الفصل (99) الحقل المنسي

 


الفصل 99

كانت ثاليا تحدق فيه بتركيز شديد، وعيناها تلمعان بريقاً من مشاعر الترقب والانتظار، وسألته:

"ما رأيك؟"

أجابها بجفاء وعينان غائبتان: "…… إنه مقبول."

وعند رده البارد، مر طيف خفيف من خيبة الأمل على وجهها، فاستطردت:

"أهذا كل شيء؟"

قطب فاركاس حاجبيه؛ فلم يكن يدرك بتاتاً ما الذي تريده هذه المرأة منه. هل كان يجدر به أن يكيل المديح لنكهة النبيذ بإسراف؟ ثار في نفسه شك غريب بسبب إلحاحها غير المعتاد، لكنه لم يشأ إفساد مزاج امرأة تكبدت كل هذا العناء لإعداد الوجبة من أجله.

فتح فمه لينطق ببضع كلمات أخرى، وفي تلك اللحظة بالذات، اشتعل إحساس حارق في حلقه. قبض فاركاس على الطاولة انعكاسياً؛ فالسائل الذي كان ينزلق في مرئه بدا وكأنه شفرة حادة تمزق أحشاءه الداخلية.

"…… ماذا وضعتِ في النبيذ؟"

أنكرت بصوت مرتعش: "لم أضع فيه أي شيء."

نظر إليها فاركاس بعينين غائمتين قبل أن يجبر نفسه ببطء على النهوض، وشعر بأنه سينهار بشكل مخزٍ إن لم يستلقِ على الفور.

وترنح متوجهاً نحو السرير، ثم ارتمى فوق الملاءات. ومع بدء تدفق الدماء إلى رأسه، استقرت رؤيته المشوشة قليلاً، غير أن شعوره بالعجز والوهن ازداد شدة.

هل أعطتني عقاراً شديد المفعول إلى هذا الحد؟ حاول بجهد مضنٍ أن يقبض أصابعه ويبسطها، لكنها كانت تتصلب وكأن الشلل قد أصابها. دنت ثاليا من جانب السرير وتطلعت في وجهه عن كثب وسألته:

"بماذا تشعر؟"

ضيق عينيه، عاجزاً عن فهم الغاية الكامنة وراء سؤالها. ما الذي تريد هذه المرأة معرفته بالضبط؟ ورغم كل شيء، شعر بأن عليه الإجابة.

فتح فمه ليصف الأحاسيس التي تتملكه، وعندها اندفع شيء ساخن من أعماق معدته المضطربة. التوى جسد فاركاس إلى الجانب غريزياً، وانبثق سائل معدني القوام من حلقه ليتدفق فوق الملاءات. واستغرق الأمر بضع ثوانٍ أخرى ليدرك أن ما تقيأه لم يكن سوى دماء.

تلطخت رؤيته بالسواد وهو يلهث بخشونة ليتنفس. ومن مكان بعيد، تناهى إلى مسامعه صوت شخص يصرخ باسمه. أراد الاستجابة لذلك النداء، لكن لسانه المتجمد رفض الحراك.

كان جسده المتهاوي يغرق في مكان ما؛ لقد كان نهر الدماء ذاته الذي رآه ألف مرة في أحلامه. ووسط أمواج الموت اللزجة تلك، أفلت في النهاية الشيء الذي كان يتشبث به بيأس.

وسرعان ما خيم سكون تام.

كان عالماً من العدم المحض، حيث لا يمكن الشعور بأي شيء.

✦ ❖ ✦

كان الصبي يحلم.

في الحلم، يجلس فتاة ذات شعر بلون العسل الداكن على حجره ويقبل شفتيها الوردية.

وتلك القبلة، التي بدأت بمداعبة طفولية، تحولت تدريجياً إلى شيء عميق وكثيف. ورغم علمه أنها لم تبلغ السن المناسبة بعد لمثل هذه الأمور، إلا أن الصبي لم يكترث.

ولم يمضِ وقت طويل حتى استعر جسد الصبي ككور حداد. ورغم تلك الحرارة المضنية التي تملكته، إلا أن شعوراً بالسعادة الغامرة ملأ زاوية من قلبه.

أما الفتاة التي دفعته إلى هذه الحمى، فكانت تثرثر دون انقطاع عن شيء ما. ونظر الصبي إلى ذلك الوجه البريء الذي لا يملك أدنى فكرة عن شوقه، فسرى في نفسه ألم عذب وحاد في آن واحد.

وفي النهاية، فقد الصبي سيطرته على نفسه، وقبلها بشغف أكبر. وكأنها تستجيب له، تغلغلت أصابع الفتاة في أعماق شعره.

واجتهد بيأس لكبح رغبته في تمرير يده تحت ثيابها، وسحب رأسه إلى الخلف بصعوبة. فابتسمت الفتاة بخجل ووجهها يفيض حمرة.

وفي تلك اللحظة، تلاشت الفرحة الطاغية التي تملكت الصبي كالدخان.

فتح عينيه على قلب مقفر وخاوٍ، وسرعان ما استبد به مقت شديد لنفسه.

لم يكن الصبي يفهم لماذا يتكرر هذا الحلم معه؛ ففي الواقع، لم تكن الفتاة سوى شائبة تعكر صفو حياته، وبدت صورة نفسه وهو يضمها ويبتسم بسعادة غريبة عنه تماماً.

وسرعان ما أقصى الصبي ذلك الوهم الذي نسجه عقله، واصفاً إياه بأنه زلة لا مفر منها سببتها مرحلة نموه الجسدي؛ فمن الطبيعي أن يستجيب الجسد للجنس الآخر المتواجد في محيطه المباشر.

وبعد أن توصل إلى هذا الاستنتاج العقلاني، نهض الصبي من فراشه.

وعند النافذة، كان ضوء الفجر يسطع ببرودة حادة كالشفرة.

واندفع ضوء الشمس كالموج، ليمحو ويغسل ما تبقى من آثار الحلم العالقة في شبكيته.

وفي التو، عاد عالمه إلى حالة من الاستقرار.

عالم متقن ومنظم تماماً؛ تلك كانت الحياة التي قُدر له أن يحياها.

وقال الصبي لنفسه:

هذا الارتباك غير المرحب به سينتهي قريباً. سأواصل حياتي الراسخة داخل الإطار المحدد لي منذ ولادتي، ولن تظل الفتاة سوى علاقة عابرة سيئة الطالع.

وبعد أن غسل تماماً بقايا العواطف غير الضرورية، خطا الصبي خارج ملاذه.

لكن في اللحظة التالية، اجتاح الدم والظلام عالمه.

كان الشاب يطأ شيئاً ما في زقاق خلفي قذر تفوح منه رائحة نتنة.

وانتقلت عيناه، اللتان كانتا تتطلعان إلى الهلال المتوهج بخفوت بين الغيوم، ببطء نحو الأسفل.

وامتد في رؤية الشاب وجه رجل استحال إلى رمادي شاحب بعد أن قذف بكل الدماء التي في جسده. كانت عينا الرجل مقلوبتين إلى الخلف تظهر فيهما الشعيرات الدموية المنفجرة، وبدت لثته الدامية مكشوفة بعد أن قُلع كل سن من أسنانه. وداخل فمه المفتوح بشكل غير طبيعي، لم يكن هناك سوى بركة من الدماء الداكنة بدلاً من اللسان.

وسرعان ما تذكر أن ما كان يطأه بقدمه هو لسان ذلك الرجل. ونقل الشاب نظره إلى معصمي الرجل الخاويين.

كانت يدا الرجل المقطوعتان بعناية مدفونتين في كومة من بقايا الأسماك المتعفنة التي ألقاها الصيادون. ونقل نظره إلى الأصابع البارزة من جيف الأسماك، وسأل نفسه:

ماذا أفعل هنا؟

وتذكر عيني الكاهن الفولاذيتين وهما ترقبانه من خلال شق في الباب، كما خطرت بباله نظرة والده التي ترمقه وكأنه يرى شيئاً مقززاً.

هل لمحوا هذا المشهد في داخلي مسبقاً؟

وبعد أن حدق طويلاً في وجه الجثة التي بدت وكأنها تشهد الجحيم عينه، خرج الشاب من الزقاق المنعزل.

وفي تلك اللحظة، سطع ضوء القمر المخترق للغيوم بشكل صارخ على جسده الملطخ بالدماء.

لعله بدا في هيئته الحالية غريباً عن كل ما يمكن تصوره عن فارس إمبراطوري، بل لعله لم يكن يحمل هيئة بشر أصلاً.

وفكر في مثل هذه الأشياء ببلادة وهو يسير ببطء وسط الظلام، بينما كانت رياح النهر تهب دون انقطاع وسط السكون الكثيف، غير أن رائحة الدم المحيطة به لم تظهر أي علامة على التلاشي.

واجتاحه سؤال مفاجئ:

ليست هذه المرة الأولى التي أقتل فيها نفساً، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد. فلماذا أشعر هكذا؟

ومن وراء تموجات نهر سيلفيسكا، تردد صدى صراخ الفتاة.

وسرى قشعريرة في عموده الفقري عند إدراكه المفاجئ بأن صوتها هو ما دفعه إلى هنا.

"خطر."

ثقبت تلك الكلمة المفردة عقله كالمخرز.

وعندها فقط أدرك أنه يقف أمام حد لا يجوز له تخطيه.

ماذا يحدث لي إن عبرت هذا الخط؟

وومضت في مخيلته مشاهد من الحلم الذي تكرر لشهور؛ الحلم الذي يجعله يتقد بالحمى ويشتاق إلى ما لا يريده.

غير أن تلك الرؤية تلطخت قريباً بصورة برناديت الهزيلة وهي تذبل، ووجه الإمبراطور الذي يزعم أنه عبد لامرأة رغم أنه يملك العالم بين يديه. كما رأى الفتاة وهي تصرخ بينما يثبتها الرجل الذي بات الآن جثة متعفنة.

وفي تلك العينين اللتين مزقتهما الدموع، والخوف، واليأس، شعر غريزياً بأن هلاكه ينتظره هناك.

لكن الوقت لم يفت بعد.

إذا سلك المرء طريقاً خاطئاً، فكل ما يحتاجه هو الالتفات والعودة.

وكما دأب دوماً، بتر بلا رحمة كل الشوائب التي تعكر صفو عالمه الصلب.

ومع ذلك، غرق عالم الشاب مرة أخرى في سكون يشبه الموت.

وفي تلك المياه العميقة والمظلمة، لم يطفُ على السطح لفترة طويلة.

✦ ❖ ✦

استرد وعيه عندما ملأ ضوء الغروب الساطع أرجاء الغرفة.

وبالكاد رفع فاركاس جفنيه اللذين تيبسا كجلد غير مدبوغ، وتفحص ببطء وبعينين مشوشتين الغرفة المصبوغة باللون القرمزي.

ولفترة من الوقت، لم يستطع حتى تمييز المكان الذي يتواجد فيه، ولم تبدأ تروس أفكاره المتوقفة في الدوران مجدداً إلا بعد مرور عدة دقائق.

…… كم من الوقت قضيت غائباً عن الوعي؟

أثبت ذراعيه الثقيلتين كالرصاص على حافة السرير. وبينما كان يحاول رفع الجزء العلوي من جسده، بدد صراخ حاد وثاقب سكون المكان:

"يا صاحب السمو! أأنت مستيقظ؟"

التفت برأسه نحو مصدر الصوت، فرأى رئيس الخدم يهرع إلى الغرفة وهو يقبض على جرة كبيرة. وضع الرجل الجرة على الرف بقوة كادت تطيح بها، ثم ركض مباشرة نحو جانب السرير مردفاً:

"الحمد لله! لقد كنت قلقاً جداً من ألا تستيقظ ثانية……!"

وتمتم رئيس الخدم بنبرة مضطربة وهو يضع وسادة خلف ظهره ليدعمه.

أراح فاركاس رأسه على مسند السرير وضغط بشدة على جفنيه اللذين كانا يؤلمانه وكأن أحدهم سكب فيهما شظايا زجاج مكسور. ورؤيةً لهذا، سارع رئيس الخدم إلى رن الجرس الموضوع على الطاولة الجانبية لاستدعاء بقية الخدم:

"لقد استيقظ سموه! احضروا الطبيب فوراً!"

وسرعان ما تردد صدى خطوات متسارعة ومتخبطة في الردهة، واقتحم الغرفة ثلاثة أو أربعة من الخدم برفقة الطبيب الخاص الذي كان يرتدي رداءً كاهناً. وبينما كانوا يتحلقون حول السرير في جلبة وارتباك، ظل فاركاس مغمض العينين بشدة، منتظراً أن تبدأ موجة الخمول الساحقة في الانحسار.

كم من الوقت ظل مستلقياً هناك؟ أخرج الكاهن، الذي كان يتدفق بالطاقة الإلهية في جسده، زفيراً مثقلاً بالتعب:

"يبدو أن الأزمة قد مرت أخيراً. وعاد التدفق المضطرب للمانا إلى حالته الأصلية."

فتح فاركاس عينيه لينظر إلى الكاهن، فمسح الرجل العرق البارد عن جبينه وأضاف بنبرة ثقيلة الوزن:

"لا يوجد تفسير لهذا سوى التدخل الإلهي؛ فحالات النجاة من تجرع سم 'أغور' القاتل يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة في التاريخ بأكمله."

سم قاتل.

ردد فاركاس الكلمتين داخلياً وهو يتطلع إلى ظهر يده حيث برزت العروق. واجتاحت عقله، الذي بدا مشوشاً كالزجاج المتجمد، سيل من الأسئلة. ودفعها إلى هامش وعيه، وأخرج صوتاً مبحوحاً:

"…… كم قضيت غائباً؟"

"لقد غاب سموكم عن الوعي لسبعة— لا، اليوم يوافق ثمانية أيام تماماً."

وقبل أن يتمكن الكاهن من الإجابة، رن صوت ثقيل من جهة الباب. التفت فاركاس برأسه، فكان بيروف ذو المظهر المرهق يخطو مقبلاً عبر الغرفة.

ودنا المساعد من جانب السرير وأضاف بنبرة كئيبة: "في الأيام الأربعة الأولى، كنت في حالة حرجة للغاية لدرجة أنه لم يكن ليتعجب أحد لو توقف قلبك في أي لحظة. إنه لمعجزة حقاً أنك استيقظت."

سأله فاركاس بجفاء متجاهلاً قلق مساعده: "…… ماذا حل بحملة القمع؟"

رمقه المساعد بملامح متصلبة، ثم التفت نحو المحيطين بالسرير وطلب بحذر:

"هل يمكن للجميع مغادرة الغرفة للحظة؟"

"سيدي، لقد استرد سموه وعيه للتو بعد أن كان يترنح بين الحياة الموت. يجدر بك الانتظار حتى يستجمع قوته بالكامل……"

قاطعهم فاركاس بإيماءة حادة نحو الكاهن المعترض: "هذا يكفي. غادروا."

نظر إليه الكاهن بعينين ملأهما القلق:

"إذا أجهدت نفسك وساءت حالتك مجدداً……"

"لا تجعلني أكرر كلامي مرتين."

وإذ تملكهم الخوف من النبرة الباردة والصارمة في صوته، سارع الكاهن بإغلاق فمه.

وفي التو، خرج كل خادم، بما في ذلك الكاهن ورئيس الخدم، متتابعين من الغرفة.

جلس فاركاس بجسده الثقيل الذي يداهمه الوهن واعتدل متطلعاً إلى مساعده بتركيز. وتحت وطأة ذلك الضغط الصامت، فتح الرجل شفتيه أخيراً:

"عملية القمع…… باءت بالفشل. أنا آسف حقاً."

طلب فاركاس بهدوء ودون إظهار أي اضطراب: "اشرح بالتفصيل."

وتفحص الرجل بشرة فاركاس بملامح متصلبة وتابع تقريره:

"فور انهيارك، تسلل دخلاء إلى القلعة مستغلين الفوضى العارمة. وداهموا الزنازين لتحرير السجناء وحاولوا إشعال تمرد داخلي. وبفضل السيد الشاب لوكاس، الذي هرع مع رجاله فور سماع الأنباء، تم كبح الموقف، ولكن……"

قاطعه فاركاس: "إذن لم يتم التحرك في الموعد المحدد."

أومأ الرجل برأسه ببطء:

"كان الدخلاء يملكون مهارات استثنائية ومباغتة؛ فقد انسلوا عبر محيطنا الأمني بيسر واختفوا في توهم. ولهذا السبب، اضطررنا حتى إلى إعادة توجيه الوحدات المتمركزة في غابة أرموند للبحث في منطقة كالمور."

"وماذا بعد؟ هل ألقيتم القبض على الدخلاء؟"

اعترف الرجل بملامح كئيبة: "…… معذرة، لقد فتشنا طوال الليل، لكنهم كانوا قد اختفوا بالفعل."

لوت شفتي فاركاس ابتسامة ساخرة: "إذن، في نهاية المطاف، أفلت منكم الدخلاء والمغيرون معاً."

"…… لا عذر لدي. كان يجدر بي الإدراك باكراً أنهم يستخدمون هذه المخططات لكسب الوقت……"

أطلق فاركاس ضحكة مستخفة بنفسه: "ارفع رأسك. من أنا لأوبخ أحداً وأنا المرء المثير للشفقة الذي انتهى به المطاف مسموماً؟"

ولما لاحظ بيروف حالته المزاجية، نقل الموضوع بحذر:

"…… هل تتذكر كيف انتهى بك الأمر مسموماً؟"

توقف فاركاس عن الابتسام ونظر إليه بوجة خلا من التعبيرات. ابتلع بيروف ريقه بصعوبة وتابع مجاهداً:

"يبدو أن الدوقة الكبرى كانت متواطئة مع الجماعات الوثنية. وبنية إحباط مهمة القمع هذه، وضعت العقاقير في نبيذك……"

قاطعه فاركاس بنبرة مسطحة وجافة: "هل تملك دليلاً قاطعاً؟"

ومضت لمحة ارتباك على بيروف قبل أن يتصلب وجهه كقناع بارد:

"لا يوجد أدنى شك في أن الدوقة الكبرى هي من سممتك."

"سألتك إن كنت تملك دليلاً مادياً."

"لقد اعترفت سموها بنفسها."

اكتفى فاركاس بالحديق في الرجل بعينين باردتين كالثلج. وشعر بيروف بالإحباط من هذا الموقف العنيد، فرفع صوته قائلاً:

"ليس هذا فحسب، بل عُثر على قطع عديدة ترمز إلى طائفة الروح العظيمة في غرف الدوقة الكبرى. لقد تعمدت سموها إيذاءك لإنقاذ أولئك المهرطقين!"

وفجأة، تردد صدى فرقعة مكتومة في رأس فاركاس؛ وشعر وكأن جزءاً من دماغه قد انفجر أخيراً تحت وطأة الضغط الشديد. ونفض ذلك الإحساس المخيف، وأمسك بجبينه بيده وتمكن من إخراج صوت هادئ من أعماق حلقه المنقبض:

"أين هي الآن؟"

أجابه بيروف ببرود: "إنها محتجزة في أعلى برج القلعة. لقد انتفض جميع حاشية وتابعي الدوقية الكبرى، صارخين بوجوب إرسالها إلى المقصلة فوراً. وبالكاد تمكن السيد الشاب لوكاس من تهدئتهم؛ فمهما كانت امرأة شريرة لمحاولتها تسميم زوجها، لا يمكننا وضع ابنة الإمبراطور على منصة الإعدام دون محاكمة أصولية."

قبض فاركاس على قبيلته بشدة حتى ابيضت مفاصله، وثار في جوفه غضب عارم مجهول الهوية. ورمق مساعده بعينين محمرتين بالدم، وأصدر أمراً بصوت كأنه لوح من الزجاج المتجمد:

"أحضرها أمامي، الآن!"

ألقى بيروف نظرة حذرة كمن يحاول قراءة نواياه، لكنه سرعان ما أحنى رأسه وغادر الغرفة.

ولم يمضِ وقت طويل حتى دخل جنود مسلحون إلى غرفة النوم برفقة ثاليا. ونقل فاركاس، الذي كان يتطلع إلى السماء وهي تستحيل إلى أزرق داكن، نظره ببطء نحوها.

ورغم أن الوقت كان في منتصف الصيف، إلا أنها بدت باردة بشكل يقشعر له البدن. ورؤيتها تبدو كسجينة عادية أشعلت في فاركاس موجة غضب عارمة كادت تبخر أفكاره ذاتها، فأخذ نفساً عميقاً.

كان من الواضح من النظرة الأولى أنها عوملت بقسوة؛ فشعرها الأشقر الذي كان يلمع بريقاً بات كتلة متشابكة تنسدل بثقل فوق عنقها النحيل وظهرها. وثوبها الحريري الرقيق تلطخ بالبقع وامتلأ بخيوط العنكبوت والغبار.

ومع مسح نظرات فاركاس لهيئتها، استقرت عيناه على قدميها الحافيتين البارزتين من تحت حاشية ثوبها.

وحبس أنفاسه انعكاسياً؛ وثارت في داخله نزعة قاتلة برؤيتها تقف هناك كالطريقة العشوائية، دون أن ترتدي حتى حذاءً في قدميها.

وكبت تلك العاطفة غير العقلانية، ووجه نظرة متجمدة نحو الجنود المحيطين بها:

"اخرجوا جميعاً."

"يا صاحب السمو، الدوقة الكبرى شخصية خطيرة. لا يمكننا تركها بمفردها معك دون إشراف……"

"أفترض أنني أبدو مثيراً للسخرية في أعينكم الآن بعد أن انتهى بي المطاف في هذه الحالة."

وانتشرت فجأة ابتسامة قاتمة على شفتي فاركاس. ولما رصد الجنود الوعيد الكامن فيها، تصلبت أجسادهم. وأشار بذقنه مبيناً أنه لن يقولها مرة ثانية.

وفي النهاية، انحنى الجنود وتراجعوا بحذر إلى الخلف:

"إذن، سنكون في الانتظار خارج الباب. يرجى استدعاؤنا إن حدث أي خطب."

ومع خروجهم وإغلاق الباب، أراح فاركاس رأسه على مسند السرير وتفحص وجهها الشاحب الخاوي من الدماء. وبسبب رأسها المنكس لم يستطع رؤية كل التفاصيل، لكن لم يكن من الصعب تمييز أنها قد خسرت الكثير من وزنها.

وشعر بمقت لنفسه لمجرد ملاحظته مثل هذا الأمر، وتمتم ببرود:

"لقد سمعت أنكِ اعترفتِ بوضع العقار في نبيذي."

انتفض كتفاها وارتجفا. وفي التو، ارتفعت عيناها اللتان كانتا مثبتتين على الأرض ببطء. وعند مواجهته لهاتين العينين الخاويتين اللتين خلتا من أي حيوية، التوى فم فاركاس في تكشيرة عابسة.

إرسال تعليق

0 تعليقات