الفصل (98) الحقل المنسي

 


"يا إلهي!"

أطلق الرجل هذه العبارة بنبرة حملت شيئاً من عدم الاكتراء، قبل أن يعتدل في وقفته ويضع يده فوق صدره مردفاً:

"تحياتي لأيون، الدوق الأكبر."

"أتعرفني؟"

"ومن في إمبراطورية رويم بأسرها لا يعرف دوق سيكان الأكبر الشاب؟ إنك تعد شخصية أسطورية، لا سيما بين الفرسان."

ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتي الرجل وهو يلقي بكلمات مغلفة بالإطراء، بينما كان فاركاس يتفحصه ببطء وبنظرة تقشعر لها الأبدان. كان الرجل ذا شعر بني فاتح، وبشرة ناصعة تلمع ببريق برونزي، وعينين بنيتين داكنتين وعميقتين. بدا مظهره عادياً في المجمل، غير أنه كان ينضح بهالة غامضة توحي بالخطر.

وبعد أن راقبه فاركاس للحظة، قال بنبرة باردة:

"لم أسمع اسمك بعد."

"آه... أرجو أن تعذر جفائي،" تحدث الرجل ببطء محتفظاً بابتسامته المهذبة: "أنا رومان تاليس."

"هل أنت تابع لكاتدرائية بالبون؟"

"هذا صحيح،" اعترف الرجل بالأمر دون تردد، وأردف بلكنة ناعمة تميز أهل أوزيريا: "على وجه التحديد، أنا أنتمي إلى حراس المعبد. لقد جئت للتحقق من الوضع بعد تلقينا تقارير تفيد باستشراء الوثنيين في دوقية سيكان الكبرى."

قاطعه فاركاس بجفاء: "لقد أضعت رحلتك هباءً، فالتحقيقات قد اكتملت بالفعل، وأنهينا كافة الاستعدادات لإبادة الوثنيين."

"إنك كفؤ حقاً،" أطلق الرجل همسة إعجاب منخفضة وبسط يديه بخفة متابعاً: "ولكن، بما أننا أُرسلنا في مهمة رسمية، فلا يمكننا العودة خالي الوفاض دون فعل شيء. أليس تقصي أمر الوثنيين ومعاقبتهم من اختصاص حراس المعبد في الأصل؟ سأضع رجالي وقوتي تحت تصرفك للمساعدة في عملية القمع."

"أثمن عرضك، لكني أرفضه. هذا أمر يمكنني تسويته دون حاجة لتدخل قوى خارجية."

"قوى خارجية؟ كيف لك أن تقول هذا؟" بدا الذهول على وجه الرجل مبالغاً فيه بشكل ملحوظ، واستطرد: "الدوقية الكبرى جزء من أراضي الإمبراطورية، والمنظمة تحمل على عاتقها رسالة حماية رعايا رويم كافة."

"كل من ارتكب خطيئة الردة سيحاكم وفق الإجراءات الأصولية في الكاتدرائية الشرقية."

ولما سئم فاركاس هذا النقاش القائم على المبادئ الجوفاء، ضاقت عيناه بحدة ونطق بصرامة: "أياً كانت صفتك، فأنت مجرد غريب بالنسبة لي. لن أسمح لإنسان لا أعرفه بأن يعيث في أراضيّ كما يشاء."

"..."

"سأسمح لك بالبقاء في كالمور حتى تنجلي هذه الحادثة. لكني لن أتسامح قط مع أي استخدام للقوة ضد شعبي."

تلاشت الابتسامة عن وجه الرجل، وتثبتت عيناه عليه بثبات. ومن دون أي تردد أو التفات، أدار فاركاس ظهره وصعد الدرج المؤدي إلى الغرفة الداخلية في الطابق الثاني.

في تلك اللحظة، اخترق صوت منخفض النبرة الفراغ نحو ظهره: "هل ثمة سبب يدعوك لإقصائنا؟"

توقف فاركاس الذي كان يطأ درجات السلم، وقبض على السياج ملتفتاً إلى الرجل. كان الرجل قد اقترب ببطء بخطوات خفيفة تشبه حركات القطط، وهي مشية لا تناسب بنيته الضخمة بتاتاً، ثم تابع بهدوء:

"منذ وصولي إلى الشرق، تناهت إلى مسامعي شائعات كثيرة ومثيرة للاهتمام تحوم حول الدوقة الكبرى. فإذا كنت تتوجس منا بسببها..."

"يبدو أنك تسمع كثيراً أنك لا تعرف قدر نفسك، أليس كذلك؟" قاطعه فاركاس بنبرة هادئة ورزينة. وكأنما شعر الرجل بنية القتل التي بدأت تتكاثف في الهواء، فتصلب خده الأيسر الذي تزينه غمازة. اقترب فاركاس من وجه الرجل وأضاف ببرود: "هل تظن أن زوجتي في مكانة تسمح لكاهن بسيط مثلك أن يتناولها بهذا الاستخفاف؟"

"لقد أسأت الأدب، أرجو أن تصفح عني."

أحنى الرجل رأسه بتهذيب، غير أن فاركاس لم تخفَ عليه بريق التسلية الذي لمع في عينيه. خطى فاركاس خطوة أخرى نحو الرجل بهيئة طاغية، وفي تلك اللحظة، زكمت أنوفه رائحة دم قوية تشبه رائحة الحيوانات البرية، فثارت في نفسه ريبة عارمة على الفور.

"أنت... هل أُرسلت حقاً من الكنيسة المركزية؟"

وبينما كان على وشك استجواب الرجل، تردد صدى خطوات متسارعة في المصلّى.

"المعذرة لأنني جعلتكم تنتظرون، يا صاحب السمو،" تحدث كاهن أقبل مسرعاً بلهفة وأدب جم: "لقد أمرني الكاهن الأكبر بمرافقة سموكم إلى الغرفة الداخلية. تفضل باللحاق بي."

ثم التفت الكاهن لفترة وجيزة نحو الرجل الواقف بالجوار وقال:

"وأنت، أيها الأخ..."

"سأستأذن بالانصراف الآن،" أتم الرجل عبارة الكاهن المتردد بنبرة طبيعية، ثم وجه كلامه لفاركاس: "نحن نقيم في ملجأ الكاتدرائية الكبرى. إن غيّرت رأيك، فأخبرني في أي وقت. سأكون سعيداً جداً بأن أكون عوناً للدوق الأكبر."

"أقدر هذه المشاعر، على الأقل."

أجابه فاركاس ببرود، ثم التفت ليتعقب الكاهن. وحتى وهو يبتعد عنه، لم تغادر أنفه تلك الرائحة الكريهة للدم. ألقى فاركاس نظرة أخرى إلى الخلف نحو الرجل من فوق كتفه.

وفي تلك اللحظة بالذات، ومض بريق يشبه البرق بشكل مخيف في عيني رومان تاليس. مخلفاً وراءه ذلك الأثر المزعج، صعد فاركاس إلى عتمة السلالم.

✦ ❖ ✦

"لقد نقضت عهدك معي،" تحدث فاركاس بجفاء وهو يجلس إلى طاولة خشبية داخل غرفة الصلاة، وتابع: "هل نسيت اتفاقنا على دفن تلك الشكوك السخيفة المتعلقة بالدوقة الكبرى؟"

"لقد أتلفت التقرير الذي رفعه محقق الهرطقة بيدي هاتين فور لقائي بالدوق الأكبر."

تنهد الكاهن الأكبر بتعب وهو يرتشف الشاي بهدوء مستطرداً:

"لا أعلم ماذا سمعت ومن أين، لكن الكنيسة المركزية لم تنبس ببنت شفة للخارج في أي مسألة تخص الدوقة الكبرى. وإذا كان محقق مرسل من المنظمة المركزية قد اكتشف شيئاً، فمن المرجح أنها معلومات استقاها عبر تحقيق مستقل."

"هل تقصد أنه لا صلة لك بهم، أيها الكاهن الأكبر؟"

"هذا صحيح،" رفع الكاهن العجوز رأسه بثقة: "لو كنت أنتوي إقحام حراس المعبد، لما طلبت المساعدة من الدوق الأكبر في المقام الأول. ما النفع الذي سيعود عليّ من هذا الوضع؟ إن زيارتهم مباغتة لي تماماً مثلما هي لك."

نظر إليه فاركاس بعينين غارقتين في التفكير للحظة. من المؤكد أنه لن يكون من مصلحة الكاهن الأكبر أن تتدخل المنظمة المركزية في شؤون الشرق.

سأله بنبرة أكثر ليونة: "هل هوياتهم مؤكدة؟"

"بالتأكيد. كل زائر يحمل لوحة هوية مختومة بختم الكاتدرائية الكبرى، وقد قدموا وثائق إيفاد صادرة عن الكنيسة المركزية."

ثم أخرج وثيقة من الرق من بين طيات ردائه ومدها إليه: "انظر بنفسك."

أخذ فاركاس الوثيقة وتفحصها بدقة متناهية. وعلى ورقة الإيفاد المكتوبة بلغة أوزيريا القديمة، كان شعار حراس المعبد مطبوعاً بوضوح إلى جانب ختم الكنيسة المركزية.

"يبدو أنه لا مجال للشك."

"هل كان ثمة سبب يدعوك للتحقق من هوياتهم؟"

هز فاركاس رأسه نفياً: "لا، كل ما في الأمر أن رجلاً ذو مظهر فظ لا يليق بكاهن قد لفت انتباهي، فكنت أتساءل فحسب."

"أليس حراس المعبد يرون أن إدانة الوثنيين هي واجبهم الأسمى؟ من الطبيعي أن يغلب عليهم الجفاء،" أجاب الكاهن العجوز وكأن الأمر لا يكتسب أي أهمية، ثم فرك جبينه بملامح مرهقة متناولاً موضوعاً آخر: "الأهم من ذلك، ماذا تنوي أن تفعل الآن؟ سيحاول حراس المعبد بالتأكيد تقصي أحوال وثنيي الشرق بأنفسهم."

"ليس لدي أي نية لتركهم ينبشون في أراضيّ كما يحلو لهم،" تحدث فاركاس بحزم وهو يضع الرق جانباً بإهمال: "أخطط لبدء عملية القمع غداً. وبمجرد أن نقبض على آخر وثني، ستزول الذريعة التي تبقي حراس المعبد هنا. أيها الكاهن الأكبر، أرجو أن تعيدهم من حيث أتوا فور تسوية الأمر."

"ولتحقيق ذلك، يجب ألا تشوب الخطة أي شائبة."

خيم القلق على عيني الكاهن الأكبر: "إذا انتهت العملية بالفشل لسبب ما، فسيحاولون فرض سلطتهم التحقيقية، وإذا حدث ذلك، فلن نعود قادرين على التستر على الشكوك المحيطة بالدوقة الكبرى."

"هذا لن يحدث."

نهض فاركاس موجهاً كلامه بصرامة وهو ينظر إلى الكاهن ببرود:

"سأستأصل شأفة كل وثني من هذه الأرض بيدي هاتين. لذا، كف عن استخدام زوجتي كمادة للحديث،" صمت للحظة ثم أضاف بنبرة قاتمة: "إذا حاولت الضغط عليّ مستغلاً سلامتها كطعم مرة أخرى، فلن تتعامل معك دار الدوقية الكبرى بالاحترام اللائق بالكاهن الأكبر."

"سأضع ذلك في الحسبان."

تاركاً وراءه إجابة الكاهن الأكبر الهادئة، استدار فاركاس وغادر المكان دون إبطاء.

وعندما عاد إلى القلعة، كان المطر قد بدأ يهدأ تدريجياً، غير أن السماء ظلت ملبدة بغيوم داكنة كالحبر.

خطا فاركاس إلى داخل القلعة الرئيسية مستمعاً إلى قصف الرعد المتقطع. كان الهدوء يخيم على القلعة لأن معظم الفرسان قرروا البقاء في المخيم.

"لقد عدت، يا صاحب السمو."

وبينما كان يعبر الردهة حيث كانت الأضواء تومض، أقبل نحوه رئيس الخدم الذي كان يوجه الخدم عند مدخل غرفة الطعام مسرعاً. نزع فاركاس معطف المطر المبتل وتفحص غرفة الطعام المضاءة؛ كانت شقيقته الصغرى والحاشية المسنون وعائلاتهم يتناولون عشاءً متأخراً.

"أين الدوقة الكبرى؟"

ورداً على السؤال الذي اعتاد طرحه بدافع العادة، خفض رئيس الخدم الذي تسلم المعطف من يديه عينيه بملامح حرجة وقال:

"قالت سموها إنها ستتناول عشاءها بمفردها في غرفتها."

كتم فاركاس تنهيدة خافتة.

منذ شجارهما ذلك المساء، ظلت حبيسة غرفتها ولم تلمح عيناه طيف وجهها حتى. كانت امرأة دأبت منذ طفولتها على إغلاق بابها فور حدوث ما يزعجها، لذا لم يكن هذا بالأمر الجديد.

"سيتأرجح مزاجها نحو الأفضل مع مرور الوقت،" ردد هذه الفكرة في نفسه وهو ينقل خطواته الثقيلة صاعداً السلالم.

"أحضر وجبتي إلى غرفة المكتب، وجهز لي ثياباً بديلة أيضاً."

"أمرك مطاع، سأعدها على الفور."

تاركاً وراءه رد الخادم، توجه مباشرة نحو المكتب.

كانت الغرفة مضاءة بالفعل بضوء الشموع الساطع. يبدو أن الخدم أنفسهم باتوا يتقبلون بقاءه هنا كجزء طبيعي من روتينهم اليومي. أطلق فاركاس ضحكة مريرة، وألقى بردائه الخارجي الرطب في سلة، وجلس بثقل على كرسي بجوار النافذة. عندها فقط، اجتاحته موجة التعب التي كان يتجاهلها.

تطلع بعينين غائمتين إلى زجاج النافذة حيث كانت قطرات المطر تتناثر. بحلول الغد، سيكون ممتطياً جواده وسط ذلك الغيث لنصف يوم على الأقل. وفي نهاية تلك الرحلة، كانت تنتظره معركة من طرف واحد تقترب من كونها مجزرة. ومهما بلغت شجاعة محاربي "زيرام" كما يزعمون، فإنهم في النهاية مجرد غوغاء، ولن تفلح أسلحتهم البدائية في إحداث خدش واحد في دروع سيكان الثقيلة المصنوعة ببراعة الأقزام. وإذا ظلت أعداد العدو في حدود التوقعات، فإن القتال سينتهي قبل الفجر.

أراح رأسه على ظهر الكرسي، وماداً يده نحو كأس النبيذ الذي وضعه الخدم هناك مسبقاً.

في تلك اللحظة، بدد صوت مقبض الباب وهو يدور سكون المكان، فتقطب حاجباه. شعر بلمحة عابرة من الاستياء لأن أحدهم فتح الباب باستهتار ودون استئذان، لكنه عزا الأمر إلى خطأ خادم قليل الخبرة لم يسمع بعد بعودة سيده، فتحدث بغير اكتراث:

"لقد جئت في وقت مناسب، هل تسكب لي كأساً من النبيذ؟"

وبينما كان يرفع الكأس دون أن يلتفت حتى، سمع وقع خطوات حثيثة. ولما ميز الإيقاع غير المتناسق والمضطرب للخطوات، اعتدل فاركاس في جلسته المنحنية على الفور. وفي الوقت نفسه، انبعثت رائحة عطر عذبة بدت وكأنها تذوب في الفم لتمتزج بالهواء الرطب.

التفت برأسه نحو المرأة التي دنت من جانبه. كانت ثاليا، ترتدي ثوباً رقيقاً يبرز كل انحناءات جسدها النحيل، وتميل نحوه وهي تقبض على زجاجة نبيذ كبيرة بكلتا يديها.

"عليك أن تأكل قريباً، لذا لا تشرب سوى القليل."

همست المرأة التي سكبت كمية صغيرة من النبيذ في كأسه برزانة. أما فاركاس، الذي كان يتطلع إليها بذهول، فقد استعاد رشده أخيراً ونهض واقفاً:

"ماذا تفعلين هنا؟"

وعند نبرته المليئة بالريبة، اضطرب بؤبؤا عينيها قليلاً، غير أن أثر الارتباك تلاشى في توه بفضل ابتسامة خفيفة ارتسمت على ثغرها.

"كنت أنتظر عودتك."

تحدثت وهي تشير نحو باب غرفة النوم المتصل بالمكتب. وحين نقل نظره إلى هناك، قطب فاركاس حاجبيه عند رؤية طاولة الطعام القابعة خلف الباب المفتوح جزئياً. وفوق الطاولة المستديرة الكبيرة، كانت جرة ماء مليئة بالزهور الملونة والشمعدانات الفضية منسقة بعناية.

"منذ عودتك، لم نتشارك وجبة واحدة معاً. لذا... أعددت هذا."

كانت تبذل قصارى جهدها للتظاهر بالهدوء، بيد أن صوتها كان يحمل نبرة توتر لا تخطئها الأذن.

أطلق فاركاس تنهيدة مثقلة بالتعب:

"فعل هذا لن يغير رأيي. كفي عن هذا الجهد الذي لا داعي له."

كانت نبرته قاسية وجافة حتى في مسامع نفسه، ولعله بدا أكثر قسوة في مسامعها، إذ تلاشت الابتسامة التي كانت تقبع على شفتيها المصبوغتين باللون الأحمر.

"لم أعد هذا لأغير رأيك، بل لأنني... سمعت أنك ستغيب عن القلعة لعدة أيام..." تمتمت بخجل وهي تداعب بأصابعها المضطربة زينة تنورتها، وتابعت: "أردت أن أعتذر قبل رحيلك. في ذلك اليوم... كنت مبالغة في ردة فعلي، ولم يكن يجدر بي أن أطردك بتلك الطريقة..."

اكتفى فاركاس بالنظر إليها صامتاً. لم يكن واثقاً إن كان يجدر به قبول هذه الدعوة، فلم يعد يرغب في أن تتقاذفه أهواؤها ونزواتها بلا حيلة بعد الآن.

شاح بنظره عن وجهها القلق وتحدث بجفاء: "لا داعي للاعتذار. كان يجدر بي أن أعبر عن نواياي بوضوح بخصوص الإنجاب منذ البداية. ولكني..."

"يكفي حديثاً عن تلك القصة،" سارعت إلى مقاطعة كلماته مسجلة: "أنا أريد طفلاً... ولكن إن كنت ترفض، فلا نية لدي لإجبارك بعد الآن. لم آتِ إلى هنا اليوم من أجل هذا حقاً، أنا فقط..."

خفضت المرأة عينيها بارتباك، وأتمت جملتها بصوت خافت يكاد يكون همساً:

"أريد فقط أن أتناول العشاء معك."

"..."

"إن لم تكن ترغب في ذلك، يمكنك الرفض. يمكنني تناول الطعام بمفردي."

وعندما لم يمنحها أي رد، احمر وجهها خجلاً واستدارت فجأة مبتعدة. وإذ أمسك بمعصمها انعكاسياً، أطلق فاركاس تنهيدة مشوبة بشعور بالهزيمة:

"انتظري لحظة من فضلك، سأغير ثيابي وآتي."

عندها فقط، عادت علامات البهجة إلى وجهها، وهزت ثاليا رأسها كالأطفال وأسرعت نحو غرفة النوم.

ومع تردد صدى انغلاق الباب، نزع ثيابه الرطبة ومسح جسده بمنشفة جافة، ثم ارتدى ثياباً منزلية نظيفة، ووقف أمام المرآة ليصلح شعره الأشعث ويهندم ثيابه. وفور انتهائه من هندمته، ارتدى عباءة حريرية كانت معلقة على الجدار، وخطا إلى غرفة النوم حيث كانت تنتظره.

"لقد انتهيت أسرع مما ظننت. تعال الآن واجلس."

قفزت ثاليا التي كانت تعيد ترتيب الأواني على الطاولة بتوتر من مقعدها.

وبعد تردد قصير، سار فاركاس إلى الجانب المقابل وسحب كرسيًا ليجلس. وعلى الطاولة، كان الحساء الساخن، واللحم المشوي بإتقان، وتشكيلة من الفواكه منسقة بعناية فائقة.

سكبت ثاليا كميات صغيرة منها في طبقه، وتحدثت بنبرة سريعة لدرجة بدت معها غريبة:

"أنت جائع، أليس كذلك؟ أسرع وتناول الطعام. لقد قال رئيس الخدم إنك كنت تفوت وجباتك كثيراً مؤخراً؟ كيف تفعل ذلك وأنت من كان يوبخني دوماً على عاداتي في الأكل؟"

أمسك بوجل بيدها التي كانت تتحرك بنشاط فوق الطاولة ليوقفها:

"سآكل بمفردي، لذا تفضلي بالجلوس."

"لقد اعتدت أن تعتني بوجباتي كثيراً. اليوم، أريد أن أفعل ذلك من أجلك برفق،" تمتمت بصوت متهدج وهي تثبت عينيها على ضوء الشمعة المرتجف. ولما أدرك أنها متوترة خوفاً من تعرضها للصد، ترك فاركاس يدها مطاوعاً إياها.

وبعد فترة وجيزة، بدأت ثاليا بحركات مرتبكة تقطع اللحم إلى قطع صغيرة وتلطخها بصلصات مختلفة عشوائياً. بدا أنها تبذل جهداً كبيراً، لكن كان من المستحيل على امرأة قضت حياتها كلها والآخرون يخدمونها أن تحذق إعداد الطعام وتجهيزه.

أطلق ضحكة خافتة وصامتة وهو ينظر إلى الفوضى المتمثلة في الفطيرة الممزقة، وقطع اللحم التي بدت وكأنها قُطعت بوحشية، ومزيج المربى اللزج والصلصات المتنوعة.

نظرت إليه بعينين قلقتين:

"ما الخطب؟ ألم يعجبك الطعام؟"

"لا."

التقط شوكة ودفع الطعام اللزج إلى فمه.

"كيف طعمه؟ هل هو لذيذ؟"

لم يستطع حتى تمييز ما كان يأكله، لكنه أومأ برأسه بهدوء ورزانة:

"يجدر بسموك أن تأكلي أيضاً."

وعندما سكب كمية معقولة من الطعام في طبقها وقدمه إليها، زينت ابتسامة مبهجة شفتي ثاليا. تذوقت قطعاً صغيرة من لحم الحمل والفواكه التي قطعها لها بعناية، ثم تناولت بضع ملاعق أخرى من حساء الدجاج الخفيف. ورغم أنها كانت لا تزال تعبث بطعامها، إلا أن هذا كان تحسناً هائلاً مقارنة بطفولتها عندما كانت تعامل الطعام كعدو لها.

"في أي ساعة ستغادر غداً؟"

وبينما كان يراقبها وهي تأكل عن كثب، رفعت المرأة منديلاً لتمسح شفتيها وطرحت سؤالها فجأة. فأجابها بغير اهتمام:

"أخطط للمغادرة عند الفجر."

"قال لوكاس إنك ستذهب لإبادة المغيرين... كم عدد الجنود الذين ستأخذهم معك؟"

تقطب حاجب فاركاس وهو يمضغ ويبتلع لحم الحمل المغمور بمربى الخوخ، وراقبها بصمت. لقد ظن أنها كانت تقبع حبيسة غرفتها، فمتى وجدت الوقت للتحدث مع لوكاس؟ وكبت استياءه مجيباً إياها بنبرة جافة:

"من المفترض أن يكون قد تجمع نحو سبعمائة رجل."

"أليس هذا العدد قليلاً جداً؟"

تحدثت بذهول، فأطلق ضحكة خفيفة:

"الأمر مجرد إبادة لعصابة من قطاع الطرق. سبعمائة محارب راكب هي قوة أكثر من كافية وزيادة."

"ومع ذلك... ستكتفي بالقيادة من الخلف فحسب، صحيح؟"

دون أن يؤكد أو ينفي، واصل نقل الطعام الذي سكبته إلى فمه بجد. وفجأة، نهضت ثاليا التي كانت تراقب ذلك المشهد بقلق، وتناولت إبريقاً فضياً من على الرف:

"ألسِتَ عطشاناً؟ سأسكب لك بعض النبيذ."

وقبل أن يتمكن من إيقافها، امتلأ الكأس بسائل داكن اللون. جفل فاركاس من الرائحة النفاذة التي زكمت أنفه، فلم يبدُ نبيذاً عادياً، إذ كانت تفوح منه رائحة أعشاب متنوعة تطغى على رائحة الكحول القوية.

"يقولون إنه نبيذ خاص يجدد القوة. يحتوي على العديد من الأعشاب الطبية المفيدة للجسم... سيساعدك في التخفيف من إرهاقك."

شرحت الأمر بصوت مرتبك.

نظر فاركاس إلى السائل الأحمر بعينين شابتها الريبة، وتناول رشفة من السائل الكثيف كاختبار. لم يكن المذاق سيئاً كما توقع، فابتلع بضع جرعات أخرى من النبيذ الذي كان قوياً لدرجة أنه لذع حلقه، قبل أن يضع الكأس جانباً.

إرسال تعليق

0 تعليقات