الفصل (10) Love: zero
"أرني يدك اليسرى."
وبما أن «هانتر» كان أعسر، فقد كان يضرب الضاربات الأمامية ويؤدي الإرسالات بيده اليسرى.
نظر إليها بنظرة حذرة ومترابة، ثم اتجه بجرّ قدميه بكسل وترامي بجسده على الكرسي المقابل. تردد للحظة طويلة قبل أن يمد يده، وأصابعه منكمشة في قبضة محكمة.
"اقلبها واجعل الكف لأعلى وافتحها جيدا."
مع زفرة قصيرة، قلب «هانتر» قبضته وفتح أصابعه ببطء. وربما بسبب كثرة التدريب، كان كفه مليئاً بالثفنات (العقد الجلدية الصلبة) في أجزاء إمساكه بالمضرب. كانت «جيو» تعلم أكثر من أي شخص آخر أن «هانتر» كان جاداً تماماً بشأن التنس.
وباستخدام سبابتها، رسمت حرف (J) على كفه.
"مـ.. ماذا تفعلين! هذا يدغدغ!"
عصر «هانتر» قبضته وسحب يده، لكنها جذبتها بقوة إلى الخلف.
"استمع إليّ جيداً يا «هانتر هاميلتون»."
امتقع وجهه وتلوى بغضب، وحدق فيها وهو يتنفس بثقل، وكتفاه يرتفعان ويهبطان بشكل غير متناسق.
"أنت أعسر، لذا سأكتب اسمي على كفك الأيسر. هذه طريقة فعالة جداً ظهرت في كتاب كان الأكثر مبيعاً حسب صحيفة نيويورك تايمز، لذا افتح يدك مجدداً وتحمّل الأمر حتى لو دغدغك."
محدقاً فيها بنظرة مليئة بالشك وعدم الثقة الشديدة، فتح «هانتر» أصابعه ببطء مرة أخرى. وسرعان ما رسمت «جيو» باقي الحروف على كفه.
"حرف i، ثم i آخر، ثم u. هكذا، انتهينا."
توقفت في تفكير لثانية، ثم أغمضت عينيها بشدة وأمالت رأسها نحو يده. ولعشر ثانية فقط، لامست شفتاها كفه ثم ابتعدت.
"شهقة!"
سمعت «جيو» «هانتر» يحبس أنفاسه.
"مـ.. ماذا فعلتِ للتو...!"
رفعت «جيو» رأسها وأنهت شرحها بفضول وثقة مطلقة:
"الآن، عندما تمسك مضربك بهذه اليد، سيكون له التأثير نفسه تماماً كما لو كنتُ أشاهد بطولتك."
ومع ذلك، طوت أصابعه برفق نحو الداخل مجدداً.
"الآن أطبِق عليها بتمسك، كي لا تفقدها."
يا رب تنجح هذه الحيلة.. يا رب يصدقها.
اختلست «جيو» نظرة إليه لتقييم رد فعله.
ماذا لو غضب وسألني عما إذا كنتُ أعامله كأحمق؟
اكتفى «هانتر» بالتحقيق فيها وفمه مفتوح قليلاً، وهو يرمش بعينيه. كانت هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها يرتدي مثل تعبير الذهول والفراغ هذا. عضت شفتها لمنع نفسها من الانفجار ضاحكة، لكن «هانتر» شد قبضة يده فجأة بقوة.
إيك! هل هو غاضب؟
وبينما انكمشت «جيو» وتأملت ما إذا كان ينبغي لها الهروب عبر المزلقة، سمعته يبتلع ريقه بصعوبة.
"إستـ.. إذا لم ينجح هذا، يا «جو باركر»، فأنتِ ميتة!"
وصوته الذي يُفترض أنه تهديد، انكسر إلى صرير متهدج.
انتفض «هانتر» واقفاً من مقعده، مما أدى إلى سقوط الكرسي الصغير إلى الخلف بسقوط مروع.
ودون حتى أن يعيد الكرسي إلى وضعه، دكّ الأرض بأسلوب غاضب نحو الفتحة المتصلة بالمزلقة. ثم، وكأن حتى التزحلق إلى الأسفل سيستغرق وقتاً طويلاً، أمسك بالقضيب الحديدي فوق المدخل بذكاء بيده الواحدة وقفز قفزة صافية عبر جانب المزلقة.
"ما هذا الطبع السيئ للغاية."
تمتمت «جيو» بصوت خافض بينها وبين نفسها.
ترددت خطوات «هانتر» الثقيلة عبر الأرضية الحجرية للفناء الداخلي، متلاشية في الأفق حتى أُغلق الباب الحديدي الثقيل بدوي رنان.
هزت «جيو» كتفيها، ثم وقفت ونزلت المزلقة بتمهل. وبما أنها نجحت في التخلص من «هانتر هاميلتون»، الذي كان يزعجها بشأن عدم الذهاب إلى حفلة عيد الميلاد، فقد تحقق هدفها على أي حال.
✦ ❖ ✦
بعد ظهر يوم الأحد.
فتحت «أيون-جونغ» باب غرفة النوم على مصراعيه. وكانت «جيو»، المنكمشة في كرسي أرجوحة دائرية وهي تقرأ كتاباً، قد رفعت رأسها بفزع.
لوحت «أيون-جونغ» بيدها نحوها:
"«جيو»، اصعدي إلى الپينتهاوس فوراً. لديكِ موعد للعب مع «هانتر»."
"الآن؟ لماذا فجأة..."
"أوه، تحركي فقط. والدكِ مشغول بالعمل، ولديّ حجز لطلاء الأظافر فلا أستطيع الذهاب. اذهبي والعبي بمفردكِ. انتظري لحظة، هل يجب أن ألغي موعدي...؟"
وعندما نظرت إلى أظافرها، هزت «أيون-جونغ» رأسها:
" يا إلهي، إنها في حالة سيئة للغاية، لا بد لي من الذهاب حقاً. «جيو»، كفّي عن التلكؤ وقومي."
وبما أنه تصادف وجود بعض الكتب التي يتوجب عليها إعادتها على أي حال، أومأت «جيو» بالموافقة بسهولة. فقد حان الوقت تقريباً للتأكد من الكتب الجديدة التي وصلت إلى مكتبة غرفة ألعاب «هانتر». إذ كانت الكتب الجديدة تُجلب إلى المكتبة مرة كل شهرين.
كم سيكون الأمر رائعاً لو أن منزل «هانتر» خالي من وجود «هانتر» نفسه.
تمتمت «جيو» وهي تغادر الشقة. وبإذن من «لورين»، كانت تطرق باب غرفة الألعاب بين الحين والآخر حتى في عدم وجود «هانتر» لإعادة الكتب أو استعارة كتب جديدة. وكثيراً ما كانت «لورين» تقول إن قراءة «جيو» في غرفة الألعاب تؤثر إيجاباً على «هانتر».
وفي كل مرة تسمع فيها ذلك، كانت «جيو» تشعر بشعور غريب. فلم يكن «هانتر هاميلتون» من نوع الأطفال الذين يتأثرون بأي شخص، ناهيك عن شخص مثل «جو باركر».
وعند دخولها البهو، رفعت «جيو» سبابتها لتشير إلى الأعلى نحو «مايك»، الذي كان يقف خلف مكتب الاستقبال. كانت تلك إشارتها بأنها متجهة إلى الپينتهاوس.
لم يعد «مايك» يعترض طريق «جيو» أو «أيون-جونغ» عندما تستخدمان مصعد الپينتهاوس. وأومأ برأسه دون كلمة شكوى واحدة، ثم أجرى الاتصال عبر جهاز الاتصال الداخلي .
وفي اللحظة التي انفتحت فيها أبواب المصعد في طابق العائلة، انفتحت البوابة الأمنية بالداخل فجأة.
وقبل أن تتمكن «جيو» المذعورة حتى من التراجع إلى الخلف، دفع «هانتر» بشيء ما إلى الأمام بنظرة ظافرة تعلو وجهه.
كان كأساً فضياً براقاً.
بطول القسم الابتدائي، كأس العمدة دينكينز.
وقراءةً للنقش الموجود على قاعدة الكأس، تمتمت «جيو» بذهول:
"يا إلهي. لقد فاز بالفعل."
✦ ❖ ✦
بعد أن تأكد «هانتر» من وجود تميمة الفوز لدى «جيو»، تحولت النظرة في عينيه. لم يعد يعاملها كقطعة أثاث ثابتة في غرفة الألعاب.
فبعد أن كان يخصها بنظرة واحدة غير مبالية قبل أن يفقد اهتمامه تماماً حتى عند مشاركتهما المساحة نفسها، أصبح يتأملها في هذه الأيام بتركيز شديد يمتزج فيه الشك بالفضول، لدرجة أنها وجدت نفسها تتفادى عينيه الزرقاوين الحادتين بتكتم لمجرد عدم الارتياح.
وذات مرة، عندما تقاطعت طرقهما في المركز الرياضي المشترك مع مدرسة "ألتون"، سارعت «جيو» بتخفيض بصرها والتظاهر بعدم رؤيته. ورغم أنه لم يلقِ التحية عليها هو الآخر، إلا أنه بدا مستثاراً ومستفزاً للغاية من إهمالها لدرجة أنه ضرب قبضته بالجدار.
تمنت «جيو» لو يعود «هانتر» إلى ما كان عليه في الماضي. فقد كان الأمر أكثر راحة بكثير عندما كانت نظراته تخطفها بسرعة وبصورة عابرة، وكأنها مجرد كرسي بذراعين آخر أمام رفوف المكتبة.
وكانت المشكلة الأكبر هي أنه كان يستدعيها إلى بيت الشجرة في كل مرة تكون لديه فيها بطولة. وكان يدفع بيده اليسرى باستمرار أمام وجهها مباشرة، ملحاً عليها أن تسرع وتكتب اسمها.
غير أن «جيو» رسمت خطاً حازماً. فما لم تكن البطولة هامة ورئيسية حقاً، كانت ترفض التصرف كتميمة فوز له.
"كفّ عن التشبث بتميمة الفوز وطوّر مهاراتك الحقيقية يا «هانتر هاميلتون»."
في اللحظة التي خرجت فيها تلك الكلمات من فمها، سرت القشعريرة في ذراعي «جيو».
أن تقول شيئاً كهذا لـ «هانتر هاميلتون» تحديداً—هل كان بإمكانها النجاة بحدث كهذا؟ فالفتى الذي تعرفه لم يكن من النوع الذي يجلس مكتوف الأيدي ويسمح للأمور بأن تسير عكس رغبته.
وبالفعل، أومضت شرارة زرقاء خطيرة في عينيه. وإصابةً بالرعب، ارتعشت حدقتا «جيو» بشدة. وندمت فوراً على تفوهها بذلك. ولما صغرت كتفاها، وطدت نفسها لتلقي انتقام سيعود حتماً مضاعفاً عشرات المرات، سواء بالكلمات أو الأفعال.
ونافخاً صدره، جشّ «هانتر» على أسنانه لتقييد الغضب الذي لم يستطع إطلاقه. وارتعش فكه بجمود. ومع ذلك، لم يقل كلمة واحدة لـ «جيو». بل لم يكن باستطاعته ذلك.
فقد كان هو الطرف الذي يحتاج بشدة إلى تميمة الفوز. ورغم كرهه للاعتراف بذلك، إلا أن كلماتها لم تكن خاطئة.
وفي تلك اللحظة بالذات، انزاحت الأرجوحة التي كانت تميل دائماً وبقوة لصالح «هانتر» منذ أول لقاء بينهما، لتميل برفق نحو «جيو». ومعرفتها بهذه الحقيقة غريزياً، حبست «جيو» أنفاسها.
كان طعم الفوقية غير الناضجة حلو المذاق كغزل البنات. واستمتعت تماماً بذلك الشعور المثير.
دون أن تدري على الإطلاق كيف سينقلب هذا الميل بسهولة وبلا أدنى داعٍ قريباً.
✦ ❖ ✦
في سن الثانية عشرة. أتى الوقت أخيراً الذي طغت فيه الهرمونات تماماً على نشاط الدماغ.
خلال الفصل الدراسي الأول من الصف السادس، أقيم عرض موسيقي مشترك لمسرحية "بيتر بان" بين مدرسة "آستر" ( ومدرسة "ألتون" . والعرض الموسيقي، الذي تطلب المشاركة الإلزامية لكل طالب في الصف السادس، عمل كإمتداد لحصة المسرحيات والدراما في مادة الأدب الإنجليزي.
ومعلناً أنه يكره الرقص والغناء تماماً، تطوع «هانتر» لأداء دور قرصان، وهو دور لا يتطلب أكثر من الجري والجموح وفي يده سيف. وعلى المنوال نفسه، أطلقت «جيو» تنهيدة ارتياح عند تعيينها ضمن الفرقة الجماعية كواحدة من أطفال أرض الأحلام. وهو دور بلا أي أسطر أو حوارات.
وعقب العرض الموسيقي، شارك «هانتر» قمة الشعبية بين فتيات الصف السادس في مدرسة "آستر" جنباً إلى جنب مع «ريكس»، الذي لعب دور الكابتن هوك. وكلما حلّ وقت الغداء، كانت النقاشات المحتدمة تتفجر حول طاولات الكافيتريا حول أي منهما كان أكثر جاذبية ولطافة.
كان نقاشاً غريباً للغاية لمشاهدته.
كان كسرّ مكشوف أن «هانتر» هو الإعجاب السري لـ «سيينا ريد». وكان الاستماع إلى «سيينا» وهي تتحدث باستفاضة وتتنهد على الطريقة التي نظر بها إليها أو على كلمة واحدة تفوه بها مع إعطاء أهمية هائلة لها، أمراً يثير الذهول حقاً.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا