الفصل (166) Garden of may_حديقة مايو,
بدت الطريق الطينية المتعرجة المؤدية إلى قلعة غلوستر وكأنها انطبعت بشكل دائم على حذائه. لقد أجهد حصانه وعذبه على هذه الطريق، مسرعاً في عودته من ليندن فقط ليختلس ساعة واحدة إضافية برفقتها.
انحنى ثيودور ليمر من تحت الحبال السميكة التي وضعتها الشرطة المحلية. لم تمر سوى أشهر قليلة قصيرة منذ حرارة الصيف، لكن الجدران الحجرية كانت قد استسلمت بالفعل لعوامل الطقس؛ إذ كان أسى عميق يتسرب من بين الملاط المتشقق.
شق طريقه وسط أكوام كثيفة من أوراق الخريف المتعفنة. وملأت الأعشاب الضارة البنية الميتة الممر الحصوي المؤدي إلى حديقة الورود. كانت شجيرات الزينة قد ذبلت وتحولت إلى أشواك هشة تترقرق كعظام جافة تذروها الرياح العاتية. وعند وصوله إلى نهاية الممر، أسند ثيودور كتفه إلى البوابة الحديدية الصدئة.
امتدت خلف القضبان الحديدية مقبرة ساكنة من الأرض المتجمدة، خالية تماماً من أي حياة تزهو كما كان يذكرها.
أخرج مفتاحاً نحاسياً ثقيلاً من صندوق القفل وأقفل الباب. صر الخشب الثقيل عند مفصلاته، مثيراً نفحة من الغبار الرمادي. وجعلت الظلال القابعة داخل ذلك الكوخ القديم المكان يبدو وكأنه تجمد تماماً في الزمن.
إن الوهم بأنها قد تدخل من الباب في أي لحظة حاملة سلة من الخبز كاد أن يجعل ركبتيه تتخاذلان. كان طيفها يلازم النسيج البالي للمقعد ذي الذراعين، وحبل الغسيل المرتخي، ومزهرية البورسلان المتشققة التي اعتادت أن تملأها بأزهار الأقحوان البرية. حدق في الطاولة المخدوشة حيث كانا يتناولان طعامهما، وفي الملاءات المجعدة التي شاركاها معاً.
مرر أطراف أصابعه الخشنة فوق خشب الطاولة المليء بالندوب. وخدعت موجة حر مفاجئة ولاذعة عقله ليصدق أننا في شهر يوليو؛ فخيل إليه أنه يسمع طنين الجداجد الصاخب في عتمة الليل، ويشعر بنسمات الصيف الحارة واللزجة وهي تهب عبر النافذة المفتوحة.
صرت الأرضية الخشبية خلفه، ممررة في نفسه خيط أمل جامح وبائس. وتخيل أنه لو وقف ساكناً، لتمكن من سماع وقع أقدامها الحافية وهي تتسلل فوق السجادة. ورأى وجهها المشرق والمحمر وهي تقع في شباكه، تصرخ ببهجة عندما يسحبها فوق الفراش.
"منذ متى وأنت تعلم أنني قادمة؟"
"منذ البداية. هل ظننتِ أنني لن أميز وقع خطواتكِ؟"
"لا ترحل... حتى بعد أن ينقضي الصيف، إلى الأبد..."
عادت ذكرى توسلاتها الممتزجة بالدموع لتطعن قلبه بقوة أكبر.
والآن، أصبح هو الشحاذ الذي يصرخ في الهواء الخاوي. لقد تركته تلك المرأة ليتآكل في هذا الصقيع، واختفت في الظلمات تماماً كما تتلاشى حرارة الصيف الآفلة.
ضربت عاصفة ريح قوية زجاج النافذة، فتحطمت الأحلام وارتد ثيودور قسراً إلى واقع الشتاء المتجمد. مد يده داخل معطفه الصوفي وأخرج قطعة شطرنج خشبية ثقيلة. وبإبهامه، فرك التاج المنحوت عليها قبل أن يضعها فوق الطاولة إلى جانب بوصلة نحاسية.
تنهد بثقل ودفن وجهه في ظلال الغرفة. واستدار ليقفل باب الكوخ ويمضي مبتعداً بين الشجيرات. وتوقفت خطواته فجأة عند أسفل السلالم الحجرية الضخمة المؤدية إلى القصر الكبير.
ودفعه جوع عاطفي عارم للبحث عن أي أثر أو ذرة ذكرى تخصها.
كان يعلم بدقة أين تنام، رغم أنه لم يطأ قصرها قط؛ فقد أمضى ساعات طوال يحدق من الفناء نحو نافذة واحدة يشع منها ضوء وحيد في عتمة الليل.
الجناح الغربي، لوح الزجاج الثاني في الطابق الثالث.
كان سكان الريف الجنوبي يقدسون الفجر ويطفئون شموعهم بالكامل قبل العاشرة مساءً. ولم يكن هناك سوى شخص واحد عنيد وطيب القلب في غلوستر بأسرها يبقي شمعته موقدة حتى ساعة متأخرة من الليل.
دار المقبض النحاسي دون أن يصدر عنه أي صرير. قبض على المعدن البارد لبضع دقائق قبل أن يقتحم عتمة الغرفة.
وضربته السكينة الخانقة للمكان كصدمة عنيفة. فبدت أوراق الجدران المقشرة والأرضية الخشبية العارية وكأنها تسخر من النسب النبيل لابنة الكونت. لم يكن المكان يشبه أبداً ذلك الوكر المليء بالآثام والخطايا كما كانت تدعي صحف لندن.
توزع عدد بائس ومثير للشفقة من الأثاث البالي في أرجاء غرفة المعيشة؛ فاستقر سرير أطفال رث خلف ستارة فاصلة إلى جانب حوض استحمام من القصدير، ودُفعت طاولة مخدوشة بقوة نحو زجاج النافذة. بينما واجه كرسي خشبي ذو ظهر صلب أريكة صغيرة طُويت فوقها بطانية صوفية بعناية وإحكام.
بدت الغرفة خالية تماماً من أي أثر لوجودها. وكانت رائحة الصابون الخفيفة التي تفوح بين تضاعيف الغبار تبدو كخدعة قاسية من مخيلته.
ثم وقعت عيناه على بقع حبر داكنة تسربت وجفت فوق طاولة من خشب البلوط.
مرر ثيودور إصبعه ذي الجلد المتصلب فوق تلك البقعة الجافة، وأطلق ضحكة مكسورة وخاوية. خرج ذلك الصوت المريع من حنجرته لأن دموعه أبت أن تنهمر.
لا يزال يذكر بوضوح كيف كانت أفكارها تتسارع لتسبق حركة يدها؛ فكلما خطرت لها فكرة برّاقة، شرعت تكتبها فوراً فوق الرق دون أدنى اهتمام بالفوضى التي ستحدثها. وكانت تغمر أنفها بين الصفحات حتى تحمر وتتلطخ مفاصل أصابعها الشاحبة بالحبر.
وفي السابق، كان يمسك بتلك الأصابع الملطخة ويضعها في فمه، مستمتعاً بطعم النحاس الحاد للحبر الذي يتناقض مع نعومة بشرتها. وكان الاحتكاك اللطيف لأسنانه بإبهامها كفيلاً دائماً بجعل وجنتيها تحمران خجلاً.
وبعد ذلك، تلك المرأة نفسها..
"تبدو... وكأنك تموت."
وعندما تحطم كبرياؤه الأعمى ورأى معاناتها وعذابها بوضوح، انهارت قواه العقلية تماماً. فبات مجرد استنشاق الهواء أشبه بالتعذيب، ونهش الذنب عظامها حتى أحالها إلى رماد.
ولكن، على الرغم من العفن والفساد القابع في أعماق روحه.
"لا يمكنني السماح لهم بهدمها، فانيسا."
وعلى عكس رغبتكِ، لا يمكنني ترككِ ترحلين.
"أين سنكون بعد خمس سنوات من الآن؟"
سأكون هنا. سأقف عند مقبرة صيفنا هذا، سجيناً في هذا المطهر الذي صنعته بيدي، ممسكاً بطيف ذكرياتكِ.
لأنني إن غادرت هذه الغرفة الخاوية، سيدفعني الجنون لمطاردتكِ حتى أطراف الأرض؛ سأسحبكِ مجدداً وأحطم حريتكِ بيداي هاتين.
"لا تفعل ذلك."
أعلم يا فانيسا، ولهذا السبب أقف ساكناً دون حراك. أموت بسبب أمل بائس وعقيم في أنكِ قد تعودين وتدخلين من ذلك الباب مجدداً.
"ثيو."
سرت قشعريرة في جسده إثر شعوره بلمسة يد غير مرئية تضغط على كتفه. أغمض عينيه واستند إلى ذلك الطيف الوهمي. وفجأة، فتح عينيه على وسعهما بسبب تغير مباغت في الضوء الذي يلوح فوق الأرضية الخشبية.
وكانت رائحة عطرها الخفيفة قد فرضت سيطرتها الكاملة على عقله وتفكيره.
تنهد ثيودور لاهثاً، وأخذ صدره يعلو ويهبط كمن خرج لتوه إلى سطح بحيرة متجمدة. مرر يده المرتجفة عبر شعره وتفحص الساعة الذهبية المستقرة في معصمه؛ فأن قطار الليل المتجه إلى العاصمة لن ينتظر، وبعد ذلك..
وتوقف عقله المخدر فجأة عن التفكير.
اخترق نظره شعاع أزرق حاد ونفذ من فتحة درج الطاولة المفتوح جزئياً. تسمر في مكانه لبرهة قبل أن يلف يده حول المقبض النحاسي ويسحبه ليفتحه بالكامل.
حدق ثيودور في حجر الياقوت الأزرق الضخم والمعروف باسم "دموع حورية البحر" دون أدنى مفاجأة؛ فقد كان يعلم في أعماق قلبه أن تلك المرأة لن تأخذ ذلك الحجر الملعون أبداً. ولا بد أنها تركت خلفها كل قطعة ذهب اشتراها لها يوماً.
إن إلقاء كنز قيمته تعادل فدية ملك في درج خشبي رخيص لم يكن سوى دليل قاطع على فخرها واعتزازها الهائل بنفسها. فلم تكن بحارة "ريفر روس" تملك خزنة آمنة، بل ألقت بتلك الجوهرة الثمينة في عتمة الظلام، معاملة ذلك الكنز الذي لا يقدر بثمن وكأنه زجاج لا قيمة له.
أزاح سلسلة الألماس البراقة بيده التي غدت متبلدة وثقيلة. وأخذ ينبش ويفتش في بقايا الأشياء المدفونة تحت تلك العلبة المخملية.
محبرة جافة، قلم صلب جديد، طارة خشبية تحيط بنقش تطريز لم يكتمل بعد، علبة إبر، وإطار خشبي صغير..
وضربته تلك اللوحة المرسومة بالفحم الخشن كقذيفة اخترقت صدره.
حورية البحر .
إنه يتذكر بدقة وتفصيل تلك الليلة التي سلمها فيها تلك اللوحة. نزع الجزء الخلفي من الإطار وسحب الورقة بعناية فائقة؛ فلم يعد يملك أي شيء آخر يذكره برسم عينيها.
وعلق طرف غلاف سميك بإبهامه بينما كان يهم بإغلاق الدرج بقوة وعنف. فسحبه ليتأمله، وحدق في عنوان فندق ليندن المكتوب فوق الورقة، وتسمرت عيناه على ذلك الاسم.
ريفر روس
لا بد أنها خطت تلك الكلمات قبيل فرارها وهربها مباشرة. وكانت قد علمت بنسبها وأصلها الحقيقي والمرعب في ذلك الوقت الذي تخاصما فيه في العاصمة.
وفض الختم الشمعي الأحمر ليصدر عنه صوت طقطقة حاد.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا