الفصل (113) الحقل المنسي

 


أن تكون نتيجة انتظاره الطويل منذ لحظة استعادة وعيه تقريراً بائساً كهذا...

تذكر جميع المشاكل والحوادث التي تسببت فيها، فكان قادراً نوعاً ما على تفهم الموقف البارد من أتباعه، لكنه لم يستطع منع موجة من الاستياء الشديد من التسلل إليه. ألقى بالرقاقة في النار المشتعلة التي أوقدها الجنود، ثم التفت إلى "دارين" بنظرات حادة وكأنها الجليد:

"جهّز حراسة خاصة ومستقلة."

"هل هذا يعني..."

"بمجرد الانتهاء من انسحاب القوات، سأتجه مباشرة إلى كالمور."

"علم ويُنفذ. سأنهي إجراءات التسليم فوراً وأجهز الفرسان."

انحنى الرجل بخفة ثم اتجه نحو القطاع الذي تتمركز فيه فرسان فولفرام. حدق "فاركاس" للحظة في الرقاقة التي انكمشت واسودت بين ألسنة اللهب قبل أن يعود أدراجه نحو خيمة القيادة.

✦ ❖ ✦

بمجرد أن أنهت قوات التحالف الشمالي —التي تضم حوالي 8000 من المشاة الثقيلة— بناء معسكرها، اتجه فاركاس مع ما تبقى من جيشه نحو الطرف الجنوبي لجبال يوتون-غار، تاركاً جزءاً من نخبة القوات الإمبراطورية في الخلف. كان الهدف إغلاق كل منفذ يؤدي إلى معقل المتمردين.

وبعد توزيع القوات على كل طريق محتمل للإمدادات، أنشأ معسكراً جديداً للتحالف على الحدود بين الشرق والشمال. كان موقعاً مثالياً؛ إذ يمكنه تقديم الدعم الفوري للتحالف الشمالي إن انقلبت مجريات المعركة، وفي الوقت نفسه يقطع أي خطوط هروب أخرى على العدو. أصبح "بيورن بلودار هيمدال" الآن كالفأر المحاصر في المصيدة!

أدخل فاركاس يده تحت عباءته وتلمس ندبة الجرح المتبقية على جانبه. كانت هذه هي الهزيمة الأولى التي يتذوقها منذ أن أصبح فارساً. لم يكن يفتقر إلى الرغبة في رد تلك الإهانة بيده، لكن ذلك الرجل كان مقدر له الهلاك بالفعل. رجل استهلكته طموحاته الطائشة وأغرق الشمال بأكمله في آلام الحرب... لقد كان من المضحك حقاً أن يحمل ضغينة ضد التخبط الأخير لشخص خسر كل شيء بسبب حماقته!

تطلع فاركاس بنظرات ساخرة إلى قمم جبال يوتون-غار الوعرة والمهيبة، ثم أدار فرسه. وفي الثكنات الضخمة الممتدة على طول السلسلة الجبلية، كانت رايات العائلات التي أقسمت بالولاء للإمبراطورية ترفرف في الهواء. ألقى نظرة سريعة على عشرات الأعلام الملونة قبل أن يحث فرسه نحو أطراف المعسكر.

عند نقطة التفتيش، كان هناك خط من القادة الذين عينهم كخلفاء له ينتظرون وصوله. اوقفه "دارين" —الذي كان يتحدث مع الفرسان في منتصفهم— وأسرع بالاقتراب منه عبر الصفوف:

"تمت عملية التسليم بنجاح. يمكنك المغادرة الآن."

"سأعود بمجرد انتهاء حفل خطوبة راينا."

"لا داعي لذلك. فأنت لم تتعافَ تماماً من جراحك بعد."

اقترب دارين من الفرس كي لا يسمعه الحاضرون وهمس بصوت خافت. عقد فاركاس حاجبيه؛ لم يكن يتوقع أن يلاحظ دارين ذلك!

وأضاف دارين بصرامة:

"لا تقلق بشأن هذا المكان. ابقَ في الشرق لفترة وخذ قسطاً من الراحة."

نظر فاركاس إلى وجهه في صمت قبل أن يدير فرسه في النهاية مع تنهيدة خفيفة:

"أبلغني فوراً عبر شبكة الطوارئ إن حدثت أي مشكلة."

عبر نقطة التفتيش وبدأ يركب فرسه على طول المنحدرات الهادئة المؤدية إلى الشرق، وتبعه ثلاثون فارساً يرتدون دروعاً سوداء ثقيلة في صفين متوازيين.

وصلوا إلى الحدود الشرقية عند غروب الشمس. وبعد أن قضى يوماً في تفقد أحوال الناس في المناطق الحدودية —بما في ذلك تارلين— قاد فاركاس رجاله نحو الجنوب الشرقي في الصباح التالي.

وعندما وصلوا أخيراً إلى "كالمور"، كانت السهول الشاسعة تفتح ذراعيها لتبشر بقدوم الربيع. وللحظة خاطفة، تملكه وهم غريب وكأنه قفز عبر الزمن! فـ "بالتو" كانت أرضاً قاسية يسيطر عليها الشتاء لنصف العام، وربما لهذا السبب كان يشعر أحياناً وكأن حركة الزمن هناك قد تجمدت. رفع رأسه نحو السماء الزرقاء التي تسكب أشعة الشمس الدافئة بشعور من الغرابة، ثم حث فرسه على الإسراع.

وقبل وقت طويل، ظهرت قرى صغيرة ومدينة حصينة ضخمة. وعندما عبر المركز ودخل القلعة المهيبة المحاطة بأسوار مضاعفة، خرج المئات من الأتباع والفرسان للترحيب به:

"أهلاً بعودتك يا صاحب السمو!"

نزل فاركاس عن فرسه بحركة واحدة سلسة، وجال بنظره ببطء بين وجوه الجنود الذين يملؤون ساحات التدريب والخدم العاملين في القلعة الخارجية. كان قد سمع أن إصابته أثارت ضجة؛ وها هي وجوه أتباعه الآن تخلط بين القلق، والاضطراب، والارتياح العميق.

وقال "مودريان" بصوت خافت وواضح وهو يحاول إزالة قلق الأتباع بالكامل:

"كانت الرحلة طويلة وقد تعبت كثيراً. رؤيتك بصحة جيدة تبدد كل مخاوفنا."

أومأ فاركاس برأسه إيماءة شكليّة:

"يبدو أنني تسببت في بعض القلق. كما ترون، أنا بخير، لذا يمكن للجميع التخلي عن قلقهم غير الضروري."

وقال الفارس العجوز بنبرة مبالغ فيها:

"هذا يبعث على الارتياح حقاً! يبدو أن الآلهة تحمي الدوق الأكبر بصفة خاصة."

شعر فاركاس بثقل التعب يضغط على كتفيه وسلم مقود الفرس لخادم قريب:

"أريد أن أرتاح. سأنسحب الآن، فليعد الجميع إلى مناصبهم."

وبناءً على أمره، تفرق الحشد في اتجاهات مختلفة. مشى بخطوات واسعة عبر ساحات التدريب ودخل الأبواب الداخلية. مرّ بالحديقة التي بدأت الأزهار تتفتح فيها، واقترب من القاعة الكبرى ليجد خدم القصر الرئيسي مصطفين عند الباب.

وعندما كان ينوي المرور من أمامهم ببرود، توقف فاركاس فجأة في مكانه!

فبين الحشد الذي تجمع للترحيب باللورد، كانت تقف شخصية غير متوقعة بالمرة!

وللحظة، بدا وكأن حركة الهواء نفسها قد توقفت. وقف متجمداً كتمثال من حجر وهو ينظر إلى المرأة الواقفة في مقدمة صف الخادمات.

كان شعرها الأشقر الذهبي المائل للون العسل مجدولاً ومرفوعاً بعناية، وتغطيه طرحة قطنية بيضاء خفيفة. وكانت ترتدي فستاناً واسعاً باللون البني الرمادي. وبينما كان يتفحص ببصره هذا الزي الغريب البسيط القريب من لباس الراهبات، رفعت رأسها الذي كان منحنياً قليلاً.

وعلى وجهها البديع —الذي كان يشبه تمثالاً من الرخام في معرض معبد— تسللت حزمة من الضوء عبر النافذة وتناثرت فوقها. وأمام هذا المشهد غير الواقعي، ضاق حلقه بالكامل!

ورغم ثيابها البسيطة جداً بل والمتواضعة، كانت جميلة لدرجة تحبس الأنفاس! وكانت تبدو أكثر صحة بكثير مما كانت عليه عندما رآها آخر مرة. حدق فاركاس في ذلك الوجه —الذي بدا هادئاً جداً وكأنه ينظر إلى شخص غريب— وقال ببطء:

"لقد مر وقت طويل."

ارتجفت عيناها الزرقاوان بحركة لا تكاد تُرى، لكن أثر الاضطراب اختفى دون أثر في اللحظة التالية. خفضت رموشها الطويلة وأجابت بصوت هادئ:

"...بالفعل."

رأى أصابعها المتشابكة أمامه تقبض بخفة على قماش تنورتها، لكن صوتها ظل هادئاً للغاية:

"سمعت أنك أُصبت. أنا مسرورة... لأنك عدت سالماً."

تغيرت ملامح وجهه. فقبل أن يغادر، كانت هذه المرأة تسبه وتلعنه بغضب وكراهية نابعة من الانتقام، أما رؤيتها الآن وهي تقف بكل هذا الهدوء وتقدم تحيات رسمية وكأن شيئاً لم يكن... فقد جعلت معدته تتقلب من الانزعاج!

اقترب من المرأة التي تتصرف ببرود كالغريبة. ورأى كتفيها يتيبسان قليلاً من التوتر، لكن عينيها اللتين تنظران إليه ظلتا ثابتتين تماماً. وفجأة، تملكته رغبة غريبة في تحطيم ذلك الهدوء والسكناء!

همس بصوت خافت وهو يميل نحوها:

"أفترض أنكِ خائبة الأمل لأنني عدت حياً وبصحة جيدة."

عندما مال نحوها، رأى شفتيها ترتجفان بخفة. انتظر أن تخرج منهما إجابة حادة أو مسمومة، لكنها لم تقل شيئاً! اكتفت بالتحديق فيه بعينين مبهمتين يصعب قراءتهما. ولسبب ما، جعل ذلك الهدوء منطقته الصدرية تتألم بوجع خفيف ومكتوم.

ومع شعوره بالاشمئزاز من رد فعله، اعتدل فاركاس في وقفته، ليجد شخصاً يتدخل ويقطع عليه الطريق:

"صاحب السمو، لا بد أنك مرهق بعد هذه الرحلة الطويلة. لمَ لا تغسل عنك تعب السفر أولاً؟"

نظر فاركاس بنظرات حادة وكالحجارة إلى الرجل الذي تدخل بذكاء ليقطعه عنها. كان "إدريك لوبون" يرتدي ملابس مدنية أنيقة، ووضع إحدى يديه على قلبه وهو يراقب رد فعل فاركاس بتعبير متوتر.

ولجزء من الثانية، شعر فاركاس بسخرية وسخافة شديدتين من موقف هذا الرجل الحامي لها وكأنها تحتاج للحيطة منه! ومع ذلك، كبح انزعاجه المشتعل والتفت مبتعداً. مشى عبر القاعة متجاوزاً المرأة التي وقفت ثابتة ومتجمدة كتمثال من الجليد.

وعندما دخل غرفة نومه، تبعه رئيس الخدم وتحدث بحذر:

"هل هناك أي شيء تحتاجه يا صاحب السمو؟"

"جهّز ماءً للاستحمام وملابس لأتغير."

انحنى الرجل باحترام فور صدور الأمر وانسحب بهدوء.

ومع تردد صوت إغلاق الباب، خلع فاركاس عباءته وألقاها بإهمال على ظهر الكرسي، ثم مشى نحو النافذة. أزاح الستائر ليرى منظر الحديقة الخلفية حيث لا تزال بقايا الثلج لم تذب بعد. ووسط هذا المنظر الكئيب، لمح فاركاس خيالاً آخراً يعرفه جيداً، فأسند جبهته على الزجاج.

كانت تمشي ببطء على طول الطريق، وخلفها خادمتان وإدريك لوبون يسير بالقرب منها، يبدو أنهم هناك لدعمها إن خانتها قدمها المصابة.

كان الرجل يراقبها بنظرات قلقة ويقول شيئاً ما، ومع كلامه، ارتسمت ابتسامة خفيفة وعابرة على شفتي المرأة التي كانت تعقد حاجبيها بانزعاج حتى تلك اللحظة!

حدق فاركاس في ذلك الوجه الناعم دون أن يرمش، حتى جعله صوت تمزق شيء ما يرفع رأسه؛ ودون أن يشعر، كان قد مزق قطعة من الستارة بيده!

أزاح شعره للخلف وابتعد عن النافذة. وفي تلك اللحظة بالذات، دخل الخدم الغرفة يحملون حوض استحمام مليئاً بالماء المغلي.

وبمساعدة أحد الحراس، خلع فاركاس درعه. وألقى بملابسه الملطخة بالعرق والغبار، وغطس في الماء الساخن. ورغم أنها كانت رفاهية لم يستمتع بها منذ أكثر من أسبوعين، إلا أن شعور الانزعاج رفض أن يفارقه.

أسند رأسه على طرف الحوض ونظر إلى السقف حيث تتجمع الظلال الثقيلة:

(لماذا أشعر بمرارة شديدة؟)

المرأة التي كانت تؤذي نفسها من شدة الغضب الذي لا يطاق استعادت استقرارها أخيراً، وكان ينبغي له أن يشعر بالارتياح! بالنظر إلى الأوقات التي كانت تحبس نفسها فيها في غرفة مظلمة وهي نحيلة وعنيفة، كان هذا تغيراً مشجعاً. ويبدو أن كراهيتها الشديدة له قد خفت أيضاً، لذا لن يكون هناك استنزاف للطاقة في مجادلات تلتهم الروح.

ومع تكرار هذا لنفسه، غرف فاركاس الماء بيديه وغسل وجهه بقسوة.

وعندما أنهى حمامه وخرج، اقترب خادم كان ينتظر خلف الستار بمشفة لتجفيف ظهره. أزاح فاركاس الأيدي المزعجة، وارتدى قميصاً كتانياً وبنطالاً قطنياً، ثم انغمس في عمق كرسي مخملي. وفي تلك اللحظة، تردد صوت خشن ومبحوح من خارج الباب:

"أخي، هل يمكنني الحديث معك للحظة؟"

أجاب فاركاس دون أن يرفع رأسه:

"ادخل."

وبعد لحظة، فتح "لوكاس" الباب ودخل الغرفة. تفحص فاركاس أخاه الأصغر بنظرات هادئة.

بعد أن استعاد قوته بالكامل على مدار فصلين، كان جلد لوكاس يلمع بحيوية برونزية وصحية. ولكن على عكس جسده القوي والحيوي، كان هناك ظلام ثقيل يخيم على وجهه.

لاحظ فاركاس ذلك التعبير المظلم وسأل بوضوح:

"ما الأمر؟"

قال بنبرة متوترة:

"جئت لأن لدي رجاء أطلبه منك يا أخي."

أومأ فاركاس برأسه إيماءة شكليّة:

"تحدث."

ورغم الإذن، ظل لوكاس صامتاً لفترة. وبعد أن بلل شفتيه بتعبير متوتر، تحدث أخوه أخيراً:

"أرجوك أسنِد إليّ إدارة المنطقة الحدودية الشرقية."

جعل هذا الطلب غير المتوقع فاركاس يتوقف في منتصف حركته وهو يمد يده إلى زجاجة نبيذ ليملأ كأسه. ضيّق عينيه وسأل بالمقابل:

"لماذا؟"

"لقد قلت لي... إنني بحاجة لتطوير مهاراتي الإدارية. وبما أن هناك نقصاً حالياً في النبلاء لإدارة الأراضي الحدودية الشمالية... فقد ظننت أنها فرصة جيدة."

تحدث لوكاس بنبرة هادئة، وعيناه مثبتتان على الأرض.

حدق فاركاس فيه بتركيز، ووضع زجاجة النبيذ على الطاولة وسأل:

"هل عادت إليك ذاكرتك بالكامل؟"

بدا وكأن ظلاً مظلماً يمر عبر وجه أخيه للحظة. بلل لوكاس شفتيه الجافتين وهز رأسه ببطء:

"ليس كلها... مجرد ذكريات مجزأة تلمح بين الحين والآخر."

قال فاركاس وهو يراقب أخاه ويمسك بكأس النبيذ عند شفتيه بنبرة جافة:

"لقد عينتُ لورداً جديداً لإدارة تارلين بالفعل، ولا يمكنني التراجع عن ذلك الآن."

"لا يجب أن تكون تارلين بالذات. لا يهم إن أعطيتني إقطاعية أخرى في تلك المنطقة..."

"هل تطلب مني أن أضع الابن الثاني لعائلة الدوق الأكبر في منصب إداري في قرية حدودية صغيرة؟"

انطبقت شفتا أخيه في خط حاد. نظر لوكاس إلى الأرض بتفكير، وبعد صمت، رفع رأسه مجدداً:

"إذن أرسلني في مهمة إلى المنطقة الشمالية الشرقية. إن أعطيتني قيادة الدورية الخارجية، يمكنني التعامل مع قضية 'زرام' التي لم تُحل بعد..."

"رغبتك في فعل شيء أمر محمود، لكن التوقيت سيء."

بلل فاركاس فمه بالنبيذ القوي وواصل كلامه بهدوء:

"لا بد أنك سمعت خبر إصابتي. الأتباع قلقون للغاية من أن أسقط في المعركة دون ترك وريث. لذا، وحتى تنتهي الحرب، يجب عليك على الأقل البقاء بهدوء في قلعة ريدغو."

"لكنك عدت سالماً أليس كذلك يا أخي؟ والحرب ستنتهي قريباً..."

"لم تنتهِ بالكامل بعد. ولا توجد ضمانة بعدم حدوث حالة طوارئ أخرى كما حدث في المرة السابقة."

أسند فاركاس مسند الذراع بجانبه، وزفر نفساً طويلاً وتابع:

"انتظر حتى العام القادم. بمجرد التوصل إلى تسوية في الحرب الأهلية، سأمنحك أرضاً مناسبة. وكما قلت لك من قبل، إن كنا أنا وأنت نتحرك ذهاباً وإياباً بين ساحات المعارك في ظل عدم وجود وريث مناسب، فسوف يثور الأتباع كجماعة."

"..."

"إن كنت تفهم ذلك، فغادر."

ورغم هذا الرفض، لم يتحرك أخوه من مكانه. نظر إليه فاركاس بنظرات حادة:

"ماذا هناك أيضاً؟"

"أنا أفهم موقفك تماماً يا أخي. لكني لم أعد أرغب في البقاء في كالمور. إن كنت قلقاً من أن قيادتي لقوة قمع ستزيد من قلق الأتباع... فأذن لي بالبقاء في المنطقة الحدودية الجنوبية لفترة."

تكونت عقدة عميقة بين حاجبي فاركاس وسأله بصرامة:

"لماذا أنت متمسك جداً بالمغادرة من هذا المكان؟"

"هذا..."

تردد لوكاس لفترة طويلة قبل أن يفتح فمه أخيراً:

"طالما بقيت في كالمور، فلن أهرب أبداً من معاملتي كسيد شاب مدلل. لقد تعبت من معاملة الجميع لي كمرض يحتاج للرعاية الجماعية."

تمتم لوكاس بعدم رضا، ثم أضاف فجأة بنبرة حذرة:

"وأعتقد أنه سيكون من الأفضل لها... أقصد لزوجة أخي... إن غادرت أنا. لا يرتاح قلبي لتركها تتعرض للوم والاتهام بسبب حادثة لا أستطيع حتى تذكرها بشكل صحيح..."

"من الذي يلومها؟"

وضع فاركاس كأس النبيذ بصوت حاد وسأل بصوت خافت.

أظهر أخوه لحظة من الارتباك قبل أن يتدارك الأمر بنبرة خفيفة:

"ليس الأمر أن أحداً ينتقدها علناً... مجرد همسات وتهامس خلف ظهرها."

"أنا أسألك: من الذي يتحدث بهذا الإهمال والجراءة؟"

خفض لوكاس عينيه متجنباً نظراته. وكانت تعابير وجهه المضطربة كافية كإجابة! لم يكن هناك شك في أنها "راينا" وخادماتها الخاصات هن من يتحدثن بلسان طليق.

أزاح فاركاس شعره الذي لا يزال رطباً وأسند ظهره على الكرسي، وزفر تنهيدة ثقيلة:

"أنا أفهم ما تقول. سأبحث لك عن منصب مناسب لتمسكه قريباً."

وحتى مع هذا الجواب بمنح طلبه، لم يبدُ لوكاس مسروراً بصفة خاصة. وبعد أن حدق في الأرض بتعبير كئيب، انحنى لوكاس انحناءة قصيرة وغادر الغرفة.

إرسال تعليق

0 تعليقات