الفصل (12) Love: zero

 


عندما لم تجب «جيو»، استخف «هانتر» بها مبتسماً بسخرية:

"تمرني قليلا يا «جو باركر». لا تستمري في التعثر والسقوط في كل مكان لمجرد أنكِ ضعيفة هكذا."

تلاشت في الهواء أي رغبة أو تردد كانت تشعر به لشكره على مساعدتها في النهوض.

"اتركني."

واستعادةً لرباطة جأشها أخيراً، نفضت يده عنها.

"تشك. انظري إلى حالكِ بعد أن ساعدتكِ."

نقَر «هانتر» بلسانه وأدار عينيه، ثم استدار وبدأ في الجري. وكأنه يحاول اللحاق بالأطفال الذين يتقدمونه، دفع الأرض بقوة واستحث خطاه ليزيد من سرعته. وقبل مضي وقت طويل، اختفى ظهره خلف أشجار الشارع الوارفة.

استدارت «جيو»، وهي تعرج على كاحلها الملتوي. كان عليها العودة إلى المعسكر الأساسي حيث توجد حقيبة الإسعافات الأولية لتطهير جرحها المغطى بالتراب ووضع ضمادة. ومع ذلك، وبعد أخذ بضع خطوات، التقت عيناها بعيني «سيينا»، التي كانت تقف بلا حراك على بعد بضع خطوات، تراقبها بتركيز.

تقطّعت حاجباها وانكمشت عيناها، ومسحت «سيينا» «جيو» من رأسها إلى أخمص قدميها قبل أن تهز رأسها برفق. ثم أطلقت ضحكة مكتومة.

وكأن أمراً ما كان مستحيلاً تماماً.

"هل أنتِ بخير يا «أوليفيا»؟"

سألتها «سيينا» وهي تبدأ الجري مجدداً، مارّةً بجانبها مباشرة.

"نعم، أنا بخير. شكراً يا «سيينا»."

أجابت «جيو» بسرعة، لكن «سيينا» ابتعدت دون حتى أن تتطلع إلى الخلف. أطلقت «جيو» تنهيدة وعضت شفتها.

كان يجدر بي الاكتفاء بلعب كرة الطائرة.

خلال حصة التربية الرياضية التالية، بدت فتيات الصف السادس في مدرسة "آستر" وكأنهن عانين جميعاً وبشكل جماعي من حرارة الخريف. وظل الأطفال المحبوبون، بمن فيهم «سيينا»، يتساقطون باستمرار كالسيدات الرقيقات على طريق الركض في "سنترال بارك".

و«هانتر هاميلتون»، الذي كان يجري في مقدمة مجموعة مدرسة "ألتون"، كان يمر بجانبهن براحة وتمهل.

✦ ❖ ✦

وقوفاً أمام المرآة، ارتدت «جيو» فستاناً من الساتان العاجي يصل طوله إلى الركبة. وشعّ حذاء "ماري جين" ، المتناسق مع الحزام الذهبي الملفوف حول خصرها، ببريق ساطع.

"ارتدي القفازين أيضاً."

ناولتها «أيون-جونغ» زوجاً من القفازات الساتانية البيضاء. ثم، وهي تنظر في المرآة بتعبير يعلوه الفخر، عدلت شعر «جيو». واستعراضاً لمهاراتها لأول مرة منذ فترة، ضفرت الشعر على كلا الجانبين براحة كإكليل من الزهور، وثبتتهما في الجزء الخلفي من رأسها بشريط رفيع بينما تركت باقي الشعر ينسدل طبيعياً.

في الآونة الأخيرة، لم يكن بوسع الأطفال المحبوبين في مدرسة "آستر" التحدث عن أي شيء آخر كلما أتيحت لهم فرصة أو وقت فراغ، يفقدون إدراك الوقت وهم يناقشون الفساتين والأحذية التي سيرتدونها في حصة الرقص الاجتماعي.

كانت حصة الرقص الاجتماعي عبارة عن برنامج يرتدي فيه الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أحد عشر وثلاثة عشر عاماً البدلات والفساتين الرسمية لتعلم الرقصات الاجتماعية مثل الفالس أو الفوكستروت ، إلى جانب تعليم قواعد السلوك والإتيكيت.

ونجحت آخر بقايا عصر حفلات البلوغ والظهور الأول للمجتمع  في الحفاظ على إرثها من خلال تناقل الأخبار شفهياً بين شريحة ضئيلة للغاية من الطبقة الراقية.

وبالطبع، لم تكن حصة يمكن لأي شخص دخولها لمجرد أنه يرغب في ذلك. ومع عدم توفر أي معلومات للعامة مطلقاً، لم يكن بوسع المرء حتى الحصول على استمارة تقديم دون العلاقات المناسبة، وتتطلب التسجيل في الحصة توصية من عضو حالي. وكانت التوصية هي الحماية الأكثر فعالية التي تستخدمها الطبقة الراقية لإبقاء عالمها صغيراً ومحصوراً على النخبة.

"إنه لأمر يدعو للارتياح حقاً أن أم «هانتر» كتبت توصيتكِ. وإلا لما تمكنتِ من الدخول. وكما هو متوقع، فإن العيش بجوار عائلة ثرية يعني أنكِ تحصلين على قطعة كبيرة من الكعكة."

ضحكت «أيون-جونغ» وهي تُعطي إطلالة «جيو» نظرة أخيرة ودفع كتفها برفق.

"هيا بنا الآن."

أطلقت «جيو» تنهيدة عميقة بدت وكأنها تسحب قوتها.

لم تكن تريد الذهاب إلى حصة الرقص الاجتماعي. لم يعجبها الفستان، الذي كان يبدو كشيء ترتديه طفلة الزهور البالغة من العمر ست سنوات في حفل زفاف، ولا كانت تريد رقص الفالس أو أي شيء من هذا القبيل مع أولاد يركضون ويصرخون كالحيوانات البرية المحبوسة في حديقة حيوان.

ومع ذلك، كان كسر عناد «أيون-جونغ» أمراً مستحيلاً.

وبنظرة مستسلمة، وهي تجر قدميها خلف أمها أثناء الخروج، سألت فجأة: "هل «هانتر» ذاهب أيضاً؟"

"بالتأكيد. سمعتُ أن عائلته تحضر هذه الحصص عبر الأجيال. والظاهر أنه أطلق نوبة غضب عارمة رافضاً الذهاب بطبعه الناري ذاك، لذا واجهت «لورين» وقتاً عصيباً للغاية."

إن معرفة أنها لم تكن الوحيدة التي جُرّت إلى هناك رغماً عنها جعلها تشعر بتحسن قليل. وأطلقت «جيو» ضحكة مكتومة.

هانتر هاميلتون يرقص الفالس مع الفتيات.

كان ذلك بالتأكيد يعِد بمنظر ممتع ومسلٍ.

✦ ❖ ✦

حك، حك.

مع كل خطوة بطيئة نحو شارع "بارك"، كانت نعال حذائها تصدر صوتاً محتكاً بالأرضية الأسمنتية.

"«جيو»، هل تزحفين؟ سنتأخر بهذه السرعة! امشي بأسرع من هذا."

سائرة في المقدمة، استدارت «أيون-جونغ» بوجه قلق وحثتها. فردت «جيو» بحدة:

"قدماي تؤلمانني جداً لدرجة أنني لا أستطيع المشي! لقد أخبرتكِ أنني أكره هذا الحذاء."

"ماذا؟"

هرعت «أيون-جونغ» في لحظة وجلست على عقبيها أمامها.

كان حذاء "ماري جين" اللامع صلباً للغاية. وبسبب إصرار أمها على شرائه بمقاس أكبر بحجم واحد حتى تتمكن من ارتدائه لفترة طويلة بما أنه كان باهظ الثمن، كانت قدما «جيو» تنزلقان مع كل خطوة. وعندما تصطدم أصابع قدميها بالمقدمة، كانت الأحزمة المربوطة بذكاء تحفر في كاحليها.

"أمي، قفي! ماذا تفعلين الآن!"

ارتبكت «جيو» مع تحول انتباه المارة نحوهما، فدفعت كتف «أيون-جونغ» بعيداً. لكن «أيون-جونغ» لم تعر ذلك أي اهتمام وفكت حزام الكاحل. وفاحصةً أصابع القدمين والكاحلين المحمرين والمتأكلين، نقَرت بلسانها.

"تشك. ليس لديكِ حتى بثور بعد. هذا القدر لا بأس به، لذا تحمليه فقط. الأحذية الجميلة دائماً ما تكون غير مريحة."

"أريد العودة إلى المنزل. قدماي تؤلمانني جداً ولا أستطيع الرقص."

غرست «جيو» عقبيها في الأرض. في الآونة الأخيرة، بدأت تتحدث وتجادل «أيون-جونغ» كثيراً. كما أن تأكيدها لذاتها قد أصبح أقوى.

"لا تتفوهي بالهراء! أطفال هذه الأيام لا يملكون ذرة من الصبر. عندما كنتُ صغيرة، وبمجرد أن نشتري حذاءً، كنا نرتديه لثلاث سنوات تقريباً حتى تتلف النعال تماماً. الأحذية الجديدة من المفترض أن تسبب بثوراً تنفجر وتتشكل عقد جلدية قبل أن تتوقف عن الإيلام."

كانت «أيون-جونغ» قد نشأت يتيمة دون أن تعرف والديها، وتحملت كل أنواع المشاق. وبالنسبة لها، فإن هذا المستوى من عدم الراحة لم يكن يرتقي حتى ليكون إزعاجاً.

أتساءل بمن تتأسى وتتشبه لتكون طفلة رقيقة وهشة إلى هذا الحد.

تذمرت «أيون-جونغ» داخلياً. كان من حسن الحظ أن «جيو» التقت بوالدين جيدين وعاشت حياة رفاهية؛ فلو ولدت يتيمة مثلها، لكانت مرشحة رئيسية للموت جوعاً.

فركت «أيون-جونغ» أصابع القدمين المحمرتين برفق. وعلى عكس قدمي طفولتها، كانت قدما «جيو» ناعمتين، دون عقدة جلدية واحدة.

قدماها بياضهما كابنة رجل ثري، ومع ذلك لا تفعل شيئاً سوى الشكوى من الألم حتى بعد إعطائها حذاءً جديداً جميلاً.

ابتسمت ابتسامة مريرة، وكانت مشاعرها مزيجاً معقداً من الانزعاج والفخر.

لم تكن لديها أي نية لنقل حياة النضال اليائس إلى «جيو». تلك  الرائحة  الكريهة للفقر التي تعود ككابوس كلما أغمضت عينيها، والجوع اللانهائي الذي لا يمكن إرضاؤه مهما أكلت، والخزي الناجم عن الجهل، واليأس الذي يلتصق بها كالعلقة—كان على «جيو» أن تعيش دون أن تعرف أي شيء من تلك الأشياء.

ابنة ثراء أنيقة وراقية.

كانت «أيون-جونغ» تنوي تربية ابنتها الوحيدة بهذا الشكل تماماً.

"استمعي إليّ! هذا كله لمنفعتكِ الخاصة. أسرعي وارتدي حذاءكِ مجدداً."

حثتها «أيون-جونغ». ومع مدّ شفتيها بالكامل، بدأت «جيو» المشي مجدداً، جارةً عقبيها ضد الأرضية الأسمنتية.

✦ ❖ ✦

كانت حصة الرقص الاجتماعي تُقام كل أسبوعين في "قاعة ويتمور" في الطابق الأول من مبنى مهيب ومعلم بارز في شارع "بارك" والشارع الرابع والثمانين.

وعند دخول المبنى، بدت خطوات «جيو» ثقيلة للغاية. كان ذلك جزئياً لأن قدميها تؤلمانها، ولكن أيضاً بسبب خجلها المزمن الذي لم تتغلب عليه بعد.

كانت صديقتها المفضلة «كلويه» ترغب في الحضور، لكنها لم تستطع الحصول على وثائق التقديم لأنها تفتقر إلى شخص يكتب لها توصية. وغير قادرة على المشاهدة أكثر من ذلك، كانت «جيو» قد سألت «أيون-جونغ» عما إذا كان بإمكانهما طلب كتابة توصية لـ «كلويه» من «لورين» أيضاً. واكتفت «أيون-جونغ» بتجاهل السؤال بنظرة عدم تصديق مطلقة، دون تقديم أي رد.

أن تضطر للذهاب بمفردها إلى مكان من المؤكد أن يجتمع فيه الأطفال المحبوبون.

وعلاوة على ذلك، أن تضطر للرقص مع فتى لا تعرفه حتى.

انكمش قلبها. والرفض المألوف للأشياء غير المألوفة طغى تماماً على أي فضول ضئيل كان لديها حول حصة الرقص الاجتماعي.

"أمي، أنا حقاً لا أريد الذهاب. أعتقد أن معدتي تؤلمني قليلاً أيضاً..."

وقوفاً أمام أبواب "قاعة ويتمور"، أمكسك «جيو» بمعدتها بوجه مثير للشفقة عمداً وتوسلت. ومع ذلك، حدقت «أيون-جونغ» فيها وقذفت كلمات كإطلاق النار السريع:

"ها أنتِ ذا مجدداً يا «جيو باركر»! كفّي عن الشكوى بينما تنعمين بكل هذا الخير! هل تعرفين كم كان عليّ أن أكون خاضعة لأم «هانتر» خلال الأشهر القليلة الماضية لمجرد إدخالكِ إلى هنا... على أي حال! عندما تتزوجين في عائلة ثرية لاحقاً، يفضل أن تعرفي أن هذا كله بفضلي!"

بوجه متورد، نظرت «جيو» حولها بذعر. ومع تردد صدى صوت «أيون-جونغ» العالي للغاية كقطعة مجوهرات ترن ضد السقف العالي للبهو، طنّت طبلتا أذنيها الحساستان. وقلقت من أن يفهم أحد الكلمات الكورية.

شعرت بالخزي من «أيون-جونغ»، التي تفوهت بلا خجل بمدونات وملاحظات قديمة الطراز كهذه. وفي كل مرة تشعر فيها بذلك، كانت تعاني من ذنب الشعور بالخزي من أمها الخاصة.

كانت تعلم أن «أيون-جونغ» تحبها بشدة. وكانت تحب أمها أيضاً. ومع ذلك، فإن الطريقة القاسية ذات الاتجاه الواحد التي تدفعها بها أمها إلى الأمام كانت تتركها أحياناً مختنقة. وكانت هناك أوقات ترغب فيها في الصراخ والتمرد، لكنها تفتقر إلى الشجاعة لفعل ذلك بالفعل.

لأنه كان من الواضح أن أمها ستصدم وتصاب بحزن شديد.

وباندفاعها المعتاد الذي لا يتوقف، فتحت «أيون-جونغ» أبواب "قاعة ويتمور"، التي كانت مزينة بنقوش كلاسيكية بارزة. ورغم أنهن تأخرن خمس دقائق، إلا أن الضوضاء التي تملأ القاعة ثقبت أذنيها، مما يوحي بأن الحصة لم تبدأ رسمياً بعد.

ممسكةً بمعصم «جيو» بتمسك شديد وهي تخطو إلى الداخل، سحبتها «أيون-جونغ» إلى الأمام بينما حاولت «جيو» الاختباء خلفها كما كانت تفعل عندما كانت صغيرة، فدفعتها إلى الخلف.

"اذهبي واجلسي!"

ومع تقليص كتفيها، اكتفت «جيو» بإدارة عينيها وهي تنظر إلى محيطها.

إرسال تعليق

0 تعليقات