الفصل (109) الحقل المنسي
أومأ الفارس بعينين متسائلتين، وأرسل إشارة سريعة إلى رفاقه قبل أن يخطو نحو الدوق الأكبر.
وقف "باريدون" ساكناً يراقب المشهد، حتى دفعه الرسل الآخرون ليواصل سيره. وفي لحظات، تلاشت ظلال الدوق الأكبر و"إدريك لوبون" في المدى.
عن ماذا يتحدثان يا ترى؟
ألقى "باريدون" نظرة فضولية أخيرة ثم استقام في سيره. لم يكن يملك رفاهية إهدار طاقته الذهنية في أمور لا تخصه؛ ألم يكن غارقاً بالفعل تحت ثقل واجباته؟ نفض الفتى آخر أثر للفضول، وقاد الرسل نحو القصر الرئيسي في صمت.
✦ ❖ ✦
بعد أسبوع، تجمعت وحدات الفرسان التي أرسلها الحكام من مختلف أنحاء الشرق في "كاللمور".
رفرفت الرايات الزاهية التي تمثل مختلف العائلات النبيلة بقوة عبر الحقول المحيطة بالحُصن، وتراصت آلاف الأحصنة المدرعة على التلال الفسيحة.
تطلع فاركاس إلى هذا الحشد العسكري الفخم من أعلى برج القصر، ثم نزل السلالم متجهًا نحو ساحات التدريب. كان قصر "رايدغو" يغص بالفرسان المسلحين والخيول المجهزة.
تحرك بين صفوف الجنود المنتظمين، يتفحص عربات الإمداد الممتدة أمام البوابات. كانت العربات ذات العجلات الأربع، المحملة بالحبوب والأسلحة والمؤن، تمتد في خط طويل لا ينتهي خارج أسوار القصر.
«سموك، اكتملت جميع التحضيرات للحملة.»
وما إن أنهى جولته في ساحة العرض حتى اقترب منه "بيروف" بتقرير بعد إتمامه حراسة المحيط الخارجي. رفع فاركاس رأسه ليقدر موضع الشمس قبل أن يصدر تعليماته بنبرة هادئة:
«وزعوا المؤن على الجنود مسبقاً. من الأفضل أن يستجمعوا قواهم قبل الانطلاق إذا أردنا التحرك نحو وجهتنا دون استراحة.»
«علم ويُنفذ.»
اسرع الفارس لينقل الأمر، بينما خرج فاركاس من الثكنات متوجهاً نحو الملحق. وعلى عكس ساحات القصر الخارجي التي عجت بالحركة والضوضاء، كانت الحديقة الخلفية هادئة بائسة. وطئ طبقات الثلج المتراكم وهو يقترب من المبنى الواقع في الطرف الشمالي من الفناء الداخلي.
«أهلاً بك يا سمو الدوق.»
أدى الحراس الواقفون عند المدخل التحية بانتظام. مر من أمامهم ودخل المبنى متجهًا نحو السلالم، لكنه توقف عندما ألمح "إدريك لوبون" يجلس على أريكة طويلة في غرفة الاستقبال.
«ما الذي تفعله هنا؟»
نهض الرجل، الذي كان ينكث الحطب بالمقشة، متفاجئاً وبملامح مرتبكة:
«ماذا تقصد بـ "ماذا أفعل"... ألم تطلب مني حراسة الدوقة الكبرى؟»
ضيق فاركاس عينيه. ولتحديد الأمر، كان قد طلب منه حمايتها بعد مغادرته. ألقى نظرة غير راضية على الرجل الذي حزم أمتعته وحضر حتى قبل أن يغادر هو، ثم سحب كيساً جلدياً من صدره ورماه إليه:
«بما أنني لن أضطر للبحث عنك، فهذا جيد. سأدفع لك أجر سنة كاملة مقدماً.»
«لا داعي للذهاب إلى هذا الحد...»
«لا أحد يعلم متى سأتمكن من العودة. من الأسهل لكلينا تسوية هذا الأمر مسبقاً.»
قاطع فاركاس رفض الرجل المؤدب، واستدار وصعد السلالم.
كان قرار إبقاء "إدريك لوبون" بجانبها مندفعاً نوعاً ما. في هذا القصر الذي سيغادره هو نفسه الآن، أراد أن يكون هناك شخص واحد على الأقل قد تجد فيه بعض الألفة.
ففي أقل من عام، فقدت كل من كانوا مقربين منها متتابعين؛ المعالجَين، والذئب الذي كانت تعزه كثيراً. ورغم بقاء المربية، إلا أن تلك المرأة لم تكن تملك ذرة عاطفة تجاه "ثاليا". ألم يمنع تلك المرأة بصرامة من خدمة زوجته باستثناء إعداد الطعام، خوفاً من أن تتوقف زوجته عن الأكل مجدداً من الصدمة؟
بدلاً من إبقاء تلك المرأة المقززة بجانبها، كان من الأفضل تركها تجد بعض الراحة مع "إدريك لوبون".
توقف فاركاس في الممر، وحدق في باب غرفة نومها بعينين مظلمتين. قفزت خادمة كانت تغفو في غرفة الانتظار المقابلة بفزع:
«سـ-سموك، لقد وصلت.»
«كيف حال سموها؟»
«قدمتُ لها الوجبة كما أمرت هذا الصباح.. لكنها لم تأكل إلا القليل...»
خفضت الخادمة رأسها بإحباط. نقر فاركاس على صدغه بأصبعه، ثم فتح باب الغرفة. ومع صفير المفصلات، ظهرت الغرفة في حالة من الفوضى العارمة.
تفحص السجاد الملطخ ببقع سوداء حيث بدا أن زجاجة حبر قد أُلقيت هناك، والملاءات الملطخة التي تفوح منها رائحة النبيذ. وأخيراً، ألمح "ثاليا" منكمشة على نفسها ككرة صغيرة في زاوية الغرفة، فاقترب منها.
ورغم أنها لابد وأنها شعرت بوجوده، إلا أنها لم تتحرك. حدق في المرأة الهامدة التي دفنت وجهها بين ركبتيها، ثم مد يده ورفع ذقنها لأعلى.
وعلى الوجه المرفوع قسراً، أومضت عينان زرقاوان مليئتان بالعداء. التقت عينان آلفهما كأنها خناجر، وقال بهدوء:
«سمعتُ أنكِ فشلتِ في الأكل بشكل صحيح مجدداً. هل سئمتِ من الطعام الذي تعده تلك المرأة؟»
«...»
«إن كان الأمر كذلك، أخبريني. سأترك تعليمات بطردها والتعاقد مع طاهٍ جديد.»
ضربت يده بصفعة عنيفة:
«لستُ ماشية! لا أملك أي التزام بحشو الأشياء في فمي لمجرد أنها قُدمت لي!»
ضيق عينيه. ربما بسبب أسابيع من الإطعام القسري والأدوية، بدأت بعض النضرة تعود إلى بشرتها الشاحبة، لكنها ظلت نحيلة بشكل مقلق. لولا سحر الشفاء الذي كان يقدمه لها بين الحين والآخر، لما ملكت القوة للمقاومة كما تفعل الآن.
كبت فاركاس تنهيدة، ورفع جسد المرأة بسهولة. وعندها، بدأت تتخبط بضراوة كحيوان بري وقع في فخ.
تجاهل مقاومتها اليائسة والمثيرة للشفقة، وأجبرها على الجلوس أمام الموقد. قبض على ذقنها الصغير وقرب وجهه من وجهها، ثم تحدث بوضوح وكأنه يغرس الكلمات في عقلها:
«سأكون بعيداً عن القصر لبعض الوقت.»
تجمدت المرأة التي كانت تغلي ونفسها يعلو ويهبط. وأضاف بنبرة خفيضة مهددة:
«لا تظني أنه لمجرد غيابي، يمكنكِ تدمير جسدكِ بأفعال أحمق. إن وصلني خبر أنكِ بدأتِ إضراباً آخر عن الطعام، فلا أعلم ماذا قد أفعل.»
«اتركني!»
ضغط عليها أكثر وهي تحاول نفض يده، وقال بصرامة: «تذكري كلماتي. لن أتسامح مع أي متاعب أخرى تسببينها.»
تقلص وجه المرأة بحدة. أمالت شفتيها القانيتين وبصقت الكلمات:
«اخرج ومُت في الخارج.»
ارتسمت سخريّة باردة على شفتي فاركاس: «رائع.. زوجة تلقي اللعنات على زوجها عشية رحيله.»
شحب وجهها، الذي كان محمراً من الغضب، في ثانية. ارتجف كتفاها وكأنها على وشك الجدال، لكنها في اللحظة التالية خفضت عينيها وعضت على شفتها. نظر إليها فاركاس بوجه خالي من التعابير، وأطلق ضحكة جافة وهو ينهض:
«سأرى بنفسي مدى استجابة دعواتكِ.»
وعند تلك الملاحظة الساخرة، انكسر وجه المرأة بالكامل. حدقت فيه بعينين محمرتين، وغمغمت بصوت مبحوح: «فقط اخرج من هنا.. اذهب، ولا تعد أبداً.»
حدق فاركاس في ذلك الوجه وكأنه مسمر في مكانه، ثم خرج أخيراً من الغرفة. وفي اللحظة ذاتها التي أغلق فيها الباب وقفله خلفه، سمع صوت شيء يتحطم في الداخل. يبدو أنها كانت تفرح غضبها في الأثاث مجدداً.
أطلق تنهيدة خفيفة، وأصدر تعليماته للخادمات الواقفات في الممر بنبرة متزنة:
«سأبقي كاهنة على أهبة الاستعداد في الطابق السفلي طوال الوقت، لذا اتخذن إجراءات فورية إذا تساءت حالتها.»
«سـ-سنضع ذلك في الحسبان.»
سرعان ما نزل السلالم وخرج من الملحق. وفي تلك اللحظة، شعر بشيء بارد يلامس خده. رفع رأسه؛ كانت الغيوم البيضاء الخفيفة تنثر ثلجاً ناعماً. مسحه بيده دون اهتمام، وبدأ يسير من جديد.
✦ ❖ ✦
كان حجم ميليشيا "بالتو" يتضخم مع كل يوم يمر.
الشباب، الذين بلغت كراهيتهم للعائلة الإمبراطورية أوجها، انضموا إلى قوات المتمردين تباعاً. وفي غضون أشهر قليلة، تم تنظيم جيش ضخم قادر على منافسة تحالف نبلاء الشمال. كان هذا النتيجة الحتمية لعمليات النهب العشوائي والقمع العسكري الصارم الذي نفذه الجيش الإمبراطوري على مدى السنوات الماضية.
«خونة أقذرين!»
ولي العهد، الذي أُجبر على تراجع مخزٍ جراء موجة هجمات منسقة من جيش "أماسينك" المدني، كان يتخبط في غضب ويطوح بخوذته على الأرض.
رفع فاركاس نظره عن المكتب الذي كان يحدق فيه. كان "غاريث" يبدو مجهداً من آثار أيام من القتال الشاق، وكان يصرخ وهو يرفس طاولة في زاوية الخيمة:
«أقسم بالآلهة، سأسلخ جلود أولئك الحشرات وأعلقها كالرايات في كل شارع بالعاصمة! بعد أن أفقأ أعينهم وأقتلع ألسنتهم وهم لا يزالون يتنفسون، سأقطعهم إلى أجزاء صغيرة وأنثرهم كسماد عبر هذه الأرض الملعونة! فقط انتظروا أيها الكلاب!»
استند فاركاس إلى كرسيه، ينتظر بهدوء انتهاء نوبة ابن عمه الهستيرية. وبمجرد أن استنفد الرجل غضبه بعد تحطيم كل ما كان مكدساً في الخيمة، انهار في مقعده بفرط تعب.
ورؤية لذلك، أصدر فاركاس أمراً للخادم الذي كان ينتظر بتردد عند المدخل:
«لا تقف هناك فقط.. صب لسموه كأساً من النبيذ البارد.»
«لا أريده! اخرجوا جميعاً!»
دفع "غاريث" الخادم الذي أسرع لالتقاط الزجاجة بقسوة، ثم وجه نظرة حارقة نحو فاركاس:
«كيف يمكنك الجلوس هناك بوجه لا أبالي هكذا؟ أظنك تجد إهانتي أمراً ممتعاً، أليس كذلك؟»
لم يقدم فاركاس أي إجابة، بل التقط الكأس الموجود على طاولته. وبينما كان يرطب شفتيه بالنبيذ، اندفع "غاريث" للأمام، وانتزع الكأس، ورماه في زاوية الخيمة قبل أن يقترب منه بنبرة مهددة:
«لماذا لا تجيب؟ أسألك إن كنت تجد حالتي مضحكة.»
«لقد اخترت الهدف الخاطئ لتفريغ غضبك،» قال فاركاس وهو ينظر إليه بوجه خالي من التعابير: «هل هكذا تعامل الرجل الذي قطع كل هذه المسافة لتنظيف فوضاك؟»
تجمد "غاريث" قليلاً، ربما لأنه قرأ التحذير الخفي في صوت فاركاس. أشار فاركاس بذقنه نحو الكرسي المقابل له:
«اجلس.. يجب أن نناقش خطوتنا التالية.»
«ما هذا الكبرياء؟ أظن أنه بعد تعيينك قائداً أعلى، أصبح ولي العهد يبدو كأنه أضحوكة بالنسبة لك؟» سخِر "غاريث" من بين أسنانه، ووجهه يتلوى غيظاً لكونه شعر بالخوف لبرهة.
خفض فاركاس صوته ليصبح بارداً كالثلج: «قلتُ لك اجلس.»
حدق فيه ولي العهد وعروق عنقه تبرز، لكنه في النهاية سحب كرسياً وجلس.
بسط فاركاس خريطة أمامه وبدأ شرحه بنبرة متزنة: «من الآن فصاعداً، ستتمركز وحداتك المباشرة في الخلف. ركز جهودك على إقامة معسكر في المنطقة الجنوبية الغربية من "أماسينك" وقطع خطوط إمدادهم.»
«هل تقول لي أن أهرب كالجابان لأتجنب بضعة عامة الشعب الأذلاء؟»
«هذه الانتفاضة هي نتيجة القمع القاسي الذي نفذته. جلالته يخشى أن تشتد كراهية أهل الشمال للعائلة الإمبراطورية أكثر من ذلك.»
احمر وجه "غاريث" من الانتقاد الصريح. ضرب بقبضته على المكتب وقال بغضب: «هل تقول إن هذا الوضع هو خطئي؟»
لم يؤكد فاركاس البيان ولم ينفه، بل واصل شرحه بهدوء: «إذا كان ولي العهد، الذي سيحكم الإمبراطورية يوماً ما، يرتكب مجزرة بحق جيش "بالتو" المدني، فإن الاستياء سيصل إلى مستوى لا يمكن إصلاحه. ولإعادة دمج "بالتو" في الإمبراطورية، قرر جلالته أنه بحاجة إلى شخص آخر لتلطيخ يديه نيابة عن ولي العهد.»
«وأنت هو رجل التنظيف المختار، أليس كذلك؟» سخر "غاريث". «وأنت، بدافع "ولائك الثابت"، قبلت العرض لتبصبح القائد الأعلى؟»
«بالضبط،» أجاب فاركاس بسلاسة. «ومع ذلك، يبدو أن ابن عمي مصمم على إحداث شقاق في ولائي تجاه الإمبراطورية.»
«...»
«إن لم أكن مطلوباً، أخبرني فقط. إذا أمر سموك بذلك، سأأخذ تعزيزاتي وأعود إلى الشرق بطيب خاطر.»
كز "غاريث" على أسنانه وكأنه على وشك الانفجار. وبعد صمت طويل ومكتوم، بصق ولي العهد الكلمات:
«حسناً.. سأتبع قيادتك في الوقت الحالي. ولكن بما أنني سأنقل وحداتي إلى الخلف، فمن الأفضل أن تكون النتائج مؤكدة.»
ومع ذلك، وقف وخرج من الخيمة.
في اليوم التالي، أعاد فاركاس تنظيم الصفوف فوراً وبدأ بالضغط على "أماسينك". لم تكن لديه أي نية لخوض معركة قسرية. وبعد عزْل المدينة بالكامل لمنع توسع قوات المتمردين، التي كانت تنتشر كالفطر السام عبر المنطقة، أقام فاركاس معسكراً في الشمال وحول مجرى نهر "لودين" الذي يتدفق إلى "أماسينك".
تطلب الأمر كمية هائلة من الأدوات السحرية والبارود لتغيير مجرى النهر الكبير، لكن النتيجة كانت لا تقبل الشك. ووفقاً للجواسيس المزروعين داخل الأسوار، بدأت علامات الانقسام تظهر بالفعل بين المواطنين.
أشارت السجلات الإمبراطورية التي أُخذت بعد سقوط المدينة السابق إلى أن "أماسينك" لديها مؤن مخزنة داخل أسوارها تكفي لمدة ستة أشهر على الأقل. أما الماء، فكان قصة أخرى؛ فبدونه، سيُجبرون على رفع الراية البيضاء في أقل من شهر. كل ما كان عليه فعله الآن هو انتظار اللحظة التي تخوض فيها الفئران المحاصرة صراعها الأخير واليائس.
نشر فاركاس طبقات من الفرسان حول بوابات المدينة استعداداً للمواجهة القادمة.
مرت عدة أسابيع. ثم وصل زائر غير متوقع إلى المعسكر.
«لقد مر وقت طويل، لورد "سيكان".»
التفت فاركاس، الذي كان يقف فوق برج المراقبة يطل على المدينة المعزولة، برأسه نحو الصوت. رأى بضعة مئات من الفرسان يحملون رماحاً تعلوها رايات خضراء يصعدون التل. نادى الرجل الضخم الذي يقودهم بنبرة مرحة:
«في الواقع، أظن أنه يجب عليّ أن أناديك بـ "سموك" الآن.»
قطّب فاركاس حاجبيه وهو يتعرف على وجه الرجل بعد لحظة. كان الابن الثاني لدوق "بليستون"، إحدى العائلات النبيلة الرائدة في الشمال. نزل السلالم واقترب من الرجل.
قفز الرجل من على حصانه وقدم يداً مؤدبة: «التقينا مرة في مناسبة بالقصر الإمبراطوري منذ زمن بعيد.. هل أنت بخير؟»
«لقد مر وقت طويل.» صافحه فاركاس وهو يتفحصه بنظرة حذرة.
كانت عائلة "بليستون" تتولى حالياً قيادة تحالف نبلاء الشمال بدلاً من بيت "هيمدال". لماذا كان الرجل الذي يفترض أن يكون في مفاوضات السلام في قصر "دوركين" هنا؟
وبينما أرسل له فاركاس نظرة متسائلة، صرح الرجل بمراده بنبرة حذرة: «لقد جئتُ ممثلاً لبيت "بليستون" لأقدم عرضاً.. هل لديك لحظة؟»
حدد فاركاس في عيني الرجل وكأنه يقيس نيته الحقيقية، ثم أشار نحو مدخل المعسكر:
«يمكنك الدخول.. ولكن أنت وحارس واحد فقط.»
تجمد وجه الرجل قليلاً، لكنه في النهاية أومأ برأسه بتنهيدة استسلام.
توجه فاركاس مباشرة نحو خيمته. وداخل خيمة القيادة الكبيرة، لم تكن هناك سوى الأساسيات الضرورية للحياة. دخل، وجلس عند طاولة اجتماعات بسيطة، وأشار للرجل بالجلوس.
جلس الرجل الذي كان ينظر حول المدخل أمامه في صمت.
«ما هو هذا العرض؟»
تسبب السؤال المباشر في ظهور علامات انزعاج على وجه الرجل؛ إذ لم يتوقع أن يدخل فاركاس في الموضوع مباشرة. تنحنح وقال بشكوى خفيفة:
«أنت مضيف بخيل.. ألا يمكنك حتى تقديم مشروب؟»
«سأقرر ما إذا كنت سأعاملك كضيف أم كدخيل بمجرد أن أسمع مرادك.»
وعند الإجابة الجافة، أطلق الرجل تنهيدة ثقيلة: «حسناً.. سأدخل في الموضوع مباشرة.. هذا...»
سحب الرجل مظروفاً صغيراً من صدره وقدمه. رفع فاركاس حاجبه: «ما هذا؟»
«رسالة شخصية من أخي الأكبر، الدوق "روين بليستون".»
تفحص فاركاس ختم عائلة "بليستون" على المظروف قبل أن يأخذ الرسالة ويكسر الشمع. وعلى الرق الأصفر، كان هناك طلب غير عادي: أن يوصي بـ "أنستير"، الابنة الشرعية لبيت "بليستون"، لتكون وليّ العهدة (زوجة ولي العهد).
خرجت ضحكة خاوية من شفتي فاركاس: «سخف! حتى لو كان تحالف نبلاء الشمال قد انحاز فنياً إلى العائلة الإمبراطورية الآن، فإن حقيقة أنكم جميعاً تآمرتم في تمرد "هيمدال" لا يمكن محوها. ومع ذلك، تريدون مني المساعدة في وضع ابنة عائلة خائنة على العرش كزوجة لولي العهد؟»
«في هذه المرحلة، لا توجد طريقة أخرى.» رطب الرجل شفتيه الجافتين بوجه متوتر وواصل بحذر: «سموك يعلم جيداً أن مشاعر أهل "بالتو" غير مستقرة. ولتهدئة هذا، يجب رسم صورة تتضمن احتضان الإمبراطورية لـ "بالتو" بكرم.. وما هي الصورة الأفضل من أن تصبح ابنة الشمال نقية الدم هي زوجة ولي العهد؟»
توقف وكأنه يطلب الموافقة. لم يقدم فاركاس أي إجابة، بل أشار له بالاستمرار.
أربك الموقف المستعلي الرجل، فمال للأمام فوق الطاولة: «كما هي الحال، لن تنتهي هذه الحرب حتى بعد عدة سنوات. والسبب في ركود معاهدة السلام لستة أشهر هو أن التحالف الشمالي لا يملك أي ضمانة لضمان مناصبه. ولكن إذا أصبحت "أنستير" زوجة ولي العهد، فإن ذلك الشك سيزول فوراً.»
نقر فاركاس بأصابعه على الطاولة، وهو ينظر إلى الرسالة. كان عرضاً مغرياً للغاية، وكان في الوقت الحالي الحل الأكثر واقعية. وكانت المشكلة هي ما إذا كان "غاريث" سيقبل بمثل هذه المساومة.
وبينما شعر بصداع يقترب، ضغط فاركاس على صدغيه؛ فلن يكون إقناع ذلك الرجل أمراً سهلاً. ومع ذلك، إذا استطاع توجيهه بشكل صحيح، يمكنه إنهاء هذه الحرب المجهدة بضربة واحدة.
إذا سارت الأمور على ما يرام، فقد يعود إلى قصر "رايدغو" بحلول الربيع. قبض على الرق بقوة:
«حسناً.. سأضغط لأجل ذلك.. ولكن لدي شرط واحد.»
«اذكره.»
«في اللحظة التي يتم فيها إتمام الزواج، يجب أن يقف تحالف نبلاء الشمال في مقدمة قمع المتمردين.»
«هذا...» تجمد وجه الرجل.
ضغط عليه فاركاس بقوة: «لا يجب رسم صورة للجيش الإمبراطوري وهو يقمع أهل الشمال.. يجب أن تكونوا أنتم أنفسكم من ينفذ حكم الإعدام بحق الخونة.. وهذه هي الطريقة لإثبات ولاء تحالف نبلاء الشمال أيضاً.»
«...»
«إن لم توافقوا على هذا، فلا يمكنني تقديم العرض لجلالته.»
وبعد تردد طويل، أجاب الرجل أخيراً بصوت ثقيل وخفيض: «فهمت.. سأنقل شروطك إلى أخي.»
وقف وقدم يده مرة أخرى.
وبينما كان فاركاس على وشك أخذها، دوى صوت بوق عالٍ من خارج الخيمة. التقط سيفه فوراً وركض للخارج، وفي الوقت نفسه، دوّت صرخات الجنود المدوية:
«لقد بدأ هجوم العدو!»


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا