكي وتترجاه:
"أرجوك، اسمع شكواي والظلم الذي تعرضتُ له!"
سابين، الواقفة في مكان الملكة، أسرعت فوراً لتسند والدتها:
"أمي..."
رفعت شارلوت يدها وأشارت بإصبعها مباشرة إلى سيو-آه أمام جميع النبلاء، وسحبت نفساً عميقاً ثم صرخت:
"يا لكِ من غاصبة وسارقة بلا حياء!"
لمعت عينا الملك ليوبولد ببريق أشد من أي وقت مضى. لقد مر وقت طويل منذ أن حدث شيء ممتع كهذا.
"قومي من ذلك المقعد فوراً!"
اختفت الماركيزة راينهارت الأنيقة.كانت ترتدي السواد وكأنها في جنازة، ولمع شعار زوجة الماركيز على صدرها.
ومن زاوية القاعة، ارتفع صوت سيمون:
"سيدتي تجلس في مكانها الحق! وصفها بالسارقة أمر مبالغ فيه!"
"يا جلالة الملك!"
سالت الدموع على وجه شارلوت بغزارة:
"ابني... أوسكار فون راينهارت... تعرض للهجوم!"
وعلى العرش، اهتزت شفتا الملك ليوبولد بخفة لا تكاد تُرى. وفي تلك اللحظة، مال بيتر نحوه وهمس بصوت خافت:
"وصلنا تقرير للتو. عدة عربات مجهولة الهوية غادرت قاعة الذئاب، ونحن نلاحقها جميعاً."
رفع الملك ليوبولد كأسه ليغطي فمه وقال:
"لقد غيّرت رأيي. المرتزقة لا يكفون، ولن يستطيعوا التعامل معهم."
"إذن..."
"أرسل القوات الخاصة التابعة لجيش الدفاع عن العاصمة."
تردد بيتر أمام هذا الأمر الذي بدا متسرعاً.
فالقوات الخاصة لجيش الدفاع كانت تتكون بالكامل من مستخدمي السحر —وهم النخبة بلا منازع في جيش لوكسين.
"هم فقط من يستطيعون قطع نفس ذلك الوغد تماماً."
"ولكن... سحب قوات الدفاع قد يكون خطيراً، خاصة مع تزايد نفوذ المنظمات المدنية التابعة لنقابة التجار..."
سكت بيتر في منتصف كلامه تحت نظرات الملك الحادة والثابتة.
"هل أبدو لك وكأنني أطلب رأيك؟"
"أعتذر يا جلالة الملك."
أنزل بيتر رأسه فوراً، بينما تحول انتباه الملك ليوبولد عنه وعاد ليراقب النبلاء.
كانت القاعة تصخب كخلية نحل مضطربة:
"ظننتها مجرد شائعة! هل هذا صحيح؟"
"إذا كانت أمه هي من تقول ذلك بنفسها، فلابد أنه صحيح!"
حتى كبار النبلاء قاموا من أماكنهم ووجهوا كلامهم لشارلوت:
"إذن ما هي حالة الماركيز الآن؟"
"عن ماذا تتحدثون! حضرة الماركيز بخير ولم يصبه أذى!"
صرخ سيمون وهو يقفز من مكانه، لكن صوته اختفى وسط بكاء شارلوت العالي:
"أوسكار في حالة حرجة جداً!"
"يا ماركيزة!"
احمرّ وجه سيمون من الغضب والانفعال، لكن شارلوت تصرفت وكأنها لا تسمعه:
"إنه فاقد للوعي! لا يستطيع التفكير ولا اتخاذ القرارات! حياته معلقة بخيط رفيع... آه..."
"أمي!"
"سابين... إذا رحل أخوكِ، كيف سأعيش أنا؟"
"لا! هذا غير صحيح أبداً! الماركيز بخير!"
"كفاك يا كونت بيرنهايم! أنت تحاول تغطية الشمس بغربال!"
القاعة التي تضاربت فيها الأصوات من كل اتجاه تحولت بحق إلى ما يشبه السوق المزدحم.
شارلوت، التي بدت وكأنها قادمة للتو من جنازة ابنها، كانت تبكي بين ذراعي ابنتها. ومن حولهما، انشغل النبلاء —كباراً وصغاراً— بتبادل أطراف الحديث.
شعر الملك ليوبولد برضا غريب، وكأنه يجلس أمام وليمة فاخرة أُعدت له خصيصاً.
"فرصة كهذه نادراً ما تأتي. كل شيء فيه مكسب وخسارة. أرسل القوات الخاصة فوراً. لا يهم إن خرجت عشر عربات أو عشرون، المهم هو السرعة. أنهوا الأمر خلال 24 ساعة."
"علم ويُنفذ."
"آه، وأيضاً..."
"نعم؟"
"في حال كان ذلك الوغد لا يزال حياً —وهذا بعيد الاحتمال— ركزوا على قتله ومنعهم من الوصول إلى فيوس. إن عاد واحد منهم فقط إلى المقر الرئيسي، فسيجمعون الذئاب حتماً."
أومأ بيتر برأسه:
"وفي هذه الأثناء، سأحول مقرهم الرئيسي إلى رماد."
حول الملك ليوبولد نظره ببطء.
وسط هذه الضوضاء التي تشبه السوق، كانت المرأة التي أصبحت السند والأساس لـ"ذلك الوغد" تجلس بعيدة عن كل هذا الصخب. لو لم تظهر هذه المرأة، لكانت راينهارت قد سقطت في يده منذ زمن.
لكن... هذه هي النهاية.
اضطراب سيمون جعل الأمر واضحاً؛ فهذه المرأة لم تكن تقيّم الموقف بهدوء، بل كانت تتخبط ولا تدري ماذا تفعل.
وفي تلك اللحظة، رفعت المرأة —سواء كانت زوجة أوسكار أو مجرد درع له— عينيها ببطء. كانت العروق الزرقاء تبرز بخفة على رقبتها الشاحبة والنحيلة، وكأنها تكتم شيئاً ما في داخلها.
اختلاط الأصوات والأحاديث كان يصب في أذنيها بلا توقف.
نظرت سيو-آه إلى الحشد المتكلم أمامها.
بالنسبة لها، كان يبدو وكأن سيمون يقف وحده في مواجهة مئات الجنود الأعداء.
كان يصرخ حتى بُحّ صوته وهو يؤكد أن أوسكار بخير ولم يصبه مكروه، لكن لم يكن أحد يستمع إليه.
(هل مات أوسكار حقاً؟ إن مات، ماذا سيحدث لراينهارت؟ من سيرثها؟)
كلمات كثيرة ملأت القاعة، لكن لم يكن فيها كلمة واحدة تقلق عليه أو تهتم لأمره.
لم يكن أحد ينتظر عودته...
لم يتمنَّ أحد سلامته...
ولا حتى أمه!
"هل صحيح أن الماركيز راينهارت قد تعرض للهجوم؟"
وعلى سؤال الملك الجاد، أومأت شارلوت برأسها عدة مرات من بين دموعها:
"نعم يا جلالة الملك."
كان سيمون يغمض عينيه بشدة وألم.
في العادة، ألا يقلق الآباء على حياة أبنائهم أكثر من أي شيء آخر؟
إذا كانت الأم بنفسها تتقدم وتشهد بكل هذا الوضوح عن مصيبة ابنها، فماذا يتبقى ليُقال؟
لكن... هناك آباء في هذا العالم لا يقدرون حياة أبنائهم على الإطلاق.
(لو كنتُ أعلم أنكِ هنا لمشيتُ إليكِ أسرع. كان من الأفضل لو كبرتِ تحت رعايتي بدلاً من جدكِ، أليس كذلك؟)
شارلوت لم تسأل ولو مرة واحدة عما إذا كان أوسكار آمناً!
منذ خروجها من قصر الماركيز وحتى وصولها إلى هذا المكان، ورغم ادعائها أن ابنها على شفير الموت —
لم تسأل مرة واحدة إن كان مصاباً،
أو إن كانت حياته في خطر... أو أي شيء من هذا القبيل.
لا شيء أبداً.
(هاتي راينهارت وسلميها لوالدكِ يا ابنتي.)
راينهارت —الأرض والمكان الذي بناه ذلك الرجل بعرقه ودمه—
أن أُسلمها لك؟
لا...
هذا لن يحدث أبداً.
"هل تتمنون موته حقاً؟"


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا