الفصل (116) الحقل المنسي
جالت عينا "فاركاس" في أرجاء المعسكر العسكري، وكانت يده تقبض على الأعنّة بشدة حتى برزت عروقه. وأخيراً، حثّ حصانه وانطلق.
وبينما كان يركض هابطاً المنحدر، أصبحت الملامح المتهالكة للمعسكر أكثر وضوحاً؛ إذ كانت الأسوار الخشبية المحيطة بالحوض متضررة لدرجة يصعب معها العثور على جزء سليم، بينما اكتظت الخيام المتناثرة بأعداد كبيرة من الجنود الجرحى. كان مشهداً يوضح من الوهلة الأولى أن معركة طاحنة قد دارت رحالها هناك.
ترجل عن حصانه ومشى بخطوات واسعة نحو السواتر، فسارع حارس كان يراقب اقترابهم من بعيد بإزاحة السياج جانباً لفتح الطريق.
وبمجرد دخوله، سأل "فاركاس" دون مقدمات: "أين سمو ولي العهد؟"
وبدلاً من الإجابة، تجمد الجنود المصطفون على جانبي المدخل، واكتفوا بتبادل النظرات فيما بينهم. وبقراءة رهبة قاسية في صمتهم، كزّ "فاركاس" على أسنانه وتوجه مباشرة نحو الخيمة المركزية حيث تتواجد القيادة.
في هذه الأثناء، وبعد تلقي أنباء تفيد ببدء وصول القوة الرئيسية للقوات الإمبراطورية الحليفة، سارع الفرسان التابعون للجيش الإمبراطوري بالخروج. كانت معظم الوجوه مألوفة، فمسح "فاركاس" ملامح مرؤوسيه السابقين بنظرة باردة قبل أن يخطو إلى داخل الخيمة الكبيرة. وهناك، رأى "كيلياس" ينهض من سريره بمساعدة أحد الخدم.
"أحيي الدوق الأكبر."
جلس الرجل على طرف السرير بتعبير متيبس وقدم تحية رسمية. حدجه "فاركاس" بنظرة باردة—وكان الرجل ملفوفاً بضمادات ثقيلة حول كتفه إثر إصابته—ودخل في صلب الموضوع مباشرة:
"اشرح لي ما الذي حدث."
أجاب الرجل وهو يكزّ على أسنانه: "...لقد تعرضنا لكمين. إذا اتجهت شمالاً شرقياً من هنا لمسيرة نصف يوم تقريباً، ستجد معقل العدو؛ وهو حصن منيع يقع في منتصف جبل حاد المنحدر يشبه الجرف العمودي. لقد التففنا نحو الشمال لقطع مصدر المياه عنهم وإغلاق طريق الوصول بالكامل بهدف استدراجهم، ولكن العدو كان قد نصب لنا فخاً..."
"لم أطلب قائمة طويلة من الأعذار."
أنّ الفارس رفيع المستوى بصوت خافت، وعندها فقط أدرك "فاركاس" أنه كان يقبض على شعر الرجل بقسوة. يبدو أنه في لحظة ما أصبح غير قادر على كبح دوافعه العدوانية ولو قليلاً، وراودته فكرة أن كل ما فعله لاستئصال طبيعته الفطرية القاسية ربما لم يكن سوى جهد عبثي.
نتر "فاركاس" رأس الرجل إلى الخلف بحدة، وهمس ببرود في وجهه الملتوي: "ألم تتلقوا الأمر بالانسحاب إلى الخلف والبقاء في حالة استعداد؟ أعطني سبباً أستطيع قبوله لتجرؤكم على عصيان أمري وتنفيذ مثل هذا الهجوم الأرعن."
بصق الرجل من بين أسنانه: "لم أستطع عصيان أمر ولي العهد! إنه الرجل الذي سيصبح الإمبراطور القادم، ونحن فرسان "رويم" أقسمنا بولائنا له—!"
رد "فاركاس" ببرود: "ليس الولاء أن تركض في الاتجاه الذي يشير إليه سيدك ككلب مدرب، بل إن الواجب الحقيقي للرعية هو إيقاف سيده، حتى لو اضطر لعض ساقي من يتجه نحو حتفه."
قال الرجل وهو يحدق فيه بعيون متسعة: "نحن لا نعتقد أن حكم ولي العهد كان خاطئاً تماماً! لقد فقد لا يُحصى من الموالين للإمبراطورية أرواحهم بسبب تمرد الشمال، وكان من بينهم رفاق خدمنا معهم لسنوات. ومع ذلك، كان من المقرر أن تجلس ابنة العائلة المسؤولة عن موتهم كأميرة لولي العهد! هذا عمل يزعزع نظام الإمبراطورية من جذوره. ونحن ندعم تماماً حكم سموه بأن إظهار الرحمة لأولئك الذين انقلبوا ضد العائلة الإمبراطورية لن يؤدي إلا إلى جلب المزيد من الكوارث!"
نظر "فاركاس" إلى الرجل بهدوء وبوجه خالٍ من التعبير، ثم انقبضت شفتاه بسخرية ملتوية: "إذاً، أين هو ولي العهد هذا الذي تدعمه بكل قوة الآن؟"
تحول وجه الرجل في الحال إلى لون الرماد، وعض شفته المدماة ثم حول عينيه بعيداً.
"...لقد أُسر من قبل هيمدال."
لم يقل "فاركاس" شيئاً لفترة طويلة، ولعدم قدرة الرجل على تحمل صمته، أضاف بقلق: "يبدو أن هيمدال كان يستهدف سموه منذ البداية؛ فقد سربوا عمداً معلومات حول موقع المتمردين لاستدراجنا إلى فخ بهدف أخذ ولي العهد كرهينة وتحييد الجيش الإمبراطوري."
"باختصار، لقد سلمتم سليل العرش إلى العدو بكامله."
فتح الرجل فمه واسعاً ليحتج، لكنه كز على أسنانه؛ إذ أدرك أنه بغض النظر عما سيقوله، فلن يكون سوى عذر مثير للشفقة. نظر "فاركاس" إلى وجه الرجل المحمر بعينين باردتين وأفلته بكتفه كما لو كان يرميه جانباً.
"من هذه اللحظة، أتولى السيطرة على فرسان رويم والوحدات الإمبراطورية النخبوية. وبمجرد أن يعالج سحرة القوات الحليفة جميع الجرحى، اجمعوا القوات عند حصن هيمدال."
قفز الرجل واقفاً بملامح مصدومة: "هل استمعت لما قلته؟ لقد أخبرتك أن ولي العهد محتجز كرهينة! إذا هاجمنا الآن فقد تتعرض سلامته للخطر. ليس لدينا خيار سوى الامتثال لمطالب هيمدال—!"
"في اللحظة التي نمتثل فيها لمطالبه، ستكون الإمبراطورية على طريق التفتت."
عند ذلك التصريح الحاسم، تصلبت رقبة الفارس.
"سيطلب الحكم الذاتي لـ "بالتو" وتعويضات حرب ضخمة. وحتى لو أنهينا المفاوضات بدفع فدية، فإن هيبة العائلة الإمبراطورية ستسقط إلى الحضيض. وعلى العكس، سيُبجّل هيمدال كبطل للشمال، وسيصبح استقلال بالتو خطوة حتمية."
"ليس هناك ضمان بأن الأمور ستسير بهذه الطريقة—!"
"هل تعتقد أن أهل الشمال سيقبلون بهدوء حكم الإمبراطورية الآن بعد أن أدارت حتى عائلة "بليستون" ظهرها للعرش؟"
"..."
"إذا استقلت بالتو عن الإمبراطورية، فلن يسكت اللوردات الآخرون أيضاً. في غضون سنوات قليلة، ستعود قارة "لوفيدن" بأكملها إلى حقبة الدول المتصارعة، وتغرق في دوامة من الحرب والقتل اللانهائيين."
كانت بشرة الفارس شاحبة كالجثة، فيما واصل "فاركاس" كلامه بنبرة هادئة وهو يراقب نظرة الرعب التي تنتشر على وجه الرجل:
"لذلك، لا مجال للتفاوض."
"إذاً... هل تقول إنك ستضحي بولي العهد؟"
لم يجب "فاركاس"، فوقف الرجل وترنح نحوه.
"هذا ليس أمراً يمكن للدوق الأكبر أن يقرره بمفرده! على الأقل بعد رفع تقرير إلى جلالته..."
"قرار جلالة الإمبراطور لن يكون مختلفاً. إذا طُلب منه الاختيار بين سلامة الإمبراطورية والوريث، فالإجابة حُسمت بالفعل." ثم شدد "فاركاس" نبرته بلا رحمة: "علاوة على ذلك، لدى جلالته وريث آخر؛ ألا يقيم وريث شرعي آخر بشكل علني في القصر الإمبراطوري؟"
نظر الرجل إليه بعيون مليئة بالصدمة.
ترك "فاركاس" الرجل متجمداً وخرج من الخيمة، ليدرك أن الفرسان ذوي التعبيرات المتصلبة كانوا يحيطون بالمدخل وكأنهم استرقوا السمع للحديث بالداخل.
نظر "فاركاس" حوله ببطء وأصدر أمراً بصوت خفيض: "غداً عند الفجر سنزحف نحو حصن هيمدال. وعلى الجميع التأكد من اكتمال التجهيزات."
✦ ❖ ✦
انضمت القوة الرئيسية للقوات الإمبراطورية الحليفة إلى المعسكر تماماً عندما اختفت الشمس بالكامل خلف سلسلة الجبال.
بدأ الجنود الذين أقبلوا عبر الظلام النيلي في تعزيز الدفاعات الضعيفة فوراً، مع الاستعداد لمسيرة اليوم التالي. لم يبد معظم القادة أي اعتراض على قرار "فاركاس"، وتجمعوا في الخيمة المركزية لبدء اجتماع استراتيجي.
"الاختراق الأمامي ليس أقل من مهمة انتحارية."
تحدث قائد من القوات الإمبراطورية الحليفة مشيراً بأطراف أصابعه إلى خريطة ممدودة على الطاولة:
"في اللحظة التي يدخل فيها الجيش المنحدر، سيمطروننا بالحجارة والسهام من أعلى الأسوار. ولا توجد طرق بديلة مناسبة لتجاوزهم."
قاطع "دارين" قائلاً وهو يضم ذراعيه ويفحص التضاريس المعقدة على الخريطة: "ليس الأمر وكأنه لا يوجد طريق على الإطلاق. ما رأيكم في التحرك شمالاً للتقرب من الجزء الخلفي من الحصن، تماماً كما حاول سمو ولي العهد؟ شريطة أن نحترس من الكمائن، أليس هذا هو الخيار الأكثر واقعية؟ إذا تمكنا من التمركز خلف الحصن، فسنمتلك ميزة الأرض المرتفعة."
"شريطة أن نتمكن من الدخول بسلام، نعم."
أضاف "كيلياس" الجالس في نهاية الطاولة الطويلة بتعبير متيبس، وهو يشير إلى ممر على الخريطة بنبرة حادة: "للتقرب من قاعدة المتمردين، يجب أن نمر عبر طريق جبلي ضيق لا يتسع لمرور عربتين معاً. علاوة على ذلك، غالباً ما تُغطى جبال "جوتونجار" بضباب كثيف حتى في منتصف النهار. وإذا كان الحظ ضدنا، فقد نُحاصر في ضباب لا يمكن للمرء أن يرى فيه شبراً واحداً أمامه."
حدج الرجل "فاركاس" بنظرة حادة متلفظاً بكل كلمة بسمّ:
"كان هذا هو السبب بالظبط في أننا كنا بلا حيلة أمام الكمين."
لم يندفع "فاركاس" للرد، بل اكتفى بالتدقيق في الخريطة التي تفصّل جغرافية جوتونجار.
كان الحصن الذي تتمركز فيه قوات المتمردين يستند إلى منحدر صخري حاد من الشرق مما يجعل التقرب منه مستحيلاً، وإلى الجنوب كان هناك منحدر لطيف نسبياً، لكن مدخله كان ضيقاً جداً بحيث لا يتسع لنشر قوة كبيرة.
وكما قال "دارين"، كان الاقتحام من الخلف هو الأسلوب الأكثر واقعية، ولكن المشكلة تمثلت في أن العدو يعرف ذلك بالتأكيد.
ضغط "فاركاس" بأصابعه على صدغه متذكراً مسيرة ابن عمه الأرعن؛ فلو كان "غاريت" أكثر حذراً ولو قليلاً في إدارة قواته، وأخذ إمكانية وجود جنود مختبئين بالحسبان، لما حدثت هذه الكارثة.
(من المرجح أنه أصبح مغروراً معتقداً أنه باغت العدو، وخلص بعجالة إلى أن الكمين أمر غير محتمل.)
أطلق زفرة ثقيلة.
وحتى لو تغاضى عن طيش "غاريت" المعتاد، كان من الصعب تجاهل حقيقة أن كل شيء قد سار بشكل مثالي لصالح العدو كمجرد مصادفة.
فبالنظر إلى كيفية إلقاء الطعم لـ "غاريت" في الوقت الذي كان يغلي فيه غضباً من أخبار الخطوبة، وكيف كان توقيت الكمين دقيقاً للغاية، فمن المرجح جداً وجود متواطئ من الداخل.
وتحولت شكوكه في الحال نحو الشخص الذي سيرحب بهذا الوضع أكثر من غيره؛ فإذا كانت "تلك المرأة" تقف وراء كل هذا...
دفن "فاركاس" وجهه بين يديه. إذا كان حدسه صحيحاً، فلا يمكن وصفها إلا بالمجنونة؛ فلو كُشف أنها تعاونت مع الخونة للتسبب في انقسام الإمبراطورية ولجر ولي العهد إلى فخ، فلن تنجو من المشنقة، ولن تقف العقوبة عندها بل ستلتهم عائلتها وأطفالها أيضاً.
"ما رأيك يا صاحب السمو؟"
توقفت أفكاره المتضاربة، وأدار "فاركاس" رأسه لينظر إلى الرجل الذي سأله. كان "ثيوريك هارت"—وهو شخصية رئيسية بين فرسان رويم—يراقبه بنظرة تأملية:
"بدلاً من محاولة هجوم قسري الآن، ألا يكون من الأفضل إغلاق الطرق المؤدية إلى الحصن والانتظار؟ وفيما يتعلق بولي العهد أيضاً..." توقف الرجل متخيراً كلماته بعناية قبل أن يضيف: "أعتقد أنه من المستحسن ترك مجال للمفاوضات، وإلا فقد تنتهي بالتحمل الكامل للمسؤولية عن سلامة ولي العهد."
"أقدر قلقك، لكن ليس لدي أي نية للتراجع عن قراري."
تحدث "فاركاس" بصلابة وهو يقف ويلتقط قلم تحديد، فوضع علامات على عدة نقاط على الخريطة لتكون بمثابة قواعد ثم أصدر أوامره:
"قسموا القوات إلى قسمين؛ ستنشئ القوة الرئيسية معسكراً هنا إلى الجنوب، أما البقية فستلتف شمالاً وتقترب من الخلف. في الوقت الحالي، عليهم الانتظار عند قدم الجبل المؤدي إلى المدخل، وبمجرد إعطاء الإشارة سينتقلون فوراً على طول الطريق."
"كما قلت مراراً، فإن طريق الالتفاف يحمل خطر التعرض لهجوم مفاجئ—!"
"هذا يكفي من التدخل غير الضروري."
قطع "فاركاس" اعتراض "كيلياس" بلا رحمة، ثم أردف:
"لا أعتقد أن رأي جندي مهزوم سلّم ولي العهد للعدو هو رأي يستحق الاستماع إليه."
عند هذا الكلام اللاذع، تجمدت وجوه "كيلياس" وكل فارس آخر في الغرفة.
ودون اهتمام بالجو المتوتر، واصل "فاركاس" بهدوء:
"سأرسل فرقة استطلاع للأمام لتفتيش محيط الحصن بدقة. اختاروا مجموعة مناسبة من الرجال."
أومأ "دارين" قائلاً: "سأنشر قوتنا الخاصة ككشافة."
وافق "فاركاس" برأسه وقال: "يبدو أن الخطوط العريضة قد حُسمت. رفعت الجلسة."
وبينما أنهى الاجتماع بشكل أحادي، بدأ القادة بالوقوف واحداً تلو الآخر. راقب "فاركاس" الفرسان وهم يتفرقون ببطء قبل أن يخرج من الخيمة، وعندها سمع صوت "دارين" من الخلف:
"يا صاحب السمو."
التفت ليرى نائبه ينظر إليه بتعبير قلق، مشيراً نحو أطراف المعسكر: "هل يمكننا التحدث للحظة؟"
تبعه "فاركاس" دون كلمة.
عبروا المعسكر المكتظ بالخيام حتى وصلوا إلى الحافة الخارجية حيث غلفهم ظلام دامس. وتحدث "دارين" الذي سار في صمت لفترة، حين وصلوا إلى السواتر:
"...هل تنوي حقاً ترك ولي العهد هكذا؟"
لم يجب "فاركاس"، بل اكتفى بالنظر إلى السماء المظلمة.
واصل "دارين" بقلق: "صحيح أن سموه اندفاعي وغير ناضج، ولكن أليس الأمير الثاني غير مستقر بنفس القدر؟"
ثم أصبح صوته أكثر كآبة: "إن "سينيفيير تار ين" يقف خلف الأمير الثاني، والإمبراطورة الحالية ستصبح خطراً أشدّ من ولي العهد."
توقف الرجل لبرهة ومحص في وجه "فاركاس" قبل أن يضيف بحذر: "علاوة على ذلك، ألم تقسم للإمبراطورة الراحلة "بيرناديت" بأنك ستحمي ولي العهد؟ إذا شاع أنك نكثت بعهد أقسمت عليه، فسيترك ذلك وصمة عار قاتلة على شرفك."
سأل "فاركاس" بصوت هادئ وهو يأخذ كيس ماء من خصره ليبلل فمه: "هل هذا كل ما لديك لتقوله؟"
رد "دارين" بنبرة منزعجة: "لا يزال الكثيرون ينتقدونك لفسخ الخطوبة من طرف واحد مع الأميرة الأولى، وإذا أغمضت عينيك عن ولي العهد الآن، فسيظن الجميع أن الدوقية قد انحازت إلى الإمبراطورة."
وبينما كان يستمع إلى كلامه الطويل، خرجت ضحكة جافة من شفتي "فاركاس":
"يبدو أنك خائف من أن أُتهم بفقدان ولائي وشرفي لأنني مفتون بابنة الإمبراطورة."
ظل "دارين" صامتاً دون أن يؤكد أو ينفي.
أغلق "فاركاس" كيس الماء واستقام في وقفته: "لا تقلق، لن أجلب العار لاسم العائلة."
"ماذا يعني ذلك...؟"
تجاهل "فاركاس" السؤال وتوجه نحو خيمته: "لنعد. للتحرك بمجرد بزوغ الفجر، يجب أن ننال قسطاً من الراحة لنحفظ قوتنا."
قبض على كتف "دارين" بثبات مرّة واحدة قبل أن يتركه، ثم ابتعد بخطوات ثقيلة عبر المعسكر المظلم.
✦ ❖ ✦
في اليوم التالي، وبعد أن قاد الجيش شمالاً، أوقف "فاركاس" المسيرة عند قدم الجبل تماماً عندما وصلت الشمس إلى كبد السماء.
ثم قسم القوات كما تقرر إلى قسمين: تمركزت القوة الرئيسية أمام الحصن، بينما دارت الوحدة المتبقية حول السلسلة الجبلية للتحرك نحو الخلف.
وسرعان ما بدأ ما يقرب من أربعة عشر ألف جندي بالتحرك بنظام تام.
وبينما أنشأوا المعسكر ونصبوا آلات الحصار، قاد "فاركاس" مجموعة تضم نحو ثلاثين جندياً صاعداً المنحدر الجبلي الحاد.
كانت التضاريس وعرة والمنحدرات شديدة الانحدار بحيث لا تسمح بتمركز قوة كبيرة، ولكنها كانت المكان المثالي لوحدة صغيرة تتحرك بعيداً عن أعين العدو. قفز بخفة فوق الصخور والمنحدرات الشاهقة، موجهاً الجنود الذين يتبعونه.
وبعد فترة، وصلوا إلى موقع يطل على حصن العدو مع بداية ميلان الشمس نحو الغرب. وقف "فاركاس" فوق صخرة كبيرة يراقب المخطط الداخلي للحصن بعين ثاقبة.
تذمر "إدريك لوبون" وهو يلتقط أنفاسه بجهد من التسلق: "كان يمكن ترك مهمة استطلاع معسكر العدو للكشافة، لماذا تتكبد كل هذا العناء شخصياً يا صاحب السمو؟"
وبدلاً من الإجابة، أشار "فاركاس" إلى نقطة أعلى وقال: "سنصعد أبعد قليلاً."
ثم بدأ في تسلق الواجهة الصخرية مجدداً.
عند وصوله إلى نقطة مراقبة مناسبة، أمر الجنود المنهكين بالاستراحة، ثم سحب قطعة من الرق من قميصه وبدأ يرسم المخطط الداخلي للحصن.
كانت قاعدة العدو متينة للغاية، وحجم القوات المتمركزة يتجاوز توقعاته، والتجهيزات الدفاعية مرتبة بلا عيب.
(لن يكون هذا سهلاً.)
ضغط على لسانه بأسف ودفع شعره المبلل بالعرق إلى الخلف، ثم التفت بعدما شعر بنظرة غريبة تتجهه نحوه.
كان "إدريك" الجالس على الأرض يلتقط أنفاسه يحدق فيه بذهول، وعندما أدرك "فاركاس" أن عيني الرجل تثبتتا على خصره، ضيق حاجبيه وسأله:
"إلام تنظر؟"
"لا شيء... فقط لقد كنت بارداً جداً حتى يوم مغادرتنا لدرجة أنني قلقْت، ولكن يبدو أنك قدمتَه لها في النهاية."
عبس "فاركاس" من الكلمات المبهمة ونظر إلى أسفل خصره، ليجد كيساً محبوكاً بتطريز شرقي معلقاً بحزامه الذي أعده له خادمه.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا