الفصل (182) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
ثبتت "سيو-آه" نظراتها عليه، مصممة على ألا تكون أول من يشيح بنظره. وانتظرت.
وفي النهاية، اضطربت العينان المظللتان تحت حافة القبعة العسكرية قليلاً قبل أن تتحولا إلى مكان آخر. عندها فقط أزاحت "سيو-آه" نظرتها بعيداً بأكبر قدر ممكن من الهدوء.
ثم—
التقت عيناها بعينيه.
كانت حدقتاه بلون أحمر قاني داكن، يشبه الدم المتجلط المتروك ليتعفن، وينبعث منهما هالة غريبة ومقلقة. كان يحدق دون أن يطرف له جفن، يبدو كطيف يتجول في عالم الأحياء.
في تلك اللحظة، هبت نفخة من الريح من حيث كان يقف. حمل النسيم الغريب معه رائحة المجزرة؛ حيث تسربت زفرة الدم المتعفن ولاذع الحريق إلى رئتيها.
قبضت "سيو-آه" قبضتها الخفية تحت حافة عباءتها وأدارت رأسها ببطء.
كانت فوهات البنادق لا تزال موجهة نحوها، لكن الجنود الذين يحملونها كانوا مضطربين بوضوح.
إذا تقدمت إلى الأمام، فسوف يتفرقون.
لم تكن تعرف من أين جاء هذا اليقين، لكن الاقتناع نبع بداخلها مع ذلك. خطت "سيو-آه" خطوة إلى الأمام وسط صفوف الجنود المتذبذبة.
ربما كانت الخطوة الأولى صعبة، لكن الثانية لم تكن كذلك.
وهكذا، ودون حصان ولا عربة—فقط بقدميها وخالي اليدين—مشت مباشرة بين الجنود الذين يحملون البنادق. وبدأ الطريق الذي كان يبدو فتحُه مستحيلاً ينفرج أمامها.
ودون أي أمر من رئيسهم، سارع الحراس بإنزال بنادقهم والإمساك بأعنة خيولهم، وكأنهم يخشون أن تصدمها أحصنتهم.
ومثلما ينحت الماء مجراه عبر الأرض بمجرد أن يبدأ بالجريان، انفرقت الصفوف الأمامية، وبدأ الحراس خلفهم يبتعدون وكأن التيار يجرفهم.
وبعد بضع خطوات فقط—
لم يبقَ أحد في طريق "سيو-آه".
سارت بهدوء على الطريق الذي فتح أمامها. كانت عباءتها الثقيلة تتأرجح مع الريح. ورغم أن الطريق كان مبتلاً، إلا أن الحذاء العسكري الذي ترتديه لم يتعثر ولم ينزلق.
لم يكن بوسع الحرس الملكي سوى التحديق بينما كانت ماركيزة "راينهارت" تمر من بينهم. ولم يكن "بيتر" استثناءً.
عندما خرجت "سيو-آه" من تشكيلة الذئاب، تذكر "بيتر" رجلًا يدعى "هونغ-هيون".
رجل يشبه النمر وهو يسير في غابة كثيفة.
كانت بنية "سيو-آه" صغيرة، لكن أي شخص يعرف "هونغ-هيون" كان ليتعرف فوراً على هذا الشبه، ولا يمكن أن يخطئه.
الانحناءة الصاعدة لعيينها وهي تنظر إليه. تلك النظرة الثابتة التي لا تتزعزع.
شفتها المغلقة. سلوكها الهادئ والمنضبط.
حتى طريقة سيرها—
وخط ظهرها المبتعد.
لمعت عينا "بيتر" ببرود وهو يراقب جسدها المبتعد.
ابنته التي نشأت تحت يد "هونغ-هيون" كانت تشبه جَدَّها بطريقة مخيفة.
"توقفي هناك! قلت توقفي! لا يمكنك الذهاب!"
هرعت "شارلوت" نحو "سيو-آه"، لكن "سيو-آه" لم تتوقف، ولم تستطع "شارلوت" حتى الوصول إليها.
اندفع "سايمون" والذئاب خلفها، متبعين الطريق الضيق الذي فتحه الحراس.
"توقفي! ألم تسمعيني وأنا أقول توقفي؟!"
صرخت "شارلوت" في الذئاب التي مرت بقربها وكأنها غير مرئية.
"استمعوا إليّ أنا، وليس لتلك المرأة! توقفوا! ارجعوا!"
انفجرت الأوعية الدموية في عينيها من شدة الإجهاد، وصعد طعم الدم المعدني إلى حلقها.
"هل هذه حقاً إرادة ابني؟!"
ضربت "شارلوت" بقدميها الأرض كمن يصرخ في وجه نهر جارف.
ثم فجأة—
التفتت نظرتها نحو خط العربات. وبعد أن فقدت صوابها تماماً، بدأت تتسلق الموكب بنوبة من الهستيريا.
المشكلة كانت في كعبها العالي وفستانها الفضفاض؛ فالأحذية والملابس المصممة لراحة القصر كانت بلا فائدة على طريق طيني بلله المطر. انزلقت "شارلوت"، التي كانت تتقدم بخطى حثيثة دون تردد، فجأة على الأرض الزلقة.
"آه!"
"أمي!"
هرعت "سابين" لمساعدتها على النهوض، لكن الذئاب التي كانت تتدفق من قربها لم تعر المرأة الساقطة أي اهتمام.
الحراس أيضاً لم يكن لديهم وقت لخدمتها؛ فقد كانوا مشغولين بإخلاء الطريق للذئاب المتقدمة. صرخت "شارلوت" فيهم لإيقاف الموكب، لكن الحراس كانوا قد فقدوا إرادتهم في المقاومة منذ اللحظة التي مشت فيها "سيو-آه" عبر صفوفهم.
الأشخاص الذين كان بإمكانهم حقاً الاعتراف بـ "شارلوت" كماركيزة هم أولئك الذين جعلوا منها ماركيزة في المقام الأول. ولكن لكي يصبح المرء ملكة للذئاب، كان عليه أن يحظى باعتراف تلك الذئاب. ولم يكن بإمكان الحراس إيقاف ذئاب اختارت بالفعل اتباع ملكتها إلى عرين جديد.
تمكنت "شارلوت" أخيراً من الوقوف. لم تلاحظ حتى أن حافة فستانها قد تلطخت بالطين. كل ما استطاعت فعله هو التنفس بصعوبة وهي تشاهد خط عائلة "راينهارت" الممتد يخرج من الغابة.
كان عليها إيقافهم. كان عليها منعهم من المغادرة—
ومع ذلك لم تكن تستطيع فعل شيء بقوتها الخاصة.
دارت عيناها المحتقنتان بالدم بجنون وهي تترنح نحو أقرب عربة سوداء.
"بمجرد أن أجد ابني، ستنتهون جميعاً. ستنتهي حياتكم. سأقتلكن جميعاً بأكثر الطرق إيلاماً."
أوسكار... ابني.
دفعت الحقد والغيظ "شارلوت" للوقوف أمام العربة السوداء. بوجه محمر، فتحت الباب بقوة ونادت داخلها على ابنها.
"أوسكار!"
لكن الشخص الذي كان بداخلها لم يكن ابنها العزيز. "شارلوت"، التي كانت تصصرخ باسم أوسكار، تجمدت وفمها مفتوح.
داخل العربة كانت تجلس المرأة التي تمنت الموت بأسى ذات يوم—والتي مشت طواعية إلى مصيدة الموت.
تحدثت "باربرا" بهدوء:
"هل تبحثين عن سيادته؟"
رغم إصابتها البالغة التي جعلت بقاءها على قيد الحياة معجزة، جلست "باربرا" منتصبة في مكانها. حتى الظل الخافت داخل العربة لم يستطع إخفاء حدة نظرتها.
"سيادته في الخارج."
لامست إرادة شخص عبر حدود الموت خد "شارلوت". كانت—
باردة.
رطبة.
ومتشبثة.
سحبت "شارلوت" يدها فوراً، وتراجعت للخلف بضع خطوات وكأن العربة نفسها تحمل مرضاً.
تابعت "باربرا" بهدوء: "اليوم نُخلي القصر، لذا يرجى استخدامه براحة من الآن فصاعداً."
بدت الأرض تحت قدمي "شارلوت" وكأنها تنهار.
"أوسكار هو—"
"كما قلتُ، هو في الخارج."
"هذا كذب."
"هل تتمنين أن يكون كذباً؟"
"……"
صمتت "شارلوت"، وتلعثمت بالكلمات. وفي تلك اللحظة القصيرة، وقفت "باربرا" ببطء. وجرّت جسدها المغطى بالضمادات، واقتربت من "شارلوت".
"هل تتمنين أن يكون كذباً؟"
صرخت "شارلوت" بهستيريا:
"اخرسي!"
"لا ينبغي لكِ فعل ذلك."
مهما كنتِ أنانية. حتى لو خنتِ عائلتكِ. حتى لو هربتِ خوفاً من الخراب.
للابن الذي انتظر.
وانتظر.
يناديكِ أمي.
ابن ما زال ينتظر لأكثر من عقد من الزمان دون أن يتخلى عنكِ تماماً.
"لا ينبغي لكِ فعل ذلك."
السبب الذي جعل "أوسكار" يبني "قاعة الذئاب" وألا يغادر هذا القصر أبداً—
هو أنه كان ينتظر. لكنها خانت هذا الانتظار مرة أخرى.
جرت دموع حارقة على خدي "باربرا".
وقالت بهدوء: "لا تقلقي يا سيدتي. لن تحتاجي للبحث عنه بأسى شديد. سيُعود سيادته قريباً. لا يوجد شيء يمكنكِ أخذه من راينهارت."
تاركة تلك الكلمات الثقيلة بالشوق وراءها، التفتت "باربرا".
"لنذهب."
أعطت الأمر لـ "آشا".
ظلت "شارلوت" واقفة هناك، تحدق في باب العربة الذي أُغلق أمامها. لم تكن تملك القوة لتحريك حتى إصبع واحد. اجتاحتها الدوخة، وكأن الدم قد نزف من تحت قدميها. طنّت أذناها بجمود، وشعر رأسها بالخدر.
الموكب، الذي توقف لفترة وجيزة، بدأ بالتحرك مجدداً.
وقفت "شارلوت" كصخرة تُركت بإهمال في منتصف مجرى مائي. راقبت الذئاب وهي تمر من أمامها. كان وجهها شاحباً، وشفتان تفتحان وتغلقان دون صوت.
"توقفوا... قولوا لهم أن يتوقفوا. أنا... أنا الماركيزة."
"أمي! لماذا تتصرفين هكذا؟ تماسطي وقوموا بإيقافهم! افعلي كل ما يلزم لمنعهم من المغادرة!"
كان صوت "سابين" يحمل الجزع والذعر. هزت "شارلوت" من كتفيها محاولة إيقاظها، وأخيراً انفجر الإحباط منها:
"لا يمكننا ترك أخي يغادر هكذا!"
كانت "شارلوت" تعرف ذلك أيضاً. الشخص الذي كان يفقد صوابه الآن لم تكن "سابين"، بل هي نفسها.
"كل هذا لي... كل هذا ملكي...!"
حتى الذئاب التي تمر أمام عينيها. الثروة الهائلة والوثائق داخل تلك العربات. كان يجب أن ينتقل كل شيء إليها عبر الدم. ومع ذلك، تدفقت من أمامها مثل النهر، متجاهلة كل كلمة تقولها. لم تستطع تصديق ما كانت تراه.
"لا تذهبوا..."
تلاشت مناشدتها الخاوية في الهواء. وأخيراً، مرّ ذيل الموكب بجانبها. وبينما كانت "شارلوت" تشاهد الذئاب تختفي في الأفق، انسابت الدموع على خديها. ضربت "سابين" بقدمها في غضب وصارخة بسخط:
"لقد ذهبوا جميعاً!"
التفتت "شارلوت" ببطء نحو القصر. خيّم صمت المكان المهجور عليه كأنه عالم آخر. وبدأت تسير نحوه بخطى ثقيلة.
"أمي!"
لم يصل صراخ "سابين" إلى عقلها. شكل "شارلوت" المبتعد—وهي تجر تنورتها الملطخة بالطين وتترنح للأمام—لم يعد يشبه ملكة مجتمع "فيوز".
راقبتها "سابين" وهي تبتعد. وفي عينيها البنفسجيتين تلاطم مزيج غريب من الغضب والشفقة. وأخيراً، التفتت بعيداً عن أمها.
سارت "شارلوت" بمفردها عبر الغابة المبتلة بالحرش المطر. سارت وسارت حتى وصلت أخيراً إلى القصر الفخم. وما كان بانتظارها هناك هو الفراغ.
لا يوجد ناس.
لا توجد مقتنيات.
لا شيء.
لم يُترك شيء خلفهم.
فقط هيكل خاوٍ هو ما بقي.
لقد أُخذت "راينهارت" الحقيقية من قبل تلك الفتاة. تلك الفتاة التي بلا جذور—التي جاءت من العدم—أخذت كل شيء.
تاركة لـ "شارلوت" لا شيء سوى هذا الهيكل الفارغ.
"آه..."
انهارت "شارلوت" ببطء في القاعة المهجورة التي لم يبقَ فيها سوى الفراغ.
ارتطام.
طافت عينها البنفسجيتان الخاويتان كحجرتين فارغتين بلا هدف عبر الهواء الصامت.
✦ ❖ ✦
شارع الحرس الملكي—حيث تقع المقرات الرئيسية للصحف الكبرى في "فيوز"—كان في حالة من الفوضى منذ الساعات الأولى من الصباح. انتشرت الشائعات كالنار في الهشيم بأن ضحية الهجوم في ساحة الكاتدرائية عند الفجر لم يكن سوى ماركيز راينهارت.
"كان رجلاً وسيمًا للغاية. كان شعره أسود... لم أستطع رؤية لون عينيه. طويل القامة جداً، ذو كتفين عريضين."
"كان 'سايمون فون بيرنهايم'، سكرتير الماركيز. لقد رأيت الكونت 'بيرنهايم' مرة من بعيد من قبل، لذا عرفته. ولقد تولى السيطرة على الموقف فوراً."
"كنت على بعد حوالي عشر خطوات من تلك المرأة... كنت أنظر إلى شريط كانت ترتديه. كان الهجوم يستهدفها، وهذا الرجل طُعن وهو يحميها. أنا متأكد من ذلك."
استُدعي الشهود إلى مكاتب الصحف، وكل منهم يسرد بلهفة ما رآه.
أما السلطات المسؤولة عن التحقيق فلم تتمكن من فعل شيء.
بحلول وقت وصولهم، كان المطر قد غسل كل شيء بالكامل. لم تكن الساحة التي وقع فيها الهجوم تحمل أي أثر للحادث. والدم الذي أقسم الشهود أنه أُريق على الحجارة كان قد تخفف منذ فترة طويلة وجرفته الأمطار.
لا توجد ضحية.
لا يوجد معتدٍ.
لا يوجد دليل.
لم يبقَ أي شيء.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا