الغصل (108) الحقل المنسي
الفصل 108
ارتسمت سخريّة باردة على طرفي شفتي فاركاس وهو ينظر إلى المرأة مسنداً ذقنه على يده. طفت على السطح ذكريات مريرة لزوجته وهي تهدده ذات يوم بأنها سترحل مع هذه المربية إذا أعادها إلى القصر الإمبراطوري.
«الدوقة الكبرى لم تعد بحاجة إليّ على أي حال.. لذا...»
ومع استطالة الصمت، أخذت المرأة تهذي وتثرثر بوجه متوتر. قاطعها فاركاس بالوقوف ببساطة، فتراجعت المرأة وفزعت إلى الصمت، وهي تسرق النظرات نحوه. أدار فاركاس عينيه بعيداً عن ذلك المشهد المثير للحيطة والأذى، وأصدر تعليماته للخادمات:
«خذن هذه المرأة إلى المطبخ فوراً.»
«سـ-سموك، وماذا عن طلبي...»
«عندما تبدأ هي بالأكل بمحض إرادتها، سأعيدكِ إلى القصر الإمبراطوري.»
فاضت علامات البهجة فوراً على وجه المرأة الأسمر، لكنه أضاف شرطاً كان كصّب الماء المثلج على فرحتها:
«ولكن، إذا رفضت حتى الطعام الذي تعدينه، فستُطردين من القصر بلا شيء سوى الثياب التي على ظهركِ.»
اختفت النضرة التي تدفقت إلى وجهها فجأة، ليتأرجح وجهها شاحباً كالملاءة البيضاء. مرّ فاركاس بجانب المرأة التي بدت وكأنها تريد الاحتجاج، وخرج من الغرفة. كسر الصالة وكان على وشك صعود السلالم عندما ناداه صوت مستعجل من الخلف:
«سموك!»
التفت فاركاس وقطّب حاجبيه وهو يرى "ريجين" يدخل الملحق. قطع الرجل الصالة بخطوات سريعة وسأل فوراً عن حال زوجته:
«كيف حال الدوقة الكبرى؟ هل ما زالت...»
«ما هو عملك هنا؟»
قاطعه فاركاس، ووجهه يفيض بالإرهاق. سرق الفارس نظرة نحو السلالم العلوية قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة:
«لقد انتهى الاجتماع. هذه هي قائمة المرشحين للحكام الجدد الذين سيتم تعيينهم في المناطق الشمالية الشرقية، بما في ذلك "تارلين". إذا وافقت، فسنبدأ إجراءات التعيين فوراً.»
مدّ "ريجين" حزمة من الرقاق كان يحملها تحت ذراعه. وبينما فتحها فاركاس واستعرض محتواها بسرعة، أضاف الرجل بحذر:
«أيضاً، أرسل السير "دارين" رسولاً. يبدو أنه يريد الاستفسار عن الوضع ومتى يمكنك العودة إلى موقعك.»
رفع فاركاس عينيه عن وثيقة الخدمة ونظر إلى الرجل. ابتلع "ريجين" ريقه بصعوبة وسأل: «كيف أرد على الرسول؟»
«أخبره أنني سأعود بعد انتهاء "موسم الراحة".»
طوى فاركاس الرق، وأدخله داخل معطفه، وأجاب بنبرة هادئة. تحولت تعابير "ريجين" إلى الصدمة؛ إذ لم يتوقع أن يبقى فاركاس في "كاللمور" لهذه الفترة الطويلة. لم يمنح فاركاس الرجل أي فرصة لمساءلته، فاستدار وصعد السلالم.
وعندما دخل غرفة النوم مجدداً، رأى زوجته نائمة عميقاً تحت تأثير الدواء المهدئ. أطال النظر إليها وهي تتنفس بانتظام ورموشها الطويلة متدلية، ثم مشى نحو الطاولة وسحب كرسياً. وخارج النافذة، امتدت سماء ضبابية كئيبة، وشعر أن الثلج قد يتساقط الليلة.
✦ ❖ ✦
استعادت "ثاليا" وعيها أخيراً مع اقتراب المساء. استدعى فاركاس الخادمات فوراً وأمرهن بإحضار الطعام.
وبعد فترة قصيرة، امتلأت الطاولة بحساء البيض، وكعكة محشوة بفواكه مجففة متنوعة، ولحم السمان المطهو على البخار. وبعد تفحص الأطباق، أومأ فاركاس للخادمات:
«هذا كل شيء.. يمكنكن المغادرة.»
«إذاً، يرجى استدعاؤنا متى احتجت أي شيء.»
بمجرد خروج الفتاتين، وضع كمية معتدلة من الطعام على صينية وتقدم نحو السرير:
«من فضلكِ، كُلي.»
عندما وضع الصينية على السرير، التفتت المرأة، التي كانت تحدق بفراغ خارج النافذة، برأسها نحوه أخيراً. كانت عيناها مشبعتين بكراهية عميقة. وتجاهل فاركاس ذلك، ودفع الملعقة في يدها قسراً، لنتحدث هي بصوت مجهد:
«إلى متى تنوي تكرار هذه المهزلة التي لا معنى لها؟»
رد فاركاس بلا أبالية وهو يجلس على طرف السرير: «هذا ما أود سؤالكِ عنه.. إلى متى تنوين إجباري على مواصلة هذا الصراع المجهد؟»
حدقت فيه عينان مظلمتان وعميقتان كالهاوية. ولم يضطرب فاركاس، بل دفع وعاء حساء البيض نحوها.
ولأن "ثاليا" نظرت إلى الأسفل غريزياً، أومض بريق من الفضول في عينيها لكسر من الثانية. بدت وكأنها لاحظت أن هذا الطعام مختلف عن الطعام الذي قُدم لها سابقاً. ضيقت عينيها لتفحص محتويات الوعاء، ثم حولت نظرتها إليه وسألت: «من أعد هذا؟»
أجاب فاركاس بهدوء: «أعدته مربيتكِ.. ظننتُ أنه إذا كان شيئاً صنعته هي، فقد تأكلينه حقاً.»
في اللحظة التي أنهى فيها كلامه، ألقت "ثاليا" الوعاء بعنف. ومع الصوت الحاد للزجاج المكسور، تناثر السائل الثخين بوضوح على السجاد.
«أرغمتَها على صنعه لأنك أمرتها بذلك على أي حال! هل ظننت أنني سأفرح بقبول شيء كهذا لمجرد أنك لوحت به أمامي؟»
ارتجف كتفا المرأة النحيلان وهي تلوي فمها بمرارة. بدت وكأنها تحاول السخرية منه، لكن مع تجمع الدموع في أطراف عينيها، لم تزدد إلا بؤساً. وواصلت السخرية منه بصوت متكسر:
«تلك المرأة لم تعد تعني لي شيئاً! لقد طردتها منذ زمن بعيد لأنني سئمتُ منها كما سئمتُ منك! لذا أرجوك، اخرجوا جميعاً من هنا!»
«إن لم تأكلي ذلك الطعام، على الأقل ستختفي تلك المرأة من حياتكِ إلى الأبد.»
تجمدت المرأة الغاضبة: «ماذا يعني ذلك؟»
«أليست هي تابعة للإمبراطورة؟ إن لم تكن ذات فائدة لكِ، فلا يوجد سبب لبقائها في قصري.»
«هل يعاني ذلك... أنك ستعيدها إلى العاصمة؟»
التوت شق شفتي فاركاس ببرود: «ولماذا أتجشم كل هذا العناء؟ لن أمنع الإمبراطورة إذا أرسلت أناسها لإحضارها، لكنني لا أنوي إهدار جنودي من أجل تلك المرأة.»
مرّ ظلال خفيف من الخوف على وجهها الجميل بشكل غريب. كانت هذه أول هزّة عاطفية تبديها منذ فقدان الذئب. ورؤية المرأة، التي كانت تبدو كجثة خاوية منذ نوبات غضبها، تتصرف الآن بهذا الاضطراب جعلت أحشاءه تتلوى لسبب ما. صارع لكي لا يظهر ذلك، وأضاف بنبرة جافة: «إذا كانت محظوظة، فقد تجد عملاً بسيطاً في مكان ما في "كاللمور".. وإن كان احتمال موتها في الشوارع أكبر بكثير طبعاً.»
«... هل تهددني الآن؟»
«أهددكِ؟ ولماذا أهددكِ؟» مال فاركاس نحوها وهو يبتسم بتهكم: «ألم تقولي إن تلك المرأة لا تعني لكِ شيئاً؟ كيف يكون تهديداً عندما أقول إنني سأطرد شخصاً لا قيمة له؟»
عضّت على شفتيها المشققتين. راقبها فاركاس بنظرة باردة قبل أن يقف ويمشي نحو الباب. وقبل أن يخرج مباشرة، جاء صوت مرتجف من خلفه:
«سآكل.»
قبض على مقبض الباب والتفت ليرى وجهاً شاحباً ملطخاً بملامح الهزيمة. بصقت الكلمات من بين أسنانها:
«سآكل، لذا فقط دعني وشأني.»
وقف فاركاس بلا حراك لبرهة قبل أن يعود إلى الطاولة. وضع كميات صغيرة من الطعام في طبق إضافي ووضعه بجانب السرير. وبيدين ترتجفان من الغضب المكبوت، رفعت الوعاء. وبدأت تبتلع الطعام شيئاً فشيئاً، وعلى وجهها تعابير وكأنها تلتهم قذارة.
وعندما انتهت الكمية أخيراً، رفعت وجهها الشاحب والمبلل بعرق بارد، وحدقت فيه:
«هل أنت راضٍ الآن؟»
نظف الأطباق الفارغة في صمت.
حدقت فيه "ثاليا" بعينين ترتجفان، وقالت بصوت حاد من بين أسنانها: «لقد فعلتُ ما أردت! الآن اخرج من هذه الغرفة.»
«بما أنكِ قد تحاولين إجبار نفسكِ على التقيؤ، سأبقى لهنائم قليلة أخرى.»
بدت هذه الإجابة وكأنها قطعت آخر خيط من عقلها. بدأت تلتقط أي شيء قريب من السرير وتلقيه عليه:
«اخرج! قلتُ لك اخرج! لقد فعلتُ كل ما أردته! فلماذا لا تزال تحوم حولي!»
أمال فاركاس رأسه قليلاً لتفادي كاسٍ طائر، وقطع المسافة إلى السرير بخطوة واحدة، ومسك بمعصميها. كان يخشى أن يغمى عليها مجدداً من شدة غضبها وهي تتخبط بعنف. جلس على طرف الكرسي، وأمسك بالمرأة التي تكاد تتشنج بإحكام بين ذراعيه.
بدأت "ثاليا" بالبكاء والتخبط بشدة أكبر:
«لا...! لا تلمسني...! مجرد لمسك يجعل جلدي يقشعر!»
دفعت يداها الشاحبتان، اللتان تظهر عروقهما عبر الجلد، صدره بيأس.
جمع فاركاس معصميها في يد واحدة واستخدم الأخرى ليضغط رأسها نحو كتفه. وظلا على هذه الحال لفترة طويلة حتى تسرب التوتر أخيرًا من جسدها الذي كان مشدوداً كوتر القوس.
وبمجرد أن أنهكت تماماً ولم تعد تفعل شيئاً سوى اللهث، أعادها إلى الوسائد وتفحص جبهتها بظهر يده. ولحسن الحظ، لم تكن تعاني من الحمى. أطلق تنهيدة صغيرة، لترفع المرأة رموشها المبتلة وتحدق فيه:
«أنا أكرهك.»
لم يبدِ فاركاس أي رد فعل. خفضت المرأة نظرها بتعب وغمغمت بصوت خافت:
«و... أنا أكره نفسي أكثر.»
✦ ❖ ✦
وقبل وقت طويل، كان "موسم الراحة" قد اشتد.
عصفت رياح باردة عبر ساحات التدريب التي كانت متجمدة ومغطاة بالبيضاء من الثلج الذي تساقط طوال الليل. رفعت "لوكاس"، الذي كان يلوح بسيف خشبي دون شيء سوى معطف خفيف فوق صدره العاري رغم البرد القارص، رأسه فجأة نحو السماء.
كانت الغيوم الرمادية تغطي الشمس، إشارة إلى أن المزيد من الثلج في طريقه للسقوط. وبينما كان يحدق بفراغ ونظرة مغبشة، جاء صوت ساخر من مكان قريب:
«هل حقاً لا تتذكر أي شيء عن كيفية إصابتك؟»
التفت "لوكاس" ورأى "باريدون" يجلس على سور ساحة المبارزة، ويدور خنجراً في إحدى يديه. أطلق "لوكاس" تنهيدة منزعجة:
«كم مرة عليّ أن أخبرك؟ أنا لا أتذكر.»
«لكنك تتذكرني، وتتذكر السيدة "راينا"، والجميع بشكل ممتاز،» رد "باريدون" وهو يُميل رأسه جانباً.
توقف "لوكاس" في منتصف الضربة، بعد أن كان يضرب دمية تدريب قشية مراراً وتكراراً، ونظر إلى الخلف:
«هل تتهمني بالادعاء؟»
«من قال ذلك؟ كل ما في الأمر... أنه أمر صعب الفهم قليلاً.»
«وصعب عليّ أنا أيضاً أن أفهمه،» زمجر "لوكاس" بنبرة يائسة، ووجه نظرة حادة نحو "باريدون": «أشعر وكأن شخصاً ما عبث برأسي كما يحلو له. أجد ومضات من الذكريات، ثم... تتوقف فجأة، وكأنني اصطدمت بجدار. خاصة...»
بلع كلماته عندما كان على وشك القول إن ذكرياته المتعلقة بالذئب الذي هاجمه وصاحب الذئب كانت مغبشة كضباب كثيف. ولسبب ما، شعر بتردد عميق في التعبير عن تلك الفكرة.
لمس الندبة على عنقه ونظر نحو طريق الغابة عند طرف ساحة التدريب. ووفقاً لشهادة الجنود، كان قد تعرض لكمين في مكان ما هناك من قبل ذئب ضخم تحتفظ به الدوقة الكبرى. وتلك المرأة هربت مع الذئب، وتركتـه ليموت.
لم يكن لديه طريقة لمعرفة لماذا يشعر صدره وكأنه فراغ خاوٍ كلما تفكر في تلك الحقيقة. كل ما يتذكره عن المرأة كان تفاصيل متفرقة مفادها أن علاقتهما كانت متوترة للغاية. يتذكر بضبابية عدة مشادات حادة بعد فترة قصيرة من عودة فاركاس إلى الشرق، لكن صورة المرأة الحقيقية كانت محجوبة وكأنها وراء حجاب.
لماذا اختفت ذكريات تلك المرأة بالذات تماماً؟
وبينما يطرح "لوكاس" السؤال على نفسه، شعر بألم حاد ومفاجئ يثقب صدغه، فقبض على رأسه. تسرب نفور غريزي عبر جسده، وشعر لسبب ما أنه لا يجب عليه تذكر أي شيء يتعلق بتلك المرأة.
«هل أنت بخير؟» سأل "باريدون"، وهو يهرع عندما رأى "لوكاس" يشحب.
أومأ "لوكاس" بيده إشارة إلى أنه بخير:
«كانت مجرد نوبة دوار عابرة.. لا تحدث ضجة.»
«هل تضغط على نفسك بلا داعٍ وتزيد حالتك سوءاً؟ لقد ألمح الكاهن الأكبر عليك بالبقاء هادئاً في الوقت الحالي.»
«لقد حبستُ في السرير لأكثر من شهر.. أليس هذا هدوءاً كافياً؟» صرخ "لوكاس" بانزعاج: «إذا كنت قلقاً جداً، فكف عن مضايقتي واذهب للقيام بعملك.. أليست يدك قصيرة وأنت تحاول تغطية واجباتي أيضاً؟»
«أنا في الواقع جئت لأرى متى ستتمكن من العودة.. ولكن بالنظرة إلى حالتك، يبدو أنني سأضطر للانتظار لفترة أطول.» أطلق "باريدون" تنهيدة ثقيلة وهو يدخل خنجره في حزامه.
أطلق "لوكاس" ضحكة خاوية: «إذاً، كنت تتجسس فقط لترى ما إذا كنت أتمارض؟»
«بالنظر إلى كثافة العمل الذي كان السيد "لوكاس" يتولاه، لدي شك معقول في أنك قد تمثل لتمديد إجازتك...»
"باريدون"، الذي كان يثرثر باستعلاء، سكت فجأة. ومن فوق أسوار القصر، دوّى صوت بوق يعلن عن وصول ضيف مهم. التفت "لوكاس" برأسه نحو بوابات القصر.
ومع الصوت العالي لحوافر الخيل وهي تضرب الأرض الحجرية، دخل نصف دزينة من الفرسان الركاب على أحصنة حرب ضخمة ساحة التدريب في تشكيل منظم. ومجرد التعرف على شعار فرسان "رويم" المكتوب على عباءاتهم، وضع "لوكاس" سيفه الخشبي جانباً وركض نحو البوابات.
«ما الذي أتى بكم إلى هنا؟» نادى بصوت عالٍ.
التفت الرجل في المقدمة برأسه. كان وجهاً معروفاً، "إدريك لوبون" إن لم تخنه الذاكرة. كان رجلاً يدخل قصر "رايدغو" ويخرج منه كثيراً كرسول إمبراطوري. قفز من على حصانه وقدم تحية مؤدبة:
«أعتذر للوصول دون إشعار.. لقد جئنا لتسليم رسالة من جلالة الإمبراطور.»
«رسالة من جلالته؟»
عند نظرة "لوكاس" الشكاكة، أومأ الرجل برأسه ووجهه جاد:
«لقد اندلعت انتفاضة شعبية عبر المناطق الشمالية. وهناك مخاوف من انتشار الوضع إذا تأخر القمع، لذا أمر جلالته جميع الحكام الإقليميين بإرسال تعزيزات فورية.»
حدث اضطراب ثقيل بين الجنود. نظر الرسول الإمبراطوري حوله وصرح كأنه يصدر بياناً:
«والشرق ليس استثناءً! على بيت "سيكان" اتباع أوامر جلالته والانضمام إلى القمع فوراً!»
✦ ❖ ✦
ظهر الدوق الأكبر في قاعة الاجتماعات بعد ساعة واحدة من عقد الجلسة الطارئة. وبينما كان فاركاس يخطو عبر القاعة بهدوئه التام المعتاد ويتولى مقعد الشرف، ساد الصمت الفجائي في الغرفة الضائجة.
منذ حادثة إخضاع الذئب الضخم، ظل الدوق الأكبر منغلقاً في الملحق، ويتعامل مع جميع الأعمال الرسمية كتابة. وكان هذا أول ظهور له في تجمع رسمي منذ ما يقرب من شهر. وطبيعياً، كانت نظرات التابعين مليئة بعدم ثقة قوي؛ إذ يبدو أنهم قلقون من أن الدوق الأكبر قد يحاول تحدي أؤامر الإمبراطور.
«أصدروا أمراً بالتعبئة للمناطق الشمالية الشرقية فوراً.. سأنشر أربعة آلاف فارس إضافي إلى الشمال.»
الدوق الأكبر، الذي كان يقرأ رسالة الإمبراطور بعناية، تحدث أخيراً. وقف أحد الرسل الإمبراطوريين الجالسين عند طرف الطاولة الطويلة فجأة للاحتجاج:
«أمر جلالته بنشر عشرة آلاف جندي إضافي!»
«لقد أرسل بيت "سيكان" بالفعل ثمانية آلاف فارس إلى الشمال.. لا أستطيع التخلي عن عشرة آلاف جندي آخرين بينما أمن الشرق غير مستقر أيضاً.»
«لكن الشرق يملك أكثر من خمسين ألفاً—!»
«إن إرسال أربعة آلاف آخرين يعني أن ما يقرب من ربع قوتنا الإجمالية أصبح بالفعل في الشمال،» قاطع الدوق الأكبر الرسول بصرامة: «أي شيء أبعد من هذا هو مطلب مفرط.. إذا كنتم لا ترغبون في خسارة قلوب أهل الشرق أيضاً، فنصحوا جلالته بأن يكتفي بأربعة آلاف.»
وعند الكلمات المليئة بتهديد خفي، تجمدت وجوه الرسل — باستثناء "إدريك لوبون". لكن الدوق الأكبر لم يهتم. وكأنه لن يسمح بأي دحض آخر، قام الدوق الأكبر بروح حازمة. ورؤية لذلك، تحدث "إدريك لوبون" بسرعة:
«كيف يجب أن أبلغ إجابتك على الأمر الذي يعين سموك كقائد أعلى للقوات الإمبراطورية المتألفة؟»
أومضت عينان زرقاوان رماديتان نحوه. وجاءت إجابة جافة: «أخبره أنني أقبل بقلب متواضع.»
ومع ذلك، خرج الدوق الأكبر من القاعة مرة أخرى.
عندها فقط، انكسر التوتر الخانق في الغرفة إلى موجة من الهمسات. وبينما اندلع نقاش حاد بين التابعين بشأن تجنيد الأربعة آلاف جندي الإضافيين، قام الرسل الإمبراطوريون واحدًا تلو الآخر.
"باريدون"، الذي كان يراقب الوضع بهدوء من طرف الطاولة، وقف ليرشدهم إلى غرفهم. ورغم أنه كان بإمكانه ترك الأمر للخدم، إلا أنه لم يكن ليستطيع السماح بانتشار شائعات مفادها أن رسل الإمبراطور يعاملون بشكل سيئ. اقترب من الحرس الإمبراطوري بأسلوب مرح:
«من فضلكم اتبعوني.. سأرشدكم إلى غرفكم.»
«شكراً لك،» أجاب "إدريك لوبون" بتهذيب.
قادهم "باريدون" خارج القاعة. وعندها، ومن شرفة متصلة بالقصر الرئيسي، تسرب صوت خفيض نحوهم:
«أنت، تعال وتحدث معي لبرهة.»
التفت "باريدون" برأسه واتسعت عيناه وهو يلمح الدوق الأكبر مستنداً إلى عمود الشرفة. أشار "إدريك لوبون" بإصبعه إلى نفسه وسأل: «أنا، يا سموك؟»
«نعم،» أجاب الدوق الأكبر بنبرته اللامبالية المعتادة وهو يخطو خارجاً من الظلال: «لدي معروف منفصل أود أن أطلبه منك.»


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا