الفصل (63) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
في تلك اللحظة، تحدثت مارغريت التي كانت تقف بجانب ديلنيا بنبرة ملؤها الإعجاب:
"حقاً، هناك الكثير من الأشياء التي لم أرها في حياتي قط، بالكاد أستطيع رمش عيني."
علّقت ليتيسيا وهي تومئ برأسها بفخر: "حسناً، هذا أمر مفهوم. قريتنا مليئة بالعديد من المزايا والمنتجات الفريدة."
قادتهما خطوات ليتيسيا بشكل طبيعي نحو بسطة الفاكهة. راحت تختار بعشوائية مجموعة من الفواكه الاستوائية غريبة الشكل والتي يبدو تقشيرها صعباً. ولحسن الحظ أو سوئه، لم يكن العنب الأخضر من بين الخيارات المتاحة.
عندما شعرت ليتيسيا بأن يديها امتلأتا بالأكياس، نادت صبياً يمر في الأنحاء يعمل في نقل البضائع، وطلبت منه حمل الأمتعة إلى العربة. ومع تخلصها من هذا العبء، استأنفت جولتها الشرائية. هذه المرة، قادها طلب مارغريت للحصول على ربطة شعر إلى بسطة تبيع القبعات وزينة الرأس.
سألت ليتيسيا صاحب البسطة، والذي بدت علاقتها به ودية كسائر أصحاب المتاجر الأخرى: "هل لديك أي توصيات؟ شيء يمكنني وضعه على الرأس ويجعل جميع المارة يلتفتون للنظر إليّ."
بدا الطلب سخيفاً ومضحكاً، لكن بدلاً من أن تُقابل بالرفض، حظيت بنظرة ذات مغزى من البائع الذي قال:
"لدينا شيء مميز جداً لكِ."
سحب صاحب البسطة صندوقاً من الجزء الخلفي، وكان مليئاً بحليّ وإكسسوارات ذات أنماط وزخارف فريدة. وتابع قائلاً:
"هذا مما جلبتْه سفينة ’العجلة الذهبية‘، لم تكن لدي كمية كافية منها، لذا احتفظت بها جانباً."
بمعنى آخر، كان منتجاً خاصاً لا يُعرض إلا للزبائن المميزين.
وبجانب مارغريت التي كانت تتأمل تلك القطع الصغيرة بإعجاب، تحدثت ليتيسيا بنبرة خفيفة:
"هيا، اختارا ما يعجبكما. سأشتري لكل منكما قطعة كتذكار لزيارتكما إلى بلوا."
هتفت مارغريت وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة: "حقاً؟" ثم التقطت شريطاً مطرزاً بنقوش غريبة ومميزة.
أما ديلنيا، فقد هزت رأسها بهدوء معتذرة. لم يكن السبب فقط أنها ليست في موقف يسمح لها بالتبذير، بل لأنها تذكرت أيضاً كلمات ليتيسيا في العربة. فقالت:
"أنا بخير، لا داعي لي."
قاطعتها ليتيسيا قائلة: "أوه، لن يكون الأمر ممتعاً إن لم تشتري شيئاً، كما أنكِ هكذا ستجعلين مارغريت تشعر بالحرج."
وكما قالت ليتيسيا، بدأت مارغريت تزم شفتيها وتنظر حولها بحرج، فلم تعد ديلنيا قادرة على الرفض أكثر من ذلك. وأخيراً، اختارت ديلنيا مشبك شعر بناءً على نزوة عابرة؛ كان عبارة عن زهرة صناعية حمراء تشبه زهرة استوائية غريبة. كما اشترت أيضاً قطعة زينة غير مألوفة تبدو كأنه مشط صغير للزينة.
واستمرت الأجواء المرحة والخفيفة في محلات الخضار والتوابل التي تلت ذلك. وبينما كانت مارغريت تراقب باهتمام المشتريات التي تختارها ليتيسيا، طرحت سؤالاً:
"هل تطبخين يا ليتيسيا بالصدفة؟"
"لدينا طاهٍ في القصر، لكن حركته بطيئة للغاية. في البداية كنت أظن أنني سأكتفي بالمشاهدة فقط، لكن قبل أن أدرك، وجدت نفسي أساعده دائماً."
علّقت مارغريت متهللة: "حسنًا، هل تمانعين إذا ساعدتكِ اليوم؟ كنت أتساءل عن كيفية إعداد طبق المأكولات البحرية ذاك."
"أوه، بالطبع! سنكون سعداء جداً بذلك."
أشرق وجه مارغريت على الفور بعد هذا الرد الإيجابي، وقالت بنبرة سرعان ما تلونت ببعض الخجل:
"أشعر وكأنني في بيتي الآن بطريقة ما."
لم تتوقف مارغريت عن الحديث رغم احمرار أذنيها خجلاً، وأردفت:
"في مسقط رأسي، يعتني الناس ببعضهم البعض وكأنهم عائلة واحدة، أما في العاصمة، فلا يمكنك حتى إلقاء التحية على الشخص الذي يقطن بجانبك، لذا كان من الصعب علي التكيف هناك... بصراحة."
علّقت ليتيسيا متمتمة بأسف لفترة وجيزة: "أنا أتفهم تماماً ما تقصدينه بشأن العاصمة." ثم ربتت على ظهر مارغريت تعبيراً عن مواساتها وتفهمها: "أنا سعيدة جداً لأنكِ جئتِ إلى هنا. البقاء في بلوا أفضل بكثير، حتى لو كانت ريفية بعض الشيء."
"لا أعتقد أنها ريفية على الإطلاق، ليس كذلك أبداً."
"همم، هل أنتِ جادة؟"
ضاقت عينا ليتيسيا بمرح، ثم هتفت وكأن فكرة رائعة طرأت ببالها: "حسنًا، ما رأيكِ إذن في قنص أحد رجال بلوا والاستقرار هنا؟"
سألت مارغريت بذهول وارتباك أمام هذا الاقتراح المفاجئ: "هاه؟"
في المقابل، مالت رأس ليتيسيا بتعجب من رد الفعل القوي والغير متوقع، وقالت:
"هل هذا الاقتراح غريب إلى هذا الحد؟ رجال قريتنا طيبون للغاية، وضباط البحرية ممتازون كأزواج ولا يعلا عليهم، باستثناء أنهم نادراً ما يأتون إلى المنزل."
احمرّ وجه مارغريت وراحت تتلعثم في كلامها: "لا، ليس الأمر أنني لا أحبهم، أنا فقط متفاجئة... بالإضافة إلى أن الضباط نبلاء، وحتى عامة الشعب يميلون لفرض بعض القيود والحواجز..."
قاطعتها ليتيسيا بضحكة ساخرة: "هذا ينطبق على متكبري العاصمة. أما هنا في بلوا، فلا أحد يهتم بتلك الأمور."
"لا يهتمون؟"
"بالطبع لا. ليس عندما تكون معرّضاً للموت في أي لحظة."
ارتفع أحد جانبي فم ليتيسيا وهي تنطق بكلمة ’الموت‘ بنبرة عادية وعابرة، ثم تذكرت شيئاً وخفضت صوتها إلى همس:
"هل تتذكرين الزوجين اللذين التقينا بهما قبل قليل، ذينك اللذين طلب زوجهما مني البحث عن قابلة؟"
مالت رأسا ديلنيا ومارغريت نحو ليتيسيا تلقائياً مع انخفاض نبرة صوتها الفجائي.
تابعت ليتيسيا همسها: "ذلك الثنائي هما في الحقيقة شابة وخادم هربا معاً من إحدى العائلات النبيلة."
"ماذا؟"
قاطع صوت مارغريت المتفاجئ همس ليتيسيا، ليرتد صدى صوتها المرتفع في الأرجاء، وتحركت يداها بذهول عاجزة عن كبح حماسها: "إذن هما هاربان بدافع الحب، كما يقال...؟"
بدلاً من الإجابة، اكتفت ليتيسيا بالابتسام والإيماء برأسها. أطلقت مارغريت صيحة خافتة ومكتومة، وهو رد فعل نموذجي لفتاة في عمرها تستهويها قصص الحب الرومانسية.
وأضافت ليتيسيا: "في الواقع، هما ليسا الوحيدين، هناك الكثير من الناس في قريتنا ممن تسللوا واستقروا هنا دون أن يدري بهم أحد. أتساءل كيف عرفوا أننا نستقبلهم ونأويهم دون طرح أي أسئلة."
همست مارغريت ونبرتها تكاد تفيض بالإثارة: "هذا رومانسي للغاية."
أكدت ليتيسيا بفخر وهي تتطلع حول القرية بنظرات هادئة ومتأملة: "لأن هذه هي بلوا. رجال البحر هم أناس يعيشون مع إدراك تام بأنهم قد لا يعودون إلى ديارهم أبداً. وكل شيء آخر يتضاءل ليصبح بلا أهمية أمام ذلك، وإلى أن تستدعيهم آلهة البحر، فإنهم يستغلون كل لحظة ويعيشون أفضل ما لديهم في المكان الذي هم فيه."
كانت هناك نبرة من الشجن والشوق في صوتها لم تعهدها الفتاتان منها من قبل.
بينما كانت ديلنيا تستمع إليها، أدركت أخيراً مصدر الأجواء الفريدة التي تتميز بها هذه المدينة. وفهمت أيضاً لماذا كانت ليتيسيا لطيفة ورقيقة جداً مع مجرد عبدة تمكنت من حجز مكانة عشيقة روان.
على الأقل هنا، لم تكن للمكانة الاجتماعية أي أهمية على الإطلاق، طالما أنك تستطيع أن تكون مع من تحب في الوقت الحالي.
لكن المشكلة تكمن في أن روان لم يكن يحب ديلنيا؛ بل كان يكرهها.
تابعت ليتيسيا حديثها قائلة: "حسنًا، هناك الكثير من الأرامل اللواتي تُركن لتربية أطفالهن بمفردهن، وأنا واحدة منهن."
اتسعت عينا ديلنيا ومارغريت أمام هذه المعلومة الشخصية غير المتوقعة، وابتسمت ليتيسيا لهما بدفء:
"لقد فقدت زوجي في البحر منذ زمن طويل."
أمسكت مارغريت بيد ليتيسيا لمواساتها قائلة: "آه... يؤسفني جداً سماع ذلك يا ليتيسيا."
هزت ليتيسيا كتفيها بخفة وكأن الأمر لم يعد يؤلمها، ووضعت يدها برفق فوق يد مارغريت:
"كما قلت، لقد مر زمن طويل على ذلك، لكن الله لم يكن قاسياً تماماً معي. ففترة عملي القصيرة كخادمة قبل زواجي سمحت لي بالعمل في هذا القصر، وتمكنت من تربية أطفالي جيداً، لذا لا يمكنني طلب المزيد."
وحتى وهي تتحدث، كان هناك حنين عميق يلمع في عيني ليتيسيا، ربما لأنها كانت تتذكر زوجها الذي رحل مبكراً جداً.
راقبتها ديلنيا، ولم تستطع كبح السؤال الذي تجيش به صدرها فجأة:
"ألم تفكري يوماً في مغادرة بلوا؟"
حتى بعد كل ما حدث؟
اتسعت عينا ليتيسيا قليلاً، مدركةً المغزى العميق وراء هذا السؤال المقتضب. لكن ذلك لم يدم سوى للحظة، قبل أن تعود زوايا عينيها للانحناء بلطف ودفء:
"بالطبع لا. هذا هو وطني وبيتي."
أضافت ليتيسيا ذلك بنبرة ملؤها اليقين.
حدقت ديلنيا في ليتيسيا وكأنها تتأمل مياهاً لا تدرك مدى عمقها. لم يكن هناك أي ظل للزيف في ابتسامتها التي بدت مشرقة كشمس الخريف.
كيف يمكن لقلب أن يحمل الاستياء تجاه البحر لأنه سلب منه زوجه، وفي نفس الوقت يظل يعزه ويحبه؟
تساءلت في نفسها: هل هذا هو الحب حقاً؟
"...."
وكأنها تشيح بنظرها عن عقل لا تستطيع فهم خباياه، نقلت ديلنيا نظراتها مجدداً نحو المدينة الصاخبة.
انعكست أشعة الشمس متلألئة على سطح الماء، وتلاشت ضحكات الأطفال فوق الأمواج بينما بدا العالم يبتعد ويسير على مهل. كانت ليتيسيا قد أحبت هذا المشهد الهادئ طوال حياتها.
أخذت ديلنيا تقلب هذه الكلمات في عقلها. وكان الصدى الداخلي الذي ينطق بكلمة الحب، رغم صمته، غريباً وموحشاً للغاية في نفسها.
هل سبق لها وأن أحبت شيئاً ما إلى هذا الحد؟
وبينما كانت تطرح على نفسها هذا السؤال، قفز وجه شخص ما إلى مخيلتها فجأة وكأنه جاء ليكون الرد الدامغ.
تصلبت ديلنيا في مكانها، وتوقفت خطواتها تماماً.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا