الفصل (64) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,

 


"ديلنيا؟"

نادت ليتيسيا ديلنيا، فما كان من الأخيرة إلا أن أطلقت ضحكة خافتة وواهنة قائلة:

"لاشيء، كنت فقط أفكر في الأيام الخوالي."

سارعت ديلنيا بتهدئة ملامح وجهها لتطمئن ليتيسيا، لكنها لم تستطع منع مشاعر الندم والأسف من العصف بقلبها.

لقد مرت عليها أيام كانت تدرك فيها تماماً معنى الحب. ولم يكن لديها وقت للشك في ماهيته، لأن نبضات قلبها آنذاك كانت واضحة ونقية للغاية.

"---تبدو بلوا مكاناً جميلاً وحميلاً حقاً."

تحدثت ديلنيا مجدداً، وهذه المرة بنبرة أكثر حماساً، لترتسم علامات البهجة على وجه ليتيسيا التي أجابت بابتسامة عريضة:

"أوه، نعم. بالطبع هي كذلك."

بادلتها ديلنيا الابتسامة، ثم تاهت نظراتها مجدداً نحو القرية، حيث لمحت من بعيد ظهري زوجين شابين يسيران معاً متلاحمين في أحد الأزقة.

تذكرت الأوقات التي كان قلبها فيها ينبض بالحياة لدرجة تكاد تلمسها، والأيام التي كانت أنفاسها تتقطع فيها شغفاً، وكيف كانت تحبط لعجزها عن التعبير عن مشاعرها بالكامل، ورغم ذلك كانت تجد الشجاعة لتقترب منه مراراً وتكراراً.

’سأهرب معك.‘

ولو كان بمقدورها حقاً أن تهرب معه إلى أي مكان، لربما كانت استقرت هنا وعاشت معه على هذا النحو.

’أي مكان سيكون رائعاً بنظري يا روان، طالما أنني معك.‘

ربما صاغ عقلها الغض تلك العبارات حينها، لكنها كانت تعنيها من أعماق قلبها. وحتى الآن، لم تعد تفهم كيف كان قلبها يحمل كل ذلك الشغف، ولم تعد قادرة على استيعاب تلك العاطفة مجدداً. فذلك التمسك المستميت، وتلك الأيام التي كان فيها هذا الحب هو قارب نجاتها الوحيد، قد انطفأ نوره في قلبها الذي فقد بريقه، ولذا لن تعرف أبداً الإجابة عن فرضياتهما وماذا لو حدث العكس.

لكن الإجابات في أرض الواقع كانت شديدة الوضوح.

لم يكن بمقدورهما النجاح. وهذا كل ما في الأمر.

"يا إلهي، لقد عدت إلى المنزل مبكراً اليوم."

جعل ترحيب رئيسة الخدم روان يلتفت نحو النافذة، حيث كان الظلام قد بسط رداءه على الأرجاء. كان الوقت مبكراً بالفعل مقارنة باليومين الماضيين، عندما كان يصل إلى المنزل عند الفجر ولا يحظى سوى بدقائق معدودة من النوم قبل شروق الشمس.

"لماذا أنت مشغول إلى هذا الحد فور وصولك إلى هنا؟ يبدو وكأنك الوحيد الذي يدير شؤون البحرية بأكملها أيها العقيد، حتى أنك لا تظهر في القصر إلا نادراً."

أجاب روان مبتسماً وهو يهدئ ليتيسيا بأسلوبه المعتاد: "سأحاول أن أكون أكثر تواصلاً واهتماماً."

لقد كان دائماً يظهر الاحترام لخدمه، بينما كانت ليتيسيا تمتلك ذلك اللسان السليط والجرىء الذي يميز أهل البحر. ونتيجة لذلك، كانت حواراتهما تبدو غالباً وكأنه يتلقى توبيخاً من شخص كبير في العائلة.

تابعت ليتيسيا: "ميلان لم يَعُد بعد، وهو لا يستقر في المنزل أبداً يا للهول."

"هذا لأنه غاب لفترة طويلة."

تماماً كما كان روان يُستدعى إلى هنا وهناك في مقر القيادة، كان ميلان يتنقل بين المقار والقرى ليعلن عن عودته. بل إنه سيتنقل بين المدينتين في الأيام المقبلة لترتيب وإعادة تنظيم قصر العاصمة الذي لا يزال يعم بالفوضى. ولم يمانع روان غياب رئيس الخدم، لأنه في الأصل لم يكن بحاجة إليه.

سأل روان فجأة: "كيف حال تلك المرأة؟"

"من؟ تقصد ديلنيا؟"

توقف روان قليلاً عند سماع هذا التساؤل الخفيف. لقد مر وقت طويل منذ أن سمع هذا الاسم يتردد علناً.

تنهدت ليتيسيا بنعومة دون أن تلاحظ تعابير روان المرتبكة: "لقد نامت مبكراً اليوم، أظنها متعبة بعد تجولها في السوق. لم تتناول عشاءها، لكنني لم أستطع إيقاظها." وأردفت بحسرة: "ربما كان يجدر بي إيقاظها وإطعامها على أي حال. أعتقد أن ديلنيا بحاجة إلى كسب بعض الوزن، إنها تبدو نحيلة للغاية وكأنها ستنكسر إن لمستها."

أومأ روان برأسه موافقاً ليتيسيا. كان لها كل الحق في أن تكون متعبة من مشقة الانتقال، خاصة وأنها اضطرت للمجيء إلى بلوا بمجرد تماثلها للشفاء. ولكن حتى مع مراعاة تسلسل الأحداث، كانت تلك المرأة نحيفة أكثر من اللازم.

’هل كانت دائماً بهذا النحول؟‘

رسم روان في مخيلته صورتها وهي طفلة بلا وعي منه. كان وجهها ممتلئاً أكثر مما هو عليه الآن، وهو أمر منطقي كونها كانت في مرحلة النمو.

’كيف كان جسدها...‘

لكن لسوء الحظ، لم يكن جسدها هو ما قفز إلى ذهنه، بل ذكرى نفسه وهو يحاول جاهداً تجنب لمسها في الماضي. في ذلك الوقت، كان يكره بشدة فكرة الاقتراب منها، بعد أن سئم من جسده الذي كان يرفض الانصياع لأوامره؛ فبمجرد أن تمر بجانبه عابرة، كان قلبه يخفق بشدة وصخب يصم الآذان.

’لا أستطيع التذكر لأنني كنت مشغولاً جداً بتجنبها.‘

وبعد أن سخر من نفسه داخلياً بسبب الفوضى التي أحدثها في الماضي، طرد تلك الذكريات من عقله تماماً ووجه طلبه إلى ليتيسيا:

"أرجو أن تعتني بها جيداً."

أجابت ليتيسيا مبتسمة: "بالتأكيد." ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئاً فجأة: "بالمناسبة، سمعت أن هناك حفلاً سيُقام على متن السفينة احتفالاً بعودتك، رغم أنه قد يكون متأخراً بعض الشيء للاحتفال بالترقية."

لم يكن قد تلقى دعوة رسمية بعد، لكنه كان يعلم من أين استقت ليتيسيا معلوماتها؛ فقد كان هذا النوع من الأخبار ينتشر بسرعة فائقة لا تتوفر إلا في بلوا. ارتسمت على شفتي روان ابتسامة ناعمة ولم يستطع المقاومة قائلاً:

"نعم، قالوا إنه سيكون بعد أسبوع."

كان للقوات البحرية في برونوا تقليد غريب يقضي بإقامة حفلات على متن السفن الحربية المخرجة من الخدمة كلما كانت هناك مناسبة تستدعي الاحتفال داخلياً. ورغم أنها كانت تُسمى حفلات، إلا أنها كانت أشبه بتجمعات اجتماعية بين البحارة أنفسهم، ولذا سادتها أجواء ودية ومسترخية بعيدة كل البعد عن مآدب الطبقة المخملية الرسمية الصارمة.

"سمعت أن الجميع يمكنهم إحضار شريكاتهم."

عقّب روان بنبرة جافة وكأن الأمر لا يعنيه: "على الأرجح." فلم يكن هذا بجديد عليه؛ فقد اعتاد الذهاب وحيداً دون مرافقة لفترة طويلة.

لكن ليتيسيا صفقت بيديها بحماس وهتفت: "حسنًا أيها العقيد، على الأقل لن تكون بمفردك هذه المرة!"

حدق روان في ليتيسيا بجمود، فما كان منها إلا أن ضيقت عينيها بمرح ووخزته في جانبه قائلة:

"ديلنيا."

تصلبت حركات روان مجدداً عند سماع ذلك الاسم غير المتوقع.

يأخذها هي؟

كان يدرك تماماً أن هذه الفكرة لم تخطر بباله قط، ومع ذلك، رسم عقله تلقائياً وبلا عناء صورتها وهي تقف بجانبه، وتلف ذراعيها حوله مبتسمة برقة. ذلك المظهر الجميل والمقيت في آن واحد.

قاطع روان تلك الأفكار طارداً الوهم السخيف من رأسه مجدداً: "لا، لا. سأذهب بمفردي."

"ماذا؟ ولماذا؟"

قفزت ليتيسيا بذهول وكأنها سمعت صاعقة من السماء، فقد كانت بوضوح تتوقع شيئاً آخر. أهل البحر وتوقعاتهم الرومانسية.

أنهى روان الحديث بحسم وحسابات مادية جافة قد يجدها أهل بلوا الحالمون منفرة: "لأنني لست بحاجة لذلك." وقبل أن تتمكن ليتيسيا من إضافة أي ترهات أخرى، تحرك مبتعداً واختفى خلف باب غرفة النوم.

"تشه."

حدقت ليتيسيا في باب غرفة النوم المغلق بذهول واستنكار. لكن سرعان ما لمعت فكرة ذكية في رأسها، وارتفع أحد جانبي فمها بابتسامة داهية وهي تهبط السلالم.

كانت ديلنيا تجلس بجانب النافذة المطلة على البحر وتكتب رسالة، وكان المرسل إليه بالطبع هي صوفي.

بدأت بكتابة كيفية وصولها إلى بلوا وما تفعله هنا، ثم كعادتها دائماً، اطمأنت على صحة والدتها وصوفي، وطلبت منها إرسال الردود إلى عنوانها الجديد.

وتذكرت عندما طلبت الإذن قائلة: "هل يمكنني استقبال الرسائل هنا في المقر الرسمي؟" حينها بدت ليتيسيا مستغربة وكأنها لا تفهم لماذا يتعين عليها طلب الإذن في أمر كهذا، لكنها أعطتها العنوان على الفور برحب وسعة. كان كل شيء يسير تماماً كما توقعت ديلنيا. فمن خلال مراقبتها للوضع خلال الأيام القليلة الماضية، أدركت أن ليتيسيا الطيبة والودودة لن تطرح عليها أسئلة فضولية أو تشكك في نواياها.

بالطبع، ساعدها أيضاً أنها خلال تلك الأيام القليلة تعرفت عليها جيداً وعرفت تفاصيل حياتها العائلية، بما في ذلك أن أبناءها يمتلكون أسطول صيد كبيراً، وأن ابنتها الكبرى افتتحت مؤخراً متجر فساتين طالما حلمت به.

وعلى أي حال، وبفضل ليتيسيا، تمكنت ديلنيا من كتابة رسائلها بشعور أكبر من الراحة والاطمئنان؛ إذ لم تعد مضطرة لنسج الأكاذيب وتزييف حياة خالية من الهموم، مما جعل قلمها ينساب بسلاسة.

كان صوت صرير ريشة القلم وهي تتحرك على الورق يشكل معزوفة مستمرة في الغرفة. ورغم أن القلم الرخيص الذي اشترته بمالها الخاص كان يخدش الورق قليلاً، إلا أنه كان يحمل سحراً ريفياً خاصاً به.

خطّت ديلنيا عبارات الوداع الأخيرة بخط يدها الانسيابي دون تردد، ثم رفعت الرسالة لتترك الحبر يجف. وفي تلك اللحظة، رأت مشهد البحر الأزرق الداكن ينعكس بشكل ضبابي من خلال الورقة الرقيقة.

أعادتها إلى الطاولة، ثم مالت بذقنها قليلاً وتطلعت خارج النافذة.

كان البحر، الذي يعكس أشعة شمس الخريف، يتلألأ دون توقف وكأنما رُش بطلاء ذهبي، وكانت السفن العائمة فوقه تشهد على سلام المدينة واستقرارها بالحفاظ على مواقعها الثابتة.

ومع ذلك، تنهدت في نفسها: ’رغم كل هذا، من الصعب جداً رؤية وجهه.‘


إرسال تعليق

0 تعليقات