الفصل (107) الحقل المنسي
نظر إليها فاركاس من بين أسنانه المكبوتة وهو يكزّ على غيظه، ثم صرخ باتجاه الباب:
«أحضروا الطعام فوراً!»
تراكضت الخادمات اللاتي كنّ ينتظرن في الممر، وهرعن نحو الأسفل بفرع. ولم يمر وقت طويل حتى عدن، ودخلن الغرفة بحذر وهن يحملن صواني مليئة بأصناف مختلفة من الطعام.
سحب فاركاس المرأة الضعيفة بقوة وأجلسها، ثم أسند ظهرها بالوسائد لتثبيتها. التقط وعاءً من الشوربة البيضاء من الصينية ووضعه بين يديها بقسوة.
«كفاكِ هذه التصرفات الطفولية وكُلي!»
انحرفت عيناها الزائغتان نحو الوعاء دون أي اهتمام. ولما لم تبدِ أي رد فعل، أضاف فاركاس بنبرة إحباط وتهديد: «إن لم تأكلي بنفسكِ، فسأجبركِ بالقوة.»
لكن ثاليا ظلت بلا حراك، كالدمية التي قُطعت خيوطها. وفي النهاية فقد فاركاس صبره؛ فانتزع الملعقة وأخذ بها القليل من الشوربة. وما إن قربها من شفتيها حتى أدارت رأسها بعيداً بانزعاج.
أمسك بوجهها بقوة ليفك فكّها قسراً. ولمّا حاول إدخال الشوربة في فمها، جاءه رد فعل عنيف أخيراً.
«لا!»
صرخت المرأة بحدة، ودفعت ذراعه بقوة غير متوقعة. تطايرت الملعقة وسقطت على الأرض، بينما انقلب وعاء الشوربة وتنسكب محتوياته على الفراش.
حدق فاركاس في هذا الخراب بعينين قاسية، ثم مد يده فوراً ليلتقط وعاءً آخر. كان الوعاء الفخاري الصغير يحتوي على مشروب مصنوع من حليب الماعز المخمر، وهو شيء كانت تحبه كتحلية. قربه من فمها وقال بصوت عالٍ:
«اشربيه!»
أغلقَت فمها بإحكام ولَفّت جسدها بعيداً عنه. أمسك بها وهي تحاول الهرب، وسمرها على ظهر السرير، بينما استخدم يده الأخرى ليضغط على وجنتيها ويجبر فمها على الفتح. صب السائل بكميات صغيرة، لكن ثاليا رفضت الابتلاع. تسرب المشروب الذي رفضت إمراره من حلقها، وبلل فمها وذقنها.
في تلك اللحظة، اشتعل الغضب في داخله.
شرب فاركاس باقي محتوى الوعاء في فمه هو. ثم أمسك بجسدها الملتوي بإحكام لمنعها من الهرب، واقتحم شفتيها بشفتيه.
عندها فقط، ظهرت شرارة من الغضب في عمق عينيها الفارغتين. ومن أين لامرأة صامت لأيام كل هذه القوة؟ كان ذلك سر غامض؛ إذ راحت يداها النحيلتان تخدشان صدره وعنقه بهستيريا.
لم يهتم فاركاس بألمها، ودفغ لسانه داخل فمها ليجبرها على الابتلاع. أخرجت أنيناً مكتوماً من حلقها المفتوح قسراً. وتجاهل مضايقتها وأرغمها على ابتلاع ما في فمه، لكن مع ضغطه على عنقها، عضت على لسانه بقوة. ولأنه كان يمسك بفكها، لم تكن العضة عميقة، لكن طعم الدم الملحي ملأ فمه.
في النهاية، ابتعد فاركاس عنها. واستغلت المرأة اللحظة وزحفت نحو الطرف الآخر من السرير. فأمسك بكتفها وهي تحاول الهرب وثبتها مجدداً على السرير.
كانت تلهث بشدة، وتحدق فيه بغضب من خلف شعرها المبعثر. كان وجهها مغطى بعرق بارد، وشفتاها وذقنها ملطخة بالدم والمشروب الأبيض الذي علق بصدرها الذي يعلو ويهبط.
نظر فاركاس إليها بعينين متعبتين وغاضبتين، وقال بصوت ثقيل:
«أخبريني.. ماذا عليّ أن أفعل لكي تأكلي؟»
فجأة، خرج صوت جاف ومتحشرج من شفتيها الجافتين. استغرق الأمر لحظات ليدرك أنها تضحك. وبعد أن استهلكت كل طاقتها في تلك المحاولة القصيرة، استلقت بضعف وهي تتنفس بصعوبة.
«تتحدث وكأنك ستستمع إليّ حقاً...»
«...»
«لن أنخدع بك مجدداً.»
انطفأ النور من عينيها مجدداً. حدقت في الفراغ وغمغمت وهي تخفض رموشها المبتلة:
«فقط دعني وشأني.»
شعر بضيق في قلبه أمام استسلامها التام. وضع فاركاس ذراعه خلف عنقها ليرفعها مجدداً. مهما قالت، كان مصمماً على جعلها تأكل.
أمسك بوجهها بيديه وأجبرها على النظر إليه. لكنها أغلقت عينيها ولم تتحرك. وبعد بضع ثوانٍ، أدرك أنها أغمي عليها تماماً من التعب. فصرخ نحو الباب:
«أحضروا طبيباً (كاهناً) فوراً!»
سمعت خطوات مستعجلة فور صدور الأمر. رفعها فاركاس بذراع واحدة ونظف الأغطية الملوثة. وبادرت خادمة ذكية بإحضار أغطية جديدة ونظيفة وفرشتها على السرير.
بعد أن أعادها إلى السرير، أخذ فاركاس منشفة رطبة ومسح وجهها. وطوال هذا الوقت، ظلت ثاليا فاقدة للوعي تماماً كالجسد بلا روح.
لم تفتح عينيها إلا بعد أن ألقى الكاهن تعويذة الشفاء.
قال لها الكاهن بنبرة جادة: «استعادة القوة بالسحر أمر مؤقت فقط. إن لم تتناولي الطعام والماء، فسيزداد جسدك ضعفاً.»
ظلت ثاليا صامتة وتنظر نحو النافذة. تنحنح الكاهن بإحراج ونظر إلى فاركاس، فأومأ له فاركاس بالانصراف. جمع الكاهن أغراضه وخرج.
وبعد أن خرجت الخادمات أيضاً، قدم فاركاس لها طبقاً من الفواكه المجففة بالمربى.
«كُلي.»
ردت المرأة بنظرة كراهية. ودون أن يتردد، التقط فاركاس قطعة كمثرى مغطاة بالعسل وقربها من شفتيها.
«إن كنتِ تريدين المقاومة مجدداً، افعلي ما شئتِ. سواء قاومتي أو أغمي عليكِ، سأكرر هذا آلاف المرات حتى تأكلي جيدا.»
حدقت فيه بتركيز قبل أن تفتح فمها أخيراً. شعر براحة هائلة كادت تجعله يفقد سيطرته. أسرع بوضع قطعة الفاكهة في فمها.
أبقتها في فمها، ومضغتها بضع مرات، ثم بصقتها فجأة على الفراش. تجمد وجه فاركاس من الصدمة والغضب. وابتسمت له المرأة بسخرية:
«رؤيتك تحاول هكذا تجعلني لا أرغب في الأكل أكثر.»
ضغط على قبضته بقوة حتى غُرست أظافره في يده. وكأنها تتحدّاه، أضافت بصوت مبحوح: «تفضل، حاول إدخالها قسراً.. وسأبصقها كلها مجدداً.»
ثم أطلقت ضحكة سخيفة وخاوية، تحطم معها عقله في ثانية.
وانتقاماً لتحديها، انتزع فاركاس قطعة فاكهة جديدة. وعندما أدخلها بالقوة في فمها، عضت المرأة أصبعه بقوة شديدة. رأى الدم يخرج من أصبعه، لكنه لم يهتم، فقد استبد به جنون أعمى.
«ابتلعيها!»
حدقت فيه بنظرة حادة وأسنانها مغروسة في أصبعه. تنفس فاركاس بصعوبة وقال من بين أسنانه:
«هل ستجوعين نفسك حتى الموت من أجل جرو ذئب؟»
كانت هذه الكلمات كالشعلة التي فجرت غضبها. بدأت تتخبط كالمجنونة. تمسك بها بقوة، لكن عندما لاحظ الكدمات تظهر على جلدها، لعن بصوت خافت وأطلق سراحها.
في اللحظة نفسها، ضربته على خده بكف حاد. حدق فيها بنظرة باردة. وكانت هي تمسك بصدرها وتتنفس بصعوبة.
«ماذا... ماذا تعرف أنت؟ كان "خان" هو كل ما أملك! بسببه فقط... توقفت عن الشعور بالألم... وأردت أن أعيش...»
بللت الدموع وجهها، وانقضت عليه وهي ترتجف:
«وانتزعته مني! ترجيتك كثيراً...! ترجيتك أن تنقذه...!»
صرخت بأعلى صوتها:
«أعد لي خان! أعد لي طفلي!»
أخذت تضربه بقبضتيها الضعيفتين على فكه وصدره وكتفيه. نظر فاركاس إليها وهي تبكي بحرقة، وأمسك بمعصميها بقوة:
«استوعبي ما تقولين! لم يكن طفلنا! كان مجرد وحش!»
«لا! لا! خان هو طفلي! أنت قتلت طفلي! أخذته مني مرتين!»
ظلت تتخبط كالمجنونة. ورؤيتها تفقد عقلها هكذا جعلت دمه يغلي. أمسك بوجهها بيديه وقرّب رأسه منها:
«طفلنا مات! ودفن في المقبرة منذ زمن بعيد!»
«اخرس! اخرس! قلت لك اخرس!»
صرخت وهي تخمش ظهر يديه بلا رحمة. شعر بأظافرها تغوص في جلده. أربك محاولاتها وهدّأ حركتها بالقوة، وأجبرها على النظر في عينيه:
«واجهي الحقيقة! ذلك الذئب كان مجرد حيوان مفترس تربى على يد البشر.»
ظهرت في عينيها الزرقاوين المليئتين بالدموع كراهية حادة كالسيف. لم يتوقف فاركاس وواصل كلامه بقسوة:
«بل إنه لم يكن أليفاً حتى. كنتِ تعلمين أن ذلك الوحش خطير، وأنتِ الآن تدفعين ثمن تجاهلكِ لذلك.»
سال الدم من يديه مكان أظافرها. ارتجفت شفتاها الجافتان قبل أن تبصق كلمة واحدة كالعنة:
«مُت.»
ومن بين أنفاسها المتقطعة، قالت بصوت ثقيل:
«أتمنى لو تموت فقط. (المترجم: موتي انتي 🫠)
في تلك اللحظة، اختفى الغضب الشديد الذي كان في داخله فجأة. ورد بصوت هادئ وخالٍ من المشاعر:
«إذاً جدي سماً أقوى في المرة القادمة، وسأشربه بنفسي.»
بدت كلماته وكأنها قضت على آخر أمل لديها. استرخى كتفاها الممدودان، وجفت دموعها في ثوانٍ. نظرت إليه بوجه شاحب كالأشباح وغمغمت:
«خان ليس هو الوحش... أنت هو الوحش.»
«...»
«أنت وحش قاسي بلا مشاعر. كان يجب ألا أتزوجك أبداً.»
وقف فاركاس متجمداً لمكان طويل. وفي النهاية، ابتسم ابتسامة جافة وساخرة من نفسه:
«الندم يأتي متأخراً دائماً، مهما كان مبكراً.»
حدقت فيه وكأنها تنظر إلى شيء تقزز منه، ثم أغلقت عينيها من التعب. كانت تبدو وكأنها ستفقد الوعي مجدداً إن ضغط عليها أكثر.
ترك محاولة إجبارها على الأكل ومشى نحو الموقد. وبينما كان يحرك النار، لاحظ يديه الملطختين بالدم. أخذ منشفة ومسح الدم. وفجأة شعر بتعب شديد وجلس على الكرسي، وأصبحت رؤيته مغبشة.
أمسك برأسه الذي يؤلمه، ونظر إلى السرير مجدداً. كان المظهر مؤلماً؛ السرير مبعثر من الصراع، وهي مستلقية عليه كالدمية المكسورة.
ولسبب ما، وجد صعوبة في التنفس. مسح وجهه بيده ورجع بجسده إلى الخلف في الكرسي.
✦ ❖ ✦
استمرت الأيام وكأنها حرب.
لكي يجعلها تأكل نصف وعاء من الشوربة، كان عليه أن يخوض معها صراعاً يستمر لثلاث أو أربع ساعات. وحتى لو أجبرها على بلع الطعام، كانت تقيؤ أغلبه. ويبدو أن الجسد الضعيف كان يستهلك الطاقة القليلة في صراعها معه.
ومع رؤيتها تنحف يوماً بعد يوم، شعر فاركاس بألم شديد في داخله. لقد أزعجته سابقاً بامتناعها عن الأكل، لكنه لم يواجه مقاوَمة بهذه الشدة من قبل.
كانت تبدو حقاً كشخص قرر الموت جوعاً. وبعد ساعتين من المحاولة لإطعامها شوربة الشوفان، رآها تضع أصلابعها في حلقها لتقيؤ. جذبها إلى أحضانه بقوة لتثبيت يديها، وصرخ على الخادمات المذعورات:
«أشعلوا المهدئ فوراً!»
أسرعت الخادمات وألقين أعشاباً مهدئة في النار. وحتى مع ذلك، كانت تحاول التملص من أحضانه.
«اتركني! قلت لك اتركني!»
لفها بالأغطية بإحكام حتى لا تستطيع الحركة وأسندها إلى السرير. وقبل أن يمر وقت طويل، استرخى جسدها تماماً. فجسدها الضعيف لم يتحمل حتى أثر الدواء الخفيف.
أبعد شعرها عن عنقها وهي مستلقية ورأسها على صدره. كان وجهها المليء بالعرق والدموع ينظر إليه بكراهية.
«رجاءً... توقف الآن. دعني وشأني.»
تجاهل رجاءها ومسح وجهها بقطعة قماش دافئة. وقبل أن يمر وقت طويل، فقدت الوعي مجدداً تحت تأثير الدواء.
أسندها على الوسائد ووقف. وبينما كان يغير قميصه الممزق، لاحظ أن الخادمات ينظرن إليه بإنزعاج. التفت إليهن وقال:
«ما الأمر؟»
«ذ-ذلك... كنا نتساءل إن كنت تريد معالجة جروحك يا سيدي...» قاطعتها خادمة بصوت خائف.
نظر إلى ذراعيه المليئتين بالخدوش. في الأيام الأولى كانت الجروح عميقة، لكنها الآن أصبحت خدوشاً بسيطة لأن قوتها تضعف يوماً بعد يوم. قال فاركاس وهو يزرر قميصه:
«لا داعي للقلق.»
«ولكن...»
«الأهم من ذلك، أين تعمل مربية الدوقة حالياً؟»
تفاجأت الخادمة بالسؤال وقالت:
«بريمدا تعمل في ورشة النسيج بالقلعة الخارجية. وبسبب وقاحتها مع سيادتها قبل سنوات، تم إبعادها تماماً...»
تحدثت الخادمة بتردد، خائفة من أن يعيدها لخدمة الدوقة. ارتدى فاركاس معطفه الأسود وأشار إلى الباب:
«أحضروا تلك المرأة إلى الطابق السفلي.»
بعد لحظة تردد، خرجت الخادمة. واستدعى فاركاس خادمة أخرى وأمرها بمراقبة ثاليا، ثم خرج من الغرفة.
نزولاً على السلالم، وصل إلى القاعة السفلى حيث توجد غرفة الاستقبال. جلس على كرسي مخملي وطلب نبيذاً ليرطب حلقة. وفي تلك اللحظة، أحضر الجنود امرأة قصيرة ذات بشرة سمراء.
تفحص وجهها الذي يعرفه منذ صغره. لم تكن تبدو وكأنها عاشت ظروفاً صعبة، بل كانت بدينة نوعاً ما.
«أ-أحييك يا سيدي الدوق،» قالت المرأة بخوف.
سكت فاركاس لبرهة، ثم قال أخيراً:
«إنها ترفض الطعام منذ أكثر من خمسة عشر يوماً.»
اتسعت عينا المرأة، ثم هزت رأسها وقالت:
«يبدو أن عادتها القديمة عادت مجدداً.»
تنهدت المرأة وكأن الأمر عادي:
«منذ صغرها، كانت تتوقف عن الأكل والشرب كلما غضبت، وتتعب الجميع... أتساءل متى ستكبر...»
ثم ضربت بكفها. ورغم سماعها أن الفتاة التي ربتها ترفض الأكل منذ 15 يوماً، لم تكن قلقة. حدق فيها فاركاس بنظرة حادة:
«احترمي نفسكِ. هل تعتقدين أنها ما زالت طفلة عندكِ؟»
خافت المرأة وانكمشت. ضغط فاركاس على عينيه المنهكتين وقال:
«أعدي لها طعاماً يمكنها أكله.»
«سـ-سيدي يعلم جيداً، عندما تغلق فمها لا فائدة من المحاولة...»
«ومع ذلك، كانت تأكل طعامكِ سابقاً. إن أردتِ أي مكونات سأحضرها لكِ. اصنعي ما تحبه وأحضريه.»
سكتت المرأة ولم تجب. فنظر إليها فاركاس بنظرة غاضبة جداً:
«ألم تسمعيني؟»
«سـ-سمعتك جيداً،» قالت الخادمة وهي ترتجف، لكنها أضافت بتردد: «سأفعل ما أمرت به... ولكن رجاءً، افعل لي معروفاً واحداً.»
ضحك فاركاس بسخرية: «هل تظنين أنكِ في موقف يسمح لكِ بالشرط عليّ؟»
«أنا لست من خدم القصر، أنا هنا فقط للاعتناء بالدوقة بأمر من الإمبراطورة.»
مال فاركاس للأمام وأشار لها بالكلام، فأكملت بسرعة وهي تغلق عينيها:
«ولكن بعد أن طردتني الدوقة وقالت إنها لا تحاجني، أصبحت أعمل مع الخدم الأذلاء. لم أعد أتحمل هذا المعاملة. عندما تستعيد صحتها، أرجوك أعدني إلى قصر الإمبراطورة.»


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا