الفصل (15) Please Just Use Me
في وقت متأخر من الليل، انتفضت إميلي جاليةً في فراشها وهي مذعورة من الجلبة التي اندلعت خارج نافذتها.
«هانا، هل سمعتِ ذلك؟»
تلا ذلك صوت نباحٍ حاد لكيلاب الصيد، يرافقه صراخ رجالٍ متصاعد. ودفعتها الحيرة لرؤية ما يجري، فنهضت من فراشها وفتحت ستائر النافذة، لكن الصقيع كان قد غطى الزجاج بالكامل فلم تمكن من رؤية أي شيء.
«أليس السيد الشاب يثير المشاكل مجدداً؟»
عند سماع هذا الصوت النعس القادم من السرير المجاور، توقفت يد إميلي التي كانت تمسح الزجاج البارد. ومن أصوات الشجار والتكسير القادمة من بعيد، لم يبدُ الأمر وكأنه حادث عادي.
لقد سمعت شائعات من قبل تدعي أن السيد الشاب حطّم أشياء في غرفته في إحدى المرات. لم تكن تعرف كل ما يدور في هذا القصر الكبير، ولأنها لم تشهد ذلك بنفسها، كان من الصعب عليها تصديقه؛ فهذا الشخص ابتسم لها بعطفٍ ولطف شديدين...
كلا، انتظري. إن ظنها بأنه لا يبدو من النوع الذي يفعل ذلك لم يكن سوى وهمٍ ناتج عن تظاهرها بمعرفته جيداً. يبدو أنها انتشت تماماً ببريق الفخر لأن ذلك الشخص المرموق تحدث إليها بلطف بضع مرات.
سخرت إميلي من نفسها وقررت العودة إلى السرير. فما لم يكن الأمر حريقاً أو حرباً، فإن المهجع هو المكان الأكثر أماناً، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالسيد الشاب، فمن الأفضل التظاهر بالجهل حتى لو كانت تعلم شيئاً.
غير أن حادثة الليلة السابقة أثرت عليها أكثر مما توقعت.
«ها أنتِ هنا، لقد كنت أبحث عنكِ.»
كان القصر في حالة من الاضطراب منذ الصباح، والآن جاءت السيدة فاولر مسرعة عبر الممر، وسلسلة المفاتيح المعلقة على خصرها تصدر حفيفاً وتجلجلاً. توقفت إميلي، التي كانت تمسح الباب الأمامي بقطعة قماش، ووقفت لتلتقي التعليمات.
«لقد قيل لنا إن الضيوف سيصلون قريباً. لذا، هل تمانعين في البقاء خلال نهاية هذا الأسبوع بدلاً من الذهاب إلى منزلكِ؟»
ودون أن تملك الصبر الكافي لانتظار إجابتها، أضافت السيدة فاولر بسرعة:
«بما أنها حالة خاصة، سأعطيكِ أجراً إضافياً، أجر أسبوع كامل الآن. ما رأيكِ؟»
«نعم، سأفعل ذلك.»
وبمجرد أن سمعت الرد السريع، أومأت لها السيدة فاولر باللحاق بها وأسرعت إلى داخل المنزل. وضعت إميلي قطعة القماش بجانب دلو الماء وتابعتها بخطوات سريعة.
«سيدة فاولر، لحظة من فضلك.»
«أوه، سيد مالو.»
في تلك اللحظة، نزل رجل أنيق الملابس من السلالم. لم تكن إميلي تعرف من يكون، لكنها تراجعت خطوتين إلى الخلف وحنت رأسها لتتيح للشخصين المرموقين التحدث.
«هل وصلت أي برقيات أو رسائل لي؟»
«ليس بعد.»
«أرسلي صبي المهام إلى مكتب بريد (تولوم) للتحقق.»
ودون أن ينتظر سماع رد السيدة فاولر، غادر الرجل المسمى مالو مسرعاً إلى مكان ما.
«نعم، أفهم... حسناً، يبدو مستعجلاً للغاية.»
استدارت السيدة فاولر واستأنفت السير، وتابعتها إميلي بجد وهي تتحدث إلى ظهر المرأة:
«أم، بما أن صبي المهام سيذهب في هذه المهمة، هل يمكنني أيضاً أن أطلب منه إبلاغ عائلتي بأنني لن أتمكن من القدوم إلى المنزل نهاية هذا الأسبوع؟ أحتاج إلى إعلامهم.»
«آه، نعم، بالطبع يجب عليكِ ذلك.»
بدا الرد الفاتر غير موثوقٍ تماماً؛ ليس لأن السيدة فاولر تكذب، بل خشت إميلي أن تنسى بسبب انشغالها وتراجع أولويات الأمر.
«شركة (كورنيس) التجارية تقع بجوار مكتب البريد مباشرة. سأطلب من صبي المهام بنفسي أن يمرر الرسالة.»
«جيد. خذي نقودكِ أولاً، وابحثي بسرعة عن الفتى لتعطيه كل المهام معاً.»
عند إشارة إميلي الذكية، بدت السيدة فاولر مسرورة وكأنها تخلصت من عبء مهمة إضافية.
«هذا الرجل الذي كان هنا للتو هو رئيس الخدم لدينا، وعليكِ فقط أن تخبريهم بالتحقق من الرسائل أو البرقيات الموجهة إلى إدغار مالو.»
رئيس الخدم—الشخص الذي كان الجميع في القصر بانتظاره.
هذا يعني أنها لن تلتقي بالسيد الشاب مجدداً. وعلى الأغلب، بعد ضجة البارحة، لن تتبادل معه أي كلمات، ناهيك عن رؤيته من بعيد.
اضطرب قلبها بشكل غريب. إن كان تسارع نبضات قلبها يعود إلى القلق، فينبغي لها أن ترتاح الآن.
استعادت إميلي، التي تباطأت خطواتها دون وعي، تركيزها وأسرعت خطواتها. ما كان اسم رئيس الخدم مجدداً؟
«تتذكرين الاسم، أليس كذلك؟ إدغار مالو.»
«نعم، شكراً لكِ.»
لحسن الحظ، كررته السيدة فاولر وهي تسلمها النقود. وجدت إميلي صبي المهام على الفور ونقلت إليه التعليمات، ثم عادت إلى الباب الأمامي.
مسحت الزجاج بقوة لتفرغ عقلها من الأفكار، بل إنها تعمدت التفكير في كيفية إنفاق المكافأة المالية الإضافية التي حصلت عليها للتو.
«جيفيرسون!»
قبل أن تقرر تماماً كيفية استخدام هذه المكافأة غير المتوقعة، جاء صوت رجل ينادي على الوكيل من داخل القصر. وكان صاحب الصوت هو رئيس الخدم الذي التقت به سابقاً.
«أين ذهب جيفيرسون؟»
ولأنه لم يكن هناك عمال آخرون بالقرب، وقفت إميلي وأجابت بأدب:
«أنا آسفة، لكني لا أعرف بالضبط. رأيت السيد جيفيرسون يتجه نحو الحديقة الخلفية بعد الإفطار فقط—»
«أنتِ... وجه لم أره من قبل.»
قبل أن تنهي إجابتها، مشى رئيس الخدم، السيد مالو، نحوها ببطء.
لكن هذا الرجل ترك انطباعاً أسوأ من الوكيل؛ فإلى جانب مشيته الفظة، جعلها وجهه الصارم ترتد غريزياً إلى الخلف.
ورغم حيرتها الداخلية، حنت إميلي رأسها وعرّفت بنفسها:
«أنا إميلي تيرنر. بدأت العمل في فبراير—»
«آه، ابنة تلك الأرملة القروية؟»
انكمشت عند سماع هذا اللقب الذي لم تسمعه حتى في (تولوم)، ولكن بما أنه من الصحيح أن والدها متوفى، فلم يكن الأمر إهانة صريحة. كما أن الوقت الذي كان فيه مجرد التفكير في فقدان والدها يجلب الدموع قد مضى.
«هذا صحيح.»
«تعيشين في قرية التعدين؟»
في الواقع، كانت القرية قريبة من (تولوم) نفسها، ومنفصلة بوضوح عن المنطقة الملقبة بقرية التعدين.
«شيء من هذا القبيل.»
وبما أنه لا داعي لتصحيح كلامه، أجابت إميلي بطاعة. وعندها تضيقت عينا رئيس الخدم.
«ماذا قلتِ إن اسمكِ؟»
حدث هذا بعد أن خفتت ضجة الليلة.
«ألم تبلغ بوضوح أن الأمور كانت هادئة حتى بعد مغادرتي إلى العاصمة؟ لقد أرسلت تلك البرقية بالتأكيد!»
رغم أن الوقت كان بعد منتصف الليل، كان رئيس الخدم مالو مشغولاً باستجواب الوكيل بشأن الأحداث الأخيرة.
«لم تكن هناك أي حوادث بالفعل. كان السيد الشاب يأخذ جولات صباحية فقط، ويبقى في غرفته في الظهيرة... كل ما فعله هو التجول في القصر والبحث عن الأخطاء في هذا وذاك.»
عند توبيخ رئيس الخدم، تصبب الوكيل عرقاً بارداً وهو يواصل تقريره. ورغم أنهما كانا يتبادلان الحديث، إلا أن انتباههما كان منصباً بالكامل على الشخص الجالس في أحد أركان الغرفة.
«......»
كان سيدهم، الفيسكونت بايتون، يجلس غارقاً في الأريكة بجسده الضئيل. ورغم أنه كان يشعل سيجارة بجمال يدين صغيرتين بالنسبة لرجل، كان من الصعب تخمين الأفكار التي يخفيها خلف ذلك الوجه ذي الملامح الهادئة.
«مرة واحدة فقط عندما غفا حارس الصيد، أبدى استياءه عندما لم نحضر له حصاناً، لكنه لم يغضب حقاً—»
«أحضرتم له حصاناً؟ لقد أخبرتك بأن تمنعه حتى لو اقترب من الإسطبلات! قلت لك أن تطلق النار على كل الأحصنة وتقتلها إذا لزم الأمر!»
عندما رفع رئيس الخدم صوته، ذعر الوكيل وتلعثم بالتماس الأعذار:
«لكننا لم نتمكن من قتل مثل هذه الأحصنة الثمينة... قال السيد الشاب إن ساقيه تشعران بالضعف، لذا صعد ونزل التل مرتين فقط مع حارس الصيد.»
«يكفي، انتهى الأمر على أي حال. فقط احرص على عدم نفاد الدواء في المستقبل.»
من أحد أركان الغرفة المظلمة، زفر الفيسكونت بايتون دخان السيجارة وتابع:
«أود أن أعرف كيف وصل الأمر بالسيد الشاب إلى محاولة إيذاء نفسه الآن.»
لماذا قام بهذه الحركة الآن تحديداً، قبل زيارة والده الكونت مباشرة؟
«لا نعلم. كان يشرب مع العمال حتى ذلك الحين...»
«إذاً لماذا لم يكن هناك أحد يراقبه!»
ازداد غضب رئيس الخدم. فبينما كان بعيداً، كان ذلك السيد الشاب بمفرده في الإسطبلات يمسك بأعنة الخيل، وعندما تجمع الناس، ضرب رأسه بعمود. وكانت المشكلة أن كل هذا حدث أمام عيني الفيسكونت بايتون الذي أوكل إليه هذه المهمة.
«انتظر، هل عدد العمال في المهجع صحيح؟ أليس هناك آخرون مختبئون؟»
«لم يكن لدينا الوقت للتحقق إلى هذا الحد...»
«تباً، اذهب واكتشف ذلك الآن! وضع حراسة مشددة على غرفته!»
نَظَرَ رئيس الخدم بنظرات حادة إلى الوكيل المبتعد وهو يتراجع، ثم حنى رأسه نحو الفيسكونت.
«أنا آسف، ولكن...»
قاس رئيس الخدم مزاج سيده وهو يشير إلى المشكلة:
«عمال القصر لا يعرفون ما يكفي ليداروا بشكل صحيح. ألن يكون من الأفضل جلب أشخاص متخصصين في الحراسة؟»
«الأخبار تنتشر.»
نفض الفيسكونت بايتون الرماد في طبق الفنجان بوجهه اللطيف ثم أضاف:
«لا يبدو أنها أوامر مباشرة من ذلك الكونت العجوز... ولكن على أي حال، ما يحدث هنا يصل بالتأكيد إلى مساعد الكونت.»
بالنسبة لرئيس الخدم، بدت تلك الكلمات وكأنها انتقاد لأنه لم يمسك بالمخبر بعد.
«سأقتلعهم من جذورهم مجدداً.»
«لا. تماماً كما قال ذلك المساعد، العمال الجدد الذين يصلون قد يكونون جواسيس مرسلين من طرفهم.»
استنشق الفيسكونت سيجارته قبل أن يواصل:
«علاوة على ذلك، هذه المرة سيأتي ذلك العجوز بشخصه. لا يمكننا أن نجعل البلطجية يتجولون علناً في المنزل.»
«......»
«لا يصح أن يمتلئ المنزل الريفي الخاص بالكونتيسة الشابة اللطيفة بالأوباش. لا تنسَ أنك وُظفت تحت ذريعة كونك قريباً من بعيد.»
كان ذلك يعني أنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار في استخدام أشخاص غافلين لمراقبة ذلك الشاب، متخذين من مرضه العقلي ذريعة كما كان من قبل.
فرك رئيس الخدم المضطرب جبهته العريضة قبل أن يسأل بحذر:
«إذاً ألن يكون من الأفضل الترتيب لحادث موت عرضي الآن بسرعة؟ قبل أن يصل الكونت العجوز.»


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا