الفصل (11) Please Just Use Me



برينان، تيري، واتكينسون... مسحت إيميلي الأزقة بعينيها، وتوقفت عند الباب الخلفي للبيت القديم المتهالك الذي يفترض أن دان يعيش فيه.


كان هناك سبب معين لجعلها تختار الباب الخلفي بدلاً من المدخل الرئيسي.


"واااااااع!"


أجهشت إيميلي بالبكاء بصوت عالٍ عمداً، وهي تمسح عينيها بقوة بقطعة القماش التي معها. بسرعة، تسببت خامة القماش الخشنة في إحمرار عينيها وتساقط دموعها.


في هدوء الليل، ترادّ صدى بكائها في المكان، وبدأت النوافذ تفتح واحدة تلو الأخرى، حتى إن بعض الجيران خرجوا إلى أبواب بيوتهم.


"يا إلهي، أليست هذه إيميلي من عائلة تورنر؟"


"ما الذي حدث لها حقاً؟"


تماماً كما توقعت، كانت السيدة بودج والزوجان واتكينسون أول من أسرع بالخروج. لقد اختارت هذا المكان بالذات لهذا السبب.


وبعد فترة وجيزة، فتح الباب الخلفي لمنزل دان براون أيضاً. وعندما تأكدت إيميلي من ذلك، استندت على كتف السيدة بودج ورفعت صوتها:


"يا سيدي ويا سيدتي، هل تعتقدون أنهم يعاملونني كبشر في منزل ذلك اللورد النبيل؟"


ورغم أنها بدأت تشكو فجأة وبدون مقدمات، إلا أن السيدة بودج الطيبة لم تتوقف عن الربت على ظهرها.


"يا إلهي، لا بأس يا عزيزتي، لا بأس."


"أولئك القادمون من العاصمة لا يأكلون معي حتى، وعندما أحاول الحديث معهم، يطنشونني ويدّعون أنهم لا يفهمون لهجة أهل (تولوم)!"


حتى الآن، كانت تكتم الأمر ولا تتحدث عن سكان القصر خوفاً من أن تقلق أمها، ولكن مقارنة بتصرفاتهم، لم يكن هذا يعتبر حتى مجرد غيبة.


بالإضافة إلى ذلك، فإن سكان (تولوم) لا يفشون مثل هذا الكلام للغرباء أبداً. وبمعنى آخر، لم تكن هناك أي فرصة لتصل هذه الأخبار إلى أذان أصحاب القصر.


"بالمال الذي أجمعه من تنظيف المراحيض وتسليك البالوعات هناك، أكاد أتدبر أمري يوماً بيوم لأشتري الدواء لأمي والقليل من الطحين. والان، يتهمني بأنني امرأة سيئة السمعة؟"


صرخت إيميلي بصوت منفعل.


"يا دان براون، كم شخصاً ستسيء إليه بعد؟ هل تقول إن زوجة القس سميسون هي من دبرت لي هذا العمل القذر؟"


بدأ حوالي عشرة أشخاص ممن خرجوا إلى الزقاق بالتململ والغضب. وهنا وجهت إيميلي الضربة القاضية:


"كيف تجرؤ على التفوه بهذه الكلمات القذرة؟ أستطيع أن أقسم بشرف أبي المتوفى في السماء أنني بريئة!"


رغم أن والدها، الذي كان مجرد عامل مناجم بسيط، لم يترك أي مجد عظيم يتحدث عنه الناس، إلا أن الأمر كان مختلفاً تماماً في هذا الشارع بالذات.


كان السبب في أن إيميلي استطاعت أن تكبر بأمان في (تولوم) رغم جمال وجهها، يعود كله إلى والدها. فوالد إيميلي، جون تورنر، الذي كان مشهوراً بقوته وطيبة قلبه، كان قد أنقذ العديد من الناس من الخطر أثناء عمله في المناجم.


العديد من الناس... ولم يكن ذلك يعني فقط شقيق السيدة بودج الأصغر أو السيد واتكينسون اللذين كانا يحيطان بها الآن.


"ولكن أخاك يعيش بحالة جيدة جداً، أليس كذلك؟ يا تومي براون، ألا تشعر بالخجل من أبي بعد سماع ما قاله أخوك؟"


كان أخ دان الأكبر قد سُحب هو الآخر من داخل منجم فحم بواسطة والدها قبل بضع سنوات. وبطبيعة الحال، كانت إيميلي تحفظ كل قصة حكاها لها والدها، حيث كان يقول إنها الإرث الوحيد الذي يمكنه تركه لها بدلاً من المال.


عندها تفجرت الشتائم مثل "يا نذل يا بلا شرف" و"يا ابن الحرام الذي يستحق الموت" من كل حدب وصوب. لم يكن الغضب حصراً على من فقدوا عائلاتهم وأصدقائهم في المناجم فحسب، بل حتى الرجال الذين قضوا يومهم في استخراج الفحم ارتعدوا من فكرة أن بناتهم قد يواجهن مثل هذه المعاملة بعد وفاتهم.


وعندما اشتعلت الأجواء وأصبح الجميع مستعدين للفتك به، ضرب أخو دان براون الأكبر أخاه الأصغر على رأسه فوراً:


"ماذا قلت أيها المجنون؟ لقد أهنت ابنة السيد تورنر بهذه الطريقة؟"


"آخ! ليس أنا! بين هو من قال ذلك أولاً!"


أكد السيد واتكينسون بصوت عالٍ ما قاله دان وهو يتلقى الضرب:


"بين ستينسون؟ ذلك الفأر هو من نشر هذه الشائعات الكاذبة؟"


سيكون من الجيد تصعيد الأمور أكثر هنا. أخذت إيميلي نفساً عميقاً:


"رحل أبي ولم يترك لنا سوى الديون، وحاولت كسب بضع قرشات فلم ألقَ سوى الشتائم القذرة...! إن شنقت نفسي ومت، فسيكون ذلك بسببكم أيها النذلاء!"


جعلت صرختها الباكية دماء أهالي الحي الغربي في (تولوم) تغلي. وبالطبع، رحبوا بحماس بهذه الدراما الممتعة التي ستعيد الحياة إلى مسائهم الممل.


"يا عديم الفائدة! هذا الفم يستحق الشق!"


"تنشر الشائعات القذرة عن الناس الشرفاء، وتستطيع النوم ليلاً بكل أريحية؟"


وقبل مضي وقت طويل، خرج عدة أشخاص من بيوتهم يحملون جذوع شعر مشتعلة بدلاً من المشاعل.


"أين منزل عائلة ستينسون؟"


"في الزقاق المجاور، البيت الثالث."


وهكذا بدأت المسيرة. وكانت إيميلي في المقدمة تمسح خدودها بينما تسندها السيدة بودج، متجنبة بحذر مسح الدموع القليلة التي سقطت بالفعل.




"من هناك؟"


في بعد ظهر يوم السبت، متسائلة عمن قد يزورها في وقت لا تتوقع فيه أحداً، فتحت إيميلي الباب لتجد صديقتها في الحي، بيتي، واقفه هناك.


"أهلاً أهلاً! أليست هذه هي الجميلة المشهورة التي لا تعامل حتى كبشر في منزل النبلاء—"


"أمي في البيت."


"إيميلي الحبيبة، كم مضى من الوقت؟ زيارتي هذه ستكون حتماً 'يوماً مليئاً بالبهجة' لكِ أيضاً."


"تلك ليست الطريقة الصحيحة لاستخدام هذه الجملة. ادخلي."


ضحكت إيميلي وسمحت لبيتي بالدخول. وبدأت بيتي قليلة الصبر بالحديث وهي تخلع معطفها في نفس الوقت:


"ألا أتقن تقليد كلام العجائز جيداً؟ ولكن على أي حال، لماذا تستبعدينني دائماً عندما تصنعين مثل هذه المشاكل المسلية؟"


يبدو أن حادثة البارحة قد أصبحت حديث الساعة بالفعل. استمرت بيتي بالهمس بوجه متحمس:


"سمعت أن بين ستينسون قد تبول على نفسه من الخوف الليلة الماضية؟ كان ينبغي كسر ذراعه على الأقل."


"آه صحيح، أمك تعرف السيدة ستينسون جيداً."


"إنها تكرهها تماماً! بيتنا يشبه أجواء العيد الآن. حتى أقاربنا الساكنين بالقرب منا تجمعوا، والجميع يتحدث عن الأمر."


مشت بيتي في البيت الرطب دون بال، وجلست على الطاولة المتهالكة وكأنها في بيتها. وبما أن صديقة تعرف ظروفها جيداً قد زارتها، وضعت إيميلي الغلاية المُنثلمة بثقة على الموقد.


"إذاً، هل يمكن لأمك أن تقول شيئاً لتلك العائلة؟ أرجوكِ أخبريهم ألا يأتوا إلى منزلنا للاعتذار."


بيتي، التي فهمت المعنى بسرعة، نظرت حولها:


"أمك لا تعرف شيئاً عما حدث على الإطلاق؟ لماذا؟ ولكنها في المنزل الآن؟"


"أخذها أوليفر إلى المستشفى. على أي حال، من الأفضل ألا تعرف أمي."


"ماذا؟ إذاً كان بإمكاني التحدث بصوت عالٍ!"


ثرثرت بيتي بأعلى صوتها:


"أمي ستعجبها هذه الفكرة جداً! فرصة للسخرية من أولئك الأشخاص تماماً، هل نذهب إلى منزل دان براون أيضاً؟"


"نعم، أرجوكِ اهتمي بهذا المنزل أيضاً. ولكن لا تذكري شيئاً إطلاقاً أمام أمي."


"صحيح. أمك أغمي عليها مرة لمجرد أنها ظنت أن وشاحاً قديدماً هو ثعبان."


بما أن أمها الضعيفة والخائفة كانت تصل في كثير من الأحيان إلى حد الإغماء عندما تفزع شديداً، فإن قلق إيميلي لم يكن مبالغاً فيه أبداً. خففت بيتي عنها بصوت حنون للغاية:


"لا تقلقي. ولكنني أتساءل إن كانت السيدة تورنر العزيزة تعرف كم هي ثمنية ابنتها التي ترعاها بهذه الرقة."


ابتسمت إيميلي ابتسامة مريرة وناولت بيتي فنجان شاي. ورغم أنه كان شاياً خفيفاً تطفو فيه بقايا الأوراق، إلا أنه كان طريقتها في إكرام الضيف.


"على أي حال، لا بد أن الحي كان مملاً للغاية ليقيموا احتفالاً لمجرد حدث كهذا."


"...الحي كان هادئاً. الحي فقط."


ولكن بيتي أظهرت فجأة تعابير خجل غير معتادة. وبسبب غرابة الموقف، قطعت إيميلي حاجبيها مستغربة:


"لماذا؟ إذاً ما الذي لم يكن هادئاً؟"


"قلبي... لقد وقعت في الحب."


"لا، أرجوكِ."


"هذه المرة الأمر جدي. لقد أعطيت قلبي وروحي بالكامل."


هزت إيميلي رأسها. لماذا تتصرف هذه الصديقة بهذه الطريقة مجدداً؟


"بيتي، بعد كل تلك المشاكل... هل تظنين حقاً أن هناك رجالاً محترمين متبقين في (تولوم)؟"


"هذه المرة ليس رجلاً من (تولوم)! إنه رجل راقٍ وسيم من المنطقة الجنوبية."


انطلقت بيتي تروي قصتها بصوت متحمس:


"إنه بائع صحف. تعرفين، أولئك الرجال الذين يرتدون ملابس أنيقة ويتجولون هذه الأيام ليحثوا الناس على قراءة الصحف."


"هذا أسوأ! أليس لدى هذا الرجل عائلة حقيقية في الجنوب؟"


"توفيت زوجته قبل بضع سنوات. وبدون أطفال... إنه رجل مثير للشفقة."


ذهلت إيميلي:


"أين يقيم؟ كم عمره؟ هل لديه دخل غير بيع الصحف؟ لا، هل يمكنكِ توقع المسؤولية من بائع متجول؟"


"إنه رجل بشعر بني داكن رائع وقامة طويلة. مختلف عن رجال (تولوم) قصار القامة ذوي الرقاب القصيرة."


رغم أن الرجال الطوال غير المناسبين لعمل المناجم الذي يتطلب الانحناء غالباً ما يغادرون إلى مناطق أخرى للبحث عن عمل، فهل كان ذلك مهماً الآن؟


"فقط أجيبي عن أسئلتي. ألم تري أولئك الباعة الذين بلا دخل يقفون في الشوارع يأكلون خبزاً مدهوناً بالشحم؟"


سخرت إيميلي، ولكنها استطاعت أن تشعر بالإحباط في نظرات بيتي نحوها أيضاً.


"أنتِ لا تفهمين. الحب، فأنتِ ما زلتِ صغيرة قليلاً."


أمام هذا الكلام الذي ألجمها، أصدرت إيميلي تنهيدة غضب. ولكن بيتي اعتبرت ذلك اعترافاً بالهزيمة وضحكت بانتصار:


"بالطبع، تلك اللحظة التي تقعين فيها في حب شخص ما لا تُمنح لأي كان."


بما أنهما كانتا صديقتين تطبعان علامات على الجدار لتريا من أطول منذ الصغر، بدا أن بيتي سكرت بانتصارها، وهي تتباهى وكأنها تعلم طفلة. ولكن إيميلي أرادت أيضاً أن ترد لها الدرس:


"أنتِ من يحتاج إلى أن تكون أكثر حذراً."


"إيميلي، أنتِ تقولين هذا لأنك لا تعرفين. كم سيكون أمراً رائعا لو استطعتِ الحب وأنتِ تحسبين وتفكرين."


تحدثت بيتي بحماس، وكأنها تشرح الثلج لشخص لم يشهد الشتاء قط:


"هذا النوع من المشاعر يشبه السقوط في حفرة – عندما تستوعبين الأمر، لا تستطيعين الخروج منها أبداً. عليكِ أن تحذري. الفتيات أمثالكِ هن المشكلة الأكبر."


"فجأة أصبحتُ أنا المشكلة؟"


"الفتيات اللاتي تخرجن للتو من الرهبنه، اللاتي كنّ يعاملن الرجال وكأنهم شياطين، هن من يقعن في الحب حتى الأذنين وهن يرسمن صليب الخوف. لأنهن لا يعرفن الرجال أبداً."


"أنا لا أعرف الرجال؟"


"لا تدققي في كلامي. أقصد بعيداً عن العائلة، وبعيداً عن الأشخاص الذين تتحدثين معهم في الحي."


لم يكن النقاش يوصل إلى نتيجة. وعندما صمتت إيميلي من شدة الذهول، أصبحت بيتي أكثر انتصاراً:


"تعرفين، عندما يبتسم، لا يمكنكِ تخيل كم هو جميل. عيناه تلمعان مثل الجواهر."


ولكن مع كلمات بيتي التالية، تذكرت إيميلي دون وعي منها مشهداً معيناً. كانت العينان الزرقاوان الساطعتان في تلك الذكرى الضبابية أجمل من أي مجوهرات ثمينة.


وفوراً، وعندما أدركت أنها فكرت بشخص ما دون قصد، ضغطت إيميلي على زوايا فمها التي كانت على وشك الابتسام بسخرية.


كم كان أمراً مثيراً للضحك أن تفكر في ذلك الشخص العالي المقام وكأنها تعرفه لمجرد أنها التقت به بضع مرات.


"ما الذي يضحككِ هكذا؟"


ولكن يبدو أن بيتي قد فهمت شيئاً ما بشكل خاطئ تماماً. فأصدرت إيميلي تنهيدة أخرى.

إرسال تعليق

0 تعليقات