الفصل (171) Garden of may_حديقة مايو,
"عند افتتاح المستشفى العسكري الوطني، قام أحدهم بإلقاء النفايات والقمامة. هل تذكر ذلك؟"
"نعم، بالطبع... كيف يمكنني أن أنسى أمراً كهذا؟"
واكتسى وجه ريفر روس ب شحوب جاف، وانقبضت ملامحه جراء تذكر تلك الإهانة البالغة والثقيلة.
'لا تنخدعوا ب المكر والخديعة التي تمارسها عائلة هيرمان!'
ولم يكن ذلك النبأ قد بلغ مسامع الدوق القابع فوق منصة الخطابة حينها، غير أن ثلة من الصحفيين والمراسلين قد عاينوا المشهد. ووقعت تلك الكارثة والفاجعة بالتحديد في الوقت الذي كان فيه المستشفى—ذلك الصرح الذي سكب فيه باتنبرغ جل ثروته وأمواله—يبرز أبهته ويعد ب تقديم العون والإغاثة للمصابين والجرحى.
وتم القبض على الفاعل، غير أنه أُطلق سراحه بعد بضع ساعات دون أن يمسه سوى. ومنذ ذلك اليوم، بدأت نظرات عامة الشعب المارين في الشوارع تتبدل وتتغير.
"لقد كان الأمر يتطلب حافزاً وشعلة صغيرة."
"عفواً؟"
"ك شعلة تذكرهم مرة أخرى ب فضل من أنشأ شبكة الأمان التي يرتعون في خيراتها اليوم وكأنها حق مكتسب لهم منذ الولادة."
عشرات المدارس، ودور الأيتام، والمستشفيات... وعلى الرغم من أن رعاية أرض العائلة وإدارتها كانت إرثاً وتقاليد قديمة، إلا أن الفراسة والذكاء الخاص ل الدوق هما من وسعا نطاقها وحافظا عليها.
لأنه كان يعلم ويوقن أن الحرب آتية لا محالة يوماً ما.
وعندما خمدت الصحافة وتراجعت عن نفث كراهيتها ضد النبلاء رفيعي المنصب من ذوي الأصول الهيرمانية، بدأت الصحف الرخيصة في نشر ومناقشة مقالات تتعلق ب هذا الشأن.
هانس، ذلك الخباز الذي طُرد وأُخرج من مسكنه؛ وبيتر، الذي فُصل عن زوجته وابنته جراء قرارات النفي والترحيل؛ والآنسة ماريا، التي ضُربت وأُهينت ل خطيئة أنها تبدو ك المغتربين... وأجبرت تلك المقابلات والحوارات عامة الشعب على التدبر في مأساة وعذاب العيش في إينغرام ك مواطنين هيرمانيين أبرياء.
"في البداية، لن يكون لهذا أثر كبير؛ وسيستمرون في توجيه أصابع الاتهام، متشبثين ب برهم المزعوم. ولكن بذور الشك والريبة ستنمو، وفجأة، سيبصرون الحقيقة."
"ولعلهم يستوعبون ويوقنون أنهم طوال تلك المدة كانوا يعاقبون ويؤذون نفساً بريئة. وأن ذلك الذئب الذي ينزف في الخنادق، ليس في الحقيقة سوى حمل و شاة قد قطعت من لحم جسدها ل تقسمه وتوزعه عليهم."
"ومن تلك اللحظة، سيبدأ ثقل وعذاب شعورهم ب الذنب في ملاحقتهم."
وكان ريفر روس يعلم ويدرك جيداً ما سيحدث بعد ذلك.
إذ ستتدفق الجموع وتتقاطر نحو بوابات عقارات وقصور باتنبرغ.
في البداية عشرة أشخاص، ثم مائة، حتى يملؤوا الساحة بأكملها. وفي كل يوم، سيعلقون الشرائط ذات اللون الأزرق الداكن والزهور فوق السياج الحديدي، متضرعين ودعين ل عودته سالماً ومعافى. وبدا أن رئيسه يستذكر ذلك المشهد، إذ ارتمست فوق شفتيه ابتسامة خفيفة.
"لقد واجه نورمان مشقة كبيرة في تنظيف وإزالة كل تلك الأشياء."
"وهكذا هو شأن الدين والثقل؛ إذ يتراكم ويزيد قبل أن يستوعب المرء ذلك."
واكتست نظرات ثيودور ب برودة ل لحظة، ثم عادت ل السكينة وكأن ذلك الموقف لم يكن له وجود.
"هكذا يتم قلب الموازين؛ وكان ذلك الرجل هو غاية خطتي ومبتغاها منذ البداية."
ووضع سيجارة بين شفتيه الجافتين؛ فاشتعلت، وتبدد زفيره وتلاشى في غمرة الدخان المتصاعد. وبالطبع، سيكون من الأفضل والأجمل لو كُتبت له النجاة من هذا الجحيم المستعر؛ هذا لو كان على يقين وتأكيد من البقاء حياً ل يلتقي ب فانيسا مجدداً.
لو كان ذلك ممكناً؛ ولكن من ذا الذي يقف في الخطوط الأمامية ويملك ضمان للعيش؟
فالأكثر كفاءة ومنطقية هو المضي قُدماً على فرضية الموت والهلاك. وإذا كان مستعداً لتلك النهاية، فإن رحيله وانقطاعه سيزلزل العالم بأسره حتماً.
وكلما كانت الحياة التي خاطر ب نفسه وأزهق روحه ل حمايتها تبدو عادية وبسيطة، كلما بدا صنيعه وإحسانه القديم عظيماً وجليلاً، وكلما نظر العالم إلى موته ك فاجعة ومأساة كبرى—الأمر الذي سيزيد من ثبات الأرض وتأمينها تحت قدمي تلك المرأة.
"إذاً، لِمَ تخبرني ب هذا الأمر؟ إذا كنت تتحدث ب مثل هذه الشؤون أمام الجميع..."
وبدا ريفر روس في حالة من الحيرة والارتباك التام؛ وكان هذا أمراً طبيعياً، فلا أحد يضمر الشفقة أو العطف ل امرئ يخطط ل نهايته وموته. وكان ثيودور يرجو ويتمنى ألا يذرف أحد الدموع عندما تحل نهايته؛ ويأمل إن بكوا، ألا يطول نحيبهم.
وكانت نظرته نحو ريفر روس، في واقع الأمر، ك نظرة امرئ ل تابعه المخلص؛ وبدا هذا ك شعور ب الذنب جراء ترك كائن أليف ومطيع ومضى.
"يمكنك الانصراف والرحيل الآن، رقيب روس."
وعندما غدا بمفرده، نزع ثيودور قناعه وأبعده؛ فمهما بلغت دقة الحسابات والتقديرات، فإن الحرب تعاند وتخالف كل التوقعات. وإذا ما نظر نحو الخلف، فلم تكن هناك لحظة واحدة كان فيها على يقين وتأكيد من أي شيء. وكان يعلم ويدرك، أكثر من أي امرئ آخر، أن وصوله ووجوده هنا ليس سوى معجزة.
والتقط سترته العسكرية التي خلعها منذ برهة؛ وبأصابعه الطويلة والثابتة، راح يتلمس جيب ذلك المعطف الصلد، وكأن كفه خريطة من السحوج، والقروح، والندوب الحديثة. وأخرج تلك الصورة الشخصية، حامياً إياها لئلا تطالها الأوساخ والملوثات المقززة المنبعثة من جرحه وتلطخها.
وفي ذلك الضوء الخافت والخفي، بدت عينا تلك المرأة منثنيتين، وكأنها ترسم ابتسامة عذبة.
إن الوقوف عند عتبة الموت والهلاك يذكي دائماً الشوق والنزوع نحو الحياة؛ ولم يكن ذلك قسماً أو عهداً ل القبض على تلك الأيادي ما دام ينبض ب الحياة.
بل بكل بساطة وتجرد.
كان يرجو ويتمنى أن تتبقى ثمة أشياء مستقرة ومضمونة؛ لأجلكِ، ولأجل طفلكِ. وكان يأمل، على أقل تقدير، أن يترك شيئ يملك الشرف ل تقديمها وإيصالها.
**
وانحدر السكين ليقطع الجزر والقرع، ثم توقف واستقر؛ وحافظت فانيسا على ضغطها القوي فوق مقبض السكين، وهي ترهف السمع. وكان ذلك دوي وصخب شاحنة أخرى تنطلق وتخرج من المدينة. وبعد مرور يومين على فرار أليس ولويس من أميان، بدت أجواء المدينة مشحونة ومقبضة للغاية.
وفي العلن والوسط العام، انتشرت شائعات تزعم أن حالتها الصحية قد تدهورت وأنها تنحت وانعزلت في إحدى الفيلات، غير أنه لم يكن هناك من يصدق تلك الرواية؛ فالجميع كان يستوعب ويوقن أن المارشيونيس قد فرت وهربت نحو الجنوب ل تجنب قذائف المدافع ونيران الحرب.
وكانت التقارير والأنباء العسكرية المتعلقة ب ضعف الخطوط الأمامية تتوارد في كل يوم، وزعمت الشائعات أن الجنود والتعزيزات تتجمع في بلدة تبعد مسيرة يومين ب القطار. وإذا سقط ذلك الموقع وانمحى، فإن خطوط الدفاع ستنهار وتنكفئ نحو الجنوب الغربي.
واستبد الذعر والهلع ب عامة السكان، لإدراكهم أن القصف والاجتياح بات قريباً ووشيكاً.
"أنا في غاية الأسف والاعتذار منكِ، أليس؛ يتعين علي البقاء والاستقرار هنا."
وشعرت أليس ب الأسى والحزن، غير أنها هزت رأسها إيجاباً ك علامة على الفهم والاستيعاب:
"أنا من كنتُ متصلبة الرأي ومندفعة؛ فقد كنتُ أخشى الرحيل بمفردي رفقة لويس وحسب..."
"وماذا عن ماركيز بولينياك؟ ألم ينضم إليكم ويرافقكم؟"
"سيبقى ويستقر هنا؛ ففي مثل هذه الظروف والعقبات، إن تخلى عن منصبه وموقعه أيضاً، أخشى أن تندلع الاضطرابات والفوضى العارمة..."
واستدعت أليس، ب ملامح يكسوها الأسى والشجن، رئيس الخدم وتلقت منه مظروفاً؛ وتصفحت محتواه ب نظرة خاطفة، ثم وضعت تلك الأوراق والوثائق بين يدي فانيسا.
"خذي هذه؛ إنها وثائق وعقود البيع والشراء التي طلبتِها. وبمجرد وضع توقيعكِ، سيغدو هذا العقار والبناء ملكاً خالصاً لكِ. ومع ذلك، لستُ على يقين وتأكيد إن كان هذا هو الوقت والمؤشر المناسب ل شراء العقارات."
وبمحض الصدفة والاتفاق، عثرت على هذا البناء الذي تقيم فيه حالياً، والمذكور في إعلان أُشهر وعُلق فوق أحد الجدران. ولعل المالك الأصلي، وبسبب حاجته الماسة والملحة ل الأموال ل تأمين فراره ونجاته، قد حدد ثمناً بخساً ومنخفضاً للغاية. وقبل أسبوع فقط، رجت من أليس التقصي والتحقق من الأمر، ل تأكيد سلامة الموقف وحسب.
"لقد تقصيتُ وتحققتُ من الأمر، يا سيدتي؛ ويبدو أن هذا البناء يحوي سرداباً وغرفة سفلية تحت الأرض."
"سرداب تحت الأرض؟ آه، إذاً، هل يتفضل جلالتكم ب السماح لي ب التوقيع هنا؟"
وتمت تسوية العقود وإجراءات الأوراق ب عجلة وارتباك؛ فنزعت القرطين من شحمتي أذنيها وسلمتهما: ووُضع القرطان داخل المظروف رفقة رسائل وعقود البيع والاتفاق، وأُعيدت إلى رئيس الخدم. وأضافت رجاءً وطلباً وجيزاً ب ضرورة إيصال تلك الأوراق والوثائق ل السيد دورانت (Mr. Durant).
ولعل هذا هو اسم الرجل الذي كان يملك العقار والبناء سابقاً. ول برهة وجيزة، توقفت ل تتأمل ذلك الاسم الذي لم يعد يحمل أدنى معنى أو قيمة في عالمها وديارها.
"ولكن، ليدي فانيسا؛ ألم تذكري يوماً أن هذين القرطين هما تذكار وإرث من والديكِ الراحلين؟"
ومتتبعةً خطى ومسار ذكرياتها، لمست فانيسا شحمتي أذنيها اللتين غدتا خاويتين الآن. وتقدمت أليس نحو الأمام، معلنةً عن رغبتها في سداد الثمن والمال من حسابها الخاص، غير أنه لم يكن بمقدور فانيسا تحميلها مثل هذا العبء والثقل.
وإذا ما فكرت وتدبرت في الأمر، فقد كانت هذه الحلي قطعاً قد اضطرت ل رهنها والتخلي عنها سابقاً جراء العوز والشدة، ل تستعيدها بعد ذلك ب فارق ضئيل وصعب.
ولعل هذه الحلي والقطع منذ البداية لم تكن مقدرة أو مكتوبة ل تظل ملكاً لها.
يتعين علي الصمود والتحمل ل برهة وجيزة أخرى وحسب.
وإذا كانت حساباتها دقيقة وفي محلها، فإن مدة حملها غداً ستبلغ خمسة وثلاثين أسبوعاً تماماً. وبالنظر إلى علامات ونذر الولادة المبكرة والمستمرة التي كانت تعاني منها وتواجهها، فإن صمودها وبقاءها طوال هذه المدة يعد معجزة حقيقية.
وكان الطبيب يحثها دائماً ويأمرها ب ضرورة التزام السكينة ونيل القسط الكامل من الراحة. وب جسد واهن وضعيف كهذا، لن تكون قادرة على تحمل وعثاء السفر ومشقة الرحلات الطويلة. وإذا ما طمعت واندفعت وصاب السوء طفلها...
"يقولون إن من المقدر والمتوقع حدوث قصف واسع النطاق وهائل."
"وهل تقع أميان (Amiens) في مسار ونطاق القصف والنيران؟"
"ليس إلى حد الوصول ل أميان؛ ومع ذلك، يعتقدون ويوقنون أن الخطر والتهديد يتربص دائماً."
وعادت أطراف أصابعها، التي تقبض على السكين، ل ترتجف جراء ذعر عارم وقلق متزايد تملك نفسها. فهل كان من الحكمة والتدبر البقاء والاستقرار بدلاً من الفرار والرحيل رفقة أليس؟ لم تكن على يقين وتأكيد من ذلك، غير أنها شعرت أن هذا الخيار يمنحها الأمل الأكبر ل حماية طفلها وتأمينه.
"(أختي.)"
واستفاقت فانيسا من غمرة شرودها وهواجسها إثر سماع صوت آن (Anne)؛ فقد استيقظت الصغيرة، التي كانت قد نامت منذ برهة، وراحت تفرك عينيها، وملامح وجهها يكسوها الهلع والذعر.
دوي متلاحق، واهتزاز شديد!
واهتزت قوارير وأصص الزهور المستقرة على حافة النافذة وارتجفت؛ وبدا أن طائرات الاستطلاع التابعة لقوات الحلفاء قد شرعت في جولات تحليقها المنخفض مجدداً. فجذبت فانيسا آن ل تحتضنها وتؤمنها، بينما تشبثت الصغيرة ب أطراف فستانها.
"(لا عليكِ يا آن، الأمر على ما يرام؛ نامي ل برهة أخرى، وستقوم أختكِ ب إعداد طعام طيب وزكي لكِ عما قريب.)"
"(طعامكِ وطهوكِ مر المذاق... وأنا أستمع ل أصوات مروعة ومخيفة.)"
"(أظن أن جني البرق يبحث عن آن مجدداً؛ انظري، ألا يمكنكِ سماع ذلك الصوت وهو يقترب ويدنو حثيثاً؟ وماذا أمرتكِ أختكِ أن تفعلي عندما تصبح خطوات ذلك الجني أعلى وأشد صخباً من هذا؟)"
"(أن أسرع ب الهبوط نحو السرداب والغرفة السفلية... وأن أتدثر ب الأغطية وأنتظر حتى تعثر أمي أو أختي علي...)"
"(بالتحديد، هذا صحيح؛ فذلك الجني يحب ويعشق لعبة الاختباء كثيراً، وقد وعد ب تقديم الحلوى ل الطفل الأكثر ذكاءً وبراعة في التواري والاختباء.)"
وسماع تلك الكلمات أعاد روعة وحمرة الحياة ل وجنتي الصغيرة؛ وفي تلك اللحظة بالتحديد، هاجمت آلام مروعة وتشنجات حادة خصر فانيسا وأسفل بطنها. ف جاهدت ل ترسم ابتسامة على وجهها، محاولةً مواراة وإخفاء ذلك الانقباض والتشنج العنيف. وارتجفت شفتاها الشاحبتان وهي تصارع ذلك العذاب والوجع.
"(وبما أن آن شجاعة وباسلة للغاية... يتعين عليكِ مقاسمة واقتسام الحلوى مع أختكِ أيضاً.)"
"(حسناً! ولكن، أختي... وجهكِ شاحب كالجص؛ هل تشعرين ب ألم ووجع شديد اليوم؟)"
وهاجمتها موجة جديدة وعنيفة من آلام المخاض؛ فلهثت حثيثاً، وانقبض فكها وأسنانها بإحكام. وعندما أفلتت السكين من يدها ل تسقط وتنهار فوق الأرضية، شعرت ب تدفق سائل ساخن ودافئ يغمر فخذيها.
ولم تكن قادرة على تحديد ومعرفة ما يجري ل جسدها بدقة، غير أن ألما مظلماً أنذرها وحذرها بأن خطباً ما قد أصاب جسدها وسار على نحو سيئ للغاية.
"(أوه، أمي!)"
"آه، آه... آااه!"
وحينها فقط، أطلقت صرخة عارمة—صرخة كان دافعها ومحركها الخوف والهلع من أن يصيب مكروه طفلها، أكثر من كونه ناتجاً عن الوجع والعذاب نفسه—وثم تهاوت وضعفت قواها. وبأعين غائمة تشوشها الدموع، لمحت الصغيرة تفتح الباب وتركض مسرعة ل تطلب العون.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا