الفصل (15) Love: zero


 

شغّل الرجل المسن الجالس على المنصة الميكروفون. صدر طنين حاد واهتز من الجهاز القديم، يرن في طبلات الآذان قبل أن يهز بلورات الثريا ويتشتت نحو السقف.

— "واحد، اثنان، ثلاثة. تجربة الميكروفون."

وبعد فترة وجيزة، عرّف الرجل المسن عن نفسه باسم "والتر بيمبروك". وبظهره المستقيم تماماً، شكلت بدلة التوكسيدو شديدة السواد لوالتر تبايناً صارخاً مع شعره الذي كان أبيض كالثلج .

على مدى الأربعين عاماً الماضية، كان هو المستضيف الذي يقود دروس الكوتيليون لأطفال الطبقة الراقية في قلب نيويورك. ولم تختلف اللياقة والآداب ورقص الصالونات التي يدرسها إلا القليل جداً عما كان يتعلمه أطفال النبلاء في القرن التاسع عشر قبيل ظهورهم الاجتماعي الأول.

وكما لو كانوا يستعدون لإبراز أطفالهم في مجتمع القرن التاسع عشر الأوروبي، فإن الطبقة الراقية في نيويورك للقرن الحادي والعشرين قامت بتثقيفهم بشكل مكثف في الآداب والتقاليد القديمة التي دفنت مع تحول الألفية.

— "لقد قمت بتدريس رقص الصالونات والآداب لأولياء أمور السادة والسيدات الصغار المجتمعين هنا اليوم أيضاً."

مسح القاعة بنظره، مائلاً بذقنه مع ابتسامة فخر:

— "ريبيكا غرين، والدة الآنسة ريد الجالسة هناك؛ ولورين كولينز، والدة الآنسة كابوت. والآن لنرَ... أندريه دي لافاييت، والد السيد لافاييت، وجيريد هاملتون، والد السيد هاملتون. في كل مرة أرى فيها الوجوه المألوفة لطلابي السابقين جالسين هناك في الشرفة بدلاً من الأسفل حيث أنتم، أتيقن أنني متأثر بشكل عميق."

رفع والتر ذراعه وأشار إلى هنتر:

— "قبل أن نبدأ الدرس، أود أن أقول شيئاً واحداً. عندما تدخل سيدة إلى الغرفة أو تصل إلى الطاولة، فمن حسن الأخلاق أن يقف الرجل، تماماً كما فعل السيد هاملتون، وينتظر حتى تجلس السيدة."

هذه المرة، أشار إلى المنسقة المساعدة الجالسة على الكرسي:

— "أيتها السيدات، اجلسن باستقامة مع محاذاة ظهوركن. مثل الآنسة ميغان فيرتشيلد هنا، اجمعن ركبتيكن وكاحليكن معاً، وقاطعن كاحليكن. تحت كل الظروف، يجب أن تجلسن مع الضغط على الركبتين معاً بضغط. ضعن دائماً في الاعتبار أن تدعن الوضعية الصحيحة تصبح طبيعة ثانية."

قلدت جي-يو وضعية ميغان الأنيقة، جالبة ركبتيها معاً ومقاطعة كاحليها.

— "الآن، حان الوقت لتقديم أنفسكم وتحية الشخص الجالس بجانبكم. في الماضي، كانت قواعد الإتيكيت تقضي بأن تقدم السيدة نفسها أولاً، يليها الرجل. ومع ذلك، في المجتمع الحديث، لم يعد الترتيب مهماً. ورغم ذلك، في درس الكوتيليون الخاص بنا، نتبع الإتيكيت التقليدي. عند تحية بعضكم البعض، أجروا تلامساً بصرياً موجزاً وتصافحوا بأيديكم. عند المصافحة، امسكوا بقبضة ليست بالقويه جداً ولا بالضعيفة جداً. الآن، انظروا إلى هنا وجربوا ذلك مع الشخص الجالس بجانبكم."

بعد تبادل التعارف مع ميغان، أعطى والتر الأطفال وقتاً لتحية جيرانهم.

أغلقت جي-يو عينيها بقوة قبل أن تفتحهما. كان سيكون من الأفضل لو كانت تجلس بجانب طفل لا تعرفه.

وفي اللحظة التي كانت تلتفت فيها بتردد نحو هنتر، نكزها ريكس على كتفها:

— "افعلي ذلك معي أولاً."

لو أنها حيت ريكس أولاً، فإن هنتر الجالس في أقصى الطرف سيبقى وحيداً تماماً بدون شريك. هل سيكون ذلك لا بأس؟ وبينما كانت جي-يو تتردد وتحاول النظر إلى الخلف، واصل ريكس الضغط دون إعطائها مهلة للتوقف:

— "لا تنظري في أي مكان آخر! قدمي نفسك بسرعة."

— "أوه... اسمي أوليفيا باركر. سررت بلقائك."

تمتمت جي-يو، وهي تعض على شفتها. كان تبادل التعارف مع شخص تعرفه جيداً بالفعل، كما لو كانا يلتقيان للمرة الأولى، أمراً محرجاً للغاية.

ومع ذلك، ولسبب ما، بدا ريكس متحفظاً ومتحمساً للغاية:

— "أهلاً، اسمي ألكسندر بلا-بلا-بلا دي لافاييت. سررت بلقائك."

ابتسم بعبث وأمسك بيدها:

— "عليك النظر في عينيّ عندما تتصافحين، ليف. ألم تسمعي السيد بيمبروك؟"

عندما رفعت جي-يو نظرتها بسرعة، سأل ريكس بنظرة لعوبة:

— "هل تريدين أن أريك ألوان عيني وهي تتغير؟"

عندما كانا صغيرين، كان قد خدعها بقوله إنه سيكشف سر عينيه المتباينتين، مدعياً أنه إذا جعل عينيه تحولّان، فإن ألوان عينيه ستتبادل. كان ريكس هو الشخص الوحيد بعينين متباينتين الذي تعرفه. لذا، ورغم أنها كانت متشككة قليلاً، فقد صدقته. وعندما اعترفت بالقصة لـ هنتر بعد بضعة أيام، كان قد أمسك ببطنه وضحك قائلاً إن أوليفيا باركر قد أصبحت غبية أخيراً من كثرة قراءة الكتب.

فجأة، جعل ريكس عينيه تحولّان وصنع وجهاً سخيفاً. ولأنها أُخذت على حين غرة، انفجرت جي-يو بالضحك. في تلك اللحظة بالذات، اندفعت يد هنتر بفتور إلى الأمام، خاطفة يدها من قبضة ريكس:

— "دوري."

رفع ريكس حاجباً، ولمعت عيناه بمغزى كما لو كان يقول: أرأيتِ؟ نظرت جي-يو إلى هنتر بتعبير مندهش.

بصق الكلمات من بين أسنانه المغلقة:

— "التعارف."

ابتلعت ريقها بصعوبة ونظفت حلقها:

— "أوه، أهلاً. اسمي أوليفيا جي-يو باركر. سـ... سررت بـ... بلقائك."

وبعد أن أنهت تقديمها الخجل والمتلعثم، درست رد فعله بحذر.

تأرجحت عيناه الأزرقان الداكنتان بشكل غريب. بدا غاضباً، ولكنه كان مرتبكاً أيضاً. ثم، في اللحظة التي التقت فيها أعينهما، نظر إلى الأسفل بسرعة خافياً نظراته.

عندما رفع هنتر عينيه مرة أخرى، كانت أقرب إلى النظرة الحادة الغاضبة. ومائلاً بذقنه بعناد، مد يده نحو جي-يو بوضعية متكبرة. وعندما اكتفت بالتحديق فيها، أخرج صوتاً بلسانه وخطف يدها:

— "هنتر هان هاملتون."

كانت تلك نهاية التقديم.

ومحاولةً الهروب من نظراته الثاقبة، حركت جي-يو عينيها وحركت أصابعها. كان هنتر يمسك بيدها بنفس القوة الساحقة التي يستخدمها للإمساك بمضرب التنس. وكانت يدها تؤلمها من نقص الدورة الدموية.

— "...هذا يؤلم يا هنتر."

بدا مدهوشاً لثانيه ، ثم ألقى بيدها بعيداً على الفور.

أطلقت جي-يو تنهيدة صامتة. أين في العالم يعني هذا التصرف أنه يحبني؟ أدارت رأسها بلطف نحو ريكس وحركت شفتيها بالكلمات:

أنت مخطئ.

اكتفى ريكس بالابتسام من الأذن إلى الأذن بوجه يشبه ملاكاً يملك عيني شيطان، دون أن يقول شيئاً.

✦ ❖ ✦

كان هنتر في مزاج سيئ للغاية. لقد أزعجه كيف كان ريكس وجي-يو ملتصفين ببعضهما البعض مباشرة، ويهامسان بعضهما منذ فترة. لم يكونا طفلين صغيرين، فما الذي كان ممتعاً للغاية بشأن مقلب طفولي يجعلهما يضعان رأسيهما معاً ويقهقهان؟

كان هناك انزعاج بغيض ومريض يغلي بالقرب من عظمة صدره. ولتبسيط الأمر، كان كلاهما يثيران أعصابه.

كانت جي-يو على هذا النحو منذ أن كانا أطفالاً. كلما جاء ريكس، كانت تخرج من المكتبة حيث تبقى عادة مختبئة مثل الفأر، متسكعة أمام مضمار النينجا الذي لم تكن تهتم به على الإطلاق عادة. بل وكانت تبتسم كالحمقاء، وفمها مفتوح على وسعه عند نكات ريكس المأساوية.

كانت تلك هي المرة الأولى التي لاحظ فيها هنتر ذلك.

كلما ابتسمت جي-يو، تتشكل غمازة غريبة بالقرب من زاوية فمها.

وحقيقة أنها أخفت شيئاً كهذا على وجهها وأرته لـ ريكس أولاً جعلته يشعر باستياء شديد.

وريكس أيضاً حاول التنافس معه على كل شيء صغير منذ الطفولة:

— "هنتر، أنت كوري بربعك، أليس كذلك؟ أنا كوري بثلاثة أثماك. لذا مهما حاولت، لن تهزمني أبداً في اللغة الكورية."

كان ريكس، الذي حصل على سبعة من أصل عشرة في اختبار الإملاء الكوري، قد تفاخر بشكل لا يطاق أمام هنتر الذي حصل على خمسة. حتى جي-يو باركر، التي حصلت على عشرة من أصل عشرة كاملة، كانت تلتزم الصمت.

— "ليف، كم نسبة كوريتك؟"

كان ريكس قد سأل جي-يو. كما أزعجه أن ريكس كان الوحيد الذي ينادي جي-يو بلقب "ليف". منذ متى كانا بهذ القرب؟

— "نعم؟ ماذا؟"

— "كم أنت كورية؟"

— "آه... أنا نصف كورية."

وبعد إجراء الحسابات بنشاط في رأسه، انخفض وجه ريكس. أطلق هنتر ضحكة ساخرة ، لكن جي-يو تدخلت بلا داعٍ:

— "ولكن يا ريكس، أنت أفضل بكثير في التحدث بالكورية مني."

— "رغم أنكي أفضل في القراءة والكتابة."

— "هذا فقط لأنني أحب قراءة الكتب..."

كانت جي-يو، التي تحمر خجلاً وتتبسم بحياء، تبدو ممتعضة ومكروهة للغاية بالنسبة له.

لماذا تبتسم؟ ما المضحك في ما قاله؟

في تلك الليلة، كان هنتر غاضباً جداً لدرجة أنه لم يستطع النوم. يتقلب حتى الفجر، عندما قبل على مضض الحقيقة المتمثلة في أن لغته الكورية كانت متأخرة قليلاً جداً عن لغتهما.

كان والد ريكس، أندريه دي لافاييت، عبقرياً لغوياً يتحدث سبع لغات. وربما ورث ريكس جزءاً من تلك الجينات لأنه كان ماهراً تماماً في اكتساب اللغات أيضاً. وعلاوة على ذلك، كان يقضي بضعة أشهر في منزل جدته لأمه في كوريا خلال العطلات الصيفية. وسَمَح له هذا الانغماس بالتحدث باللغة الكورية بطلاقة مثل اللغة الأم، رغم أن قراءته وكتابته كانتا ناقصتين.

أما بالنسبة لـ جي-يو، فقد تمكنت من قراءتها وكتابتها والتحدث بها بشكل معقول لأن تلك السيدة الصاخبة، التي لم تكن تستطيع التحدث بالإنجليزية جيدا، كانت تتحدث معها باللغة الكورية فقط.

ومنذ ذلك الحين، درس هنتر اللغة الكورية ليلاً ونهاراً لللحاق بهما. وبصرف النظر عن التنس، لم يكن قد عمل بجد قط من أجل أي شيء. ومع تحسن مهاراته في اللغة الكورية يوماً بعد يوم، كانت لورين مسرورة للغاية.

إرسال تعليق

0 تعليقات