الفصل (11) Love: zero
كان «هانتر» الذي تعرفه «جيو» يفتقر تماماً لأي اهتمام بأي شخص آخر غير نفسه. وبناءً على ذلك، فإن كل ما فعله تجاه «سيينا» كان تصرفاً خالياً من أي معنى حقيقي. ومع ذلك، عند الاستماع إلى «سيينا» وهي تتحدث، كان المرء يقع بسهولة في وهم أن «هانتر هاميلتون» هو بركة مثالية أنعم الله بها على الأرض.
ولم يكن بوسع الأطفال الآخرين، مراعاةً لـ «سيينا»، إظهار إعجابهم بـ «هانتر» علانية. ومع ذلك، كلما مرّ بقربهم في طريق العودة إلى المنزل، كانوا يتبادلون نظرات ذات معاني ويهتفون ضاحكين فيما بينهم.
كانت الأشياء التي لم تكن مرئية من قبل تقع عليها عين «جيو» الآن هي الأخرى.
فالشلل و التكتلات التي بدأت تتشكل بسرعة منذ الصف الخامس قد توطدت وترسخت تماماً بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى الصف السادس. وكان الأطفال يدركون غريزياً المجموعة التي ينتمون إليها.
وكانت الفئة التي تنتمي إليها «جيو» هي فئة "المعقدين/المنطوين". ومعظم الأطفال الذين يقدمون أداءً جيداً في المدرسة ولكنهم يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية ويمتلكون قدرات رياضية متوسطة ينتمون إلى تلك الفئة.
وبغض النظر عن الجنس، كان الأطفال يتوقون للانضمام إلى فئة "الأطفال المحبوبين/المشهورين" التي ينتمي إليها «هانتر» و«ريكس». هؤلاء الأطفال، الذين يلفتون الانتباه مهما فعلوا، لم يكن لديهم سوى اهتمام ضئيل للغاية بالدراسة.
بالنسبة لأطفال الطبقة الراقية الذين يمكن التعرف على عائلاتهم فوراً لمجرد ذكر ألقابهم، لم يكن للذهاب إلى جامعة جيدة معنى كبير. ومع ذلك، لم يكن الأمر وكأنهم يذهبون إلى جامعات هامشية أيضاً.
فطالما كانت درجاتهم جيدة بما فيه الكفاية، كان أطفال الطبقة الراقية من ذلك الطراز ينتقلون إلى جامعات رابطة اللبلاب جيل بعد جيل من خلال وضع الميراث العائلي أو قبول الاستثمار والتطوير. وبناءً على ذلك، لم يكونوا يتصارعون بيأس على الدرجات أو المواهب الخاصة مثل باقي الأطفال.
وكانت حقيقة أن «هانتر» كرس نفسه للتنس وكأن حياته تتوقف عليه تعتبر حالة استثنائية إلى حد ما.
و«جيو»، التي كانت لا تزال تمقت أن تكون محط اهتمام، لم تكن لديها أي نية للانضمام إلى الفئة التي ينتمي إليها «هانتر» أو «سيينا»، حتى لو وجّهت إليها الدعوة. وليس وكأن شيئاً كهذا قد يحدث على أي حال.
وبعد حضورها المدرسة نفسها لما يقرب من سبع سنوات منذ الروضة، لم تعد تتصرف ككلب يطوي ذيله ويهرب كلما تحدث إليها أحدهم. ومع ذلك، فإن شخصيتها الطبيعية لم تتغير 180 درجة. وكانت «جيو» لا تزال تشعر بأقصى درجات الراحة عند اللعب مع صديقتها المفضلة «كلويه».
وبصرف النظر عن ذلك، انبثق قدر ضئيل للغاية من الفضول.
ما الذي يراه الأطفال بحق السماء في «هانتر» ليحبوه إلى هذا الحد؟
وبما أنها كانت ترى وجهه كل يوم، لم تكن تستطيع التمييز حقاً، ولكن بما أن الجميع يطلقون عليه لقب الوسيم، فقد افترضت أن الأمر كذلك.
كان طويلاً، وثرياً، ورياضياً.
حسناً، كان معظم ذلك صحيحاً.
لكن تلك كانت مجرد مظاهر خارجية.
فهل سيعجبون به هكذا لو اكتشفوا كم هو متمحور حول ذاته ومستبد في قراراته في الحقيقة؟ لم يكن «هانتر هاميلتون» فتى قادر على الإعجاب بأي شخص آخر غير نفسه.
هزت «جيو» كتفيها.
وسواء أعجب أي شخص بـ «هانتر» أم لا، لم يكن الأمر يعينها في شيء على أي حال. وكانت تعتقد بصلابة أنه سيظل لا يعنيها إلى الأبد.
في شهر أكتوبر، ارتدت الأشجار الممتدة على طول طريق الركض -وهو الطريق الفسيح المخصص للعربات والمحيط بخزان "جاكلين كينيدي أوناسيس" الواقع في الجزء الشمالي من "سنترال بارك"- حلة بألوان الخريف الخلابة.
وعندما حانت الساعة الثانية ظهراً، بدأ طلاب من مختلف المدارس الخاصة المجاورة في الجانب الشرق العلوي بالتجمع واحداً تلو الآخر على طريق الركض، يرتدون ملابس رياضية مطرزة بشعارات مدارسهم.
ودخلت «جيو» و«كلويه» ومجموعة من الفتيات أيضاً طريق الركض تحت إشراف معلمة التربية الرياضية. وعلى مسافة قصيرة، سار أولاد مدرسة "ألتون"، الذين يرتدون قمصاناً رياضية قصيرة الأكمام بشعارات بيضاء مطرزة على خلفية كحيلية، إلى الطريق أيضاً.
وابتداءً من الصف الخامس، عندما بدأت المرحلة المتوسطة، كان على الطلاب اختيار رياضة واحدة لكل فصل دراسي. وكانت «جيو» قد اختارت كرة الطائرة للفصل الدراسي الخريفي، والكرة اللينة للفصل الدراسي الشتوي، واللاكروس للفصل الدراسي الربيعي.
ومع ذلك، وبعد تجربة القليل من كل شيء، خلصت إلى أن الرياضات الجماعية كانت هدر للوقت. وذلك لأن الأطفال المحبوبين كانوا يتزاحمون بأكتافهم ويمررون الكرة فيما بينهم فقط، تاركين إياها تقف على الهامش مجرد شخص إضافي طوال العام.
وهذا العام، اختارت الرياضات الفردية: ألعاب القوى، والعدو الريفي ، والجري في الهواء الطلق. ورغم أن الأسماء اختلفت قليلاً في كل فصل دراسي، إلا أنها كانت في النهاية حدثاً واحداً، وهو الجري.
لم تكن مدرسة "آستر" ومدرسة "ألتون"، مثل غيرهما من مدارس مانهاتن الخاصة، تمتلكان ملاعب رياضية خاصة بهما. وكان لديهما مركز رياضي، لكنه لم يكن كبيراً بما يكفي لرياضات المدمجه. لذلك، كانت معظم المدارس تستخدم "سنترال بارك" كملعب لها.
وهذا العام، كان «هانتر» قد اختار ألعاب القوى هو الآخر. وكان سببه أنه، على عكس الرياضات الجماعية، يتيح له الانصراف في الساعة 3:20 عصراً.
فقد كان لديه تدريب في أكاديمية التنس في جزيرة "راندالز" من الساعة 4 عصراً حتى 7 مساءً من الاثنين إلى الخميس، وللوصول في الموعد المحدد، كانت الرياضات مثل كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية أو الهوكي -التي تنتهي في حدود الساعة 5 مساءً- غير واردة على الإطلاق.
ومع ذلك، كانت هناك نتيجة غير متوقعة هي أنه بسبب اختيار «هانتر» لألعاب القوى، فقد تدفقت موجة ضخمة من الأطفال المحبوبين، بمن فيهم «سيينا»، نحوها أيضاً.
لو كنتُ أعلم أن الأمر سيكون هكذا، لكنتُ اكتفيتُ بكرة الطائرة.
ندمت «جيو» على اختيارها متأخرة.
وكان الموقع الذي تقيم فيه كل مدرسة معسكرها الأساسي قد تحدد بفضل الأعراف والتقاليد القديمة. وأقامت مدرسة "ألتون" معسكرها الأساسي على مسافة أبعد قليلاً في الطريق من مدرسة "آستر".
وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن «هانتر» قد أدرك مقدار اظفر أن هناك شيئاً اسمه اللياقة والأخلاق يجب الحفاظ عليه بين البشر. وعندما مرّ بجانب قاعدة مدرسة "آستر" ولفتت «جيو» انتباهه، حيّاها بإيماءة خفيفة من ذقنه. وردت «جيو» التحية أيضاً بإمالة ذقنها بشكل طفيف للغاية.
وبما أنه كان تصرفاً حدث في لمح البصر، فلحسن الحظ لم يلاحظه أحد.
وكالمعتاد، قام الأطفال بالإحماء وانطلقوا معاً من خط البداية، يتقدمون أو يتخلفون كلٌّ حسب سرعته الخاصة.
أحبت «جيو» هذا الوقت الذي تقضيه في الجري بمفردها. ورغم أن شارعاً واحداً فقط كان يفصلهم عن الشارع الخامس ، إلا أنه بمجرد أن تخطو داخل "سنترال بارك"، حتى الهواء كان يبدو نقياً ومنعشاً.
درجة حرارة أشعة الشمس اللطيفة المستقرة على كتفيها، وأوراق الخريف الحمراء التي ترفرف هابطة، والخزان المائي الذي يتلألأ وهو يعكس شمس الظهيرة، والأفق البعيد للجانب الغربي العلوي .
وبينما كانت تجري وهي تتأمل المشهد الذي يبدو وكأنه ينتمي إلى دليل سياحي، لم تكن تستطيع سوى سماع الصوت الإيقاعي لأقدامها وهي تضرب الأرض وأنفاسها، بينما تلاشت جميع الضوضاء الأخرى.
عادةً ما كان الأمر يسير على هذا النحو.
لكن فجأة، تردد أصداء خطوات إيقاعية تهز الأرض خلفها. وجِلةً، ألقيت «جيو» نظرة إلى الخلف وهي تجري. كان أولاد مدرسة "ألتون" يجرون في مجموعات تضم كل منها عشرة أطفال. وكان يجري في المقدمة تماماً «هانتر»، الذي كان أطول من باقي الأولاد برأس كامل.
ومرتبكةً إثر التقاء أعينها فجأة مع «هانتر» في منتصف الجري، نظرت «جيو» إلى الخلف مراراً وتكراراً وجرت بشكل مائل للخروج من طريقهم. وأثناء قيامها بذلك، تشابكت أقدامها.
وقبل الارتطام والتحطم مباشرة على الأرض الترابية الجافة، أغمضت عينيها بشدة. وانكشط فخذها وركبتها معاً في وقت واحد ضد التراب، واصطدم الجزء الحاد من كوعها بالأرض، مما جعل العظم ينبض بألم شديد.
"أوه، انظروا إلى هناك!"
"تباً، لقد سقطت سقطة مروعة."
"ما كان اسمها مجدداً؟"
"أليست «أوليفيا»؟ طفلة أرض الأحلام ."
"أوه، أنت على حق! هل يجب أن نساعدها؟"
انهالت أصوات الأولاد الذين دخلوا مرحلة البلوغ للتو دفعة واحدة.
ظنت أنها قد خفّت نفسها تماماً وبشكل مثالي في الزاوية كشخصية إضافية غير ملحوظة طوال العرض الموسيقي. لم تكن تتوقع أن يتذكر أي طفل اسمها.
"اخرسوا واجروا فقط."
وسط هذا اللغط، كان صوت «هانتر» الحاد والمنفجر مميزاً حتى دون الحاجة للنظر.
أغمضت «جيو» عينيها بشدة. وبصرف النظر عن الألم، فإن حقيقة أنها سقطت بشكل مضحك أمام «هانتر» وأولاد مدرسة "ألتون" كانت مهينة ومذلة بشكل لا يطاق.
أريد أن أغوص مباشرة في الخزان المائي.
وداعمةً الجزء العلوي من جسدها عن الأرض بكفيها المدميين، التقت أعينها مرة أخرى مع «هانتر»، الذي كان يمر بجانبها للتو. وماراً بها بعينين مضيقتين في تكشيرة محاكمة، شاح ببطء بعيداً وأدار رأسه جانباً.
وبشكل غريب، اجتاحها شعور بائس. وتورد وجهها حرارةً، تماماً كما لو أن حمى تدفقت عبر جسدها بأكمله من الإنفلونزا.
إلى أي مدى سيسخر ويضحك مني بسبب هذا مجدداً؟
ومع تحني رأسها نحو الأسفل، عندها فقط شعرت «جيو» بالألم. كان كاحلها ينبض، وركبتها مكشوطة، وخدش طويل على فخذها ينضح بالدم. كما بدأ دم أحمر قانٍ يترقرق من كوعها المكشوط. وتجمعت الدموع في عينيها، لكنها حبستها بصلابة. فالبكاء أمام الآخرين لن يجلب سوى الاهتمام.
عليّ القيام بسرعة.
في تلك اللحظة بالذات، ظهر زوج من الساقين يرتديان سروالاً رياضياً قصيراً أزرق اللون أمام عينيها. وكان الشعار الأبيض مطرزاً على الحافة اليسرى للسروال.
وقبل أن تمكن «جيو» حتى من النظر إلى الأعلى، قُبض على ذراعيها الاثنين ورُفعت باستقامة إلى الأعلى. لمسة خشنة خالية من المراعاة، وزوج من الكتفين الزاويين عند مستوى عينيها.
ودون النظر إلى وجهه، كانت تعلم أنه «هانتر».
وعندما رفعت نظرتها إليه، كان يلهث بثقل، ويمسح العرق عن جبهته برباط معصمه.
"هل أنتِ مجنونة؟ لماذا كنتِ تجرين بشكل مائل؟"
"......"


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا