الفصل (2) Please Just Use Me

 


السيد الشاب القادم من العاصمة.

إنه ذلك النبيل الشاب من عائلة "هيزفيلد"، الذي قيل إن جنونه قد اشتدّ، فنُقل إلى الريف للاستجمام والعلاج.


عندما كان الناس يتهامسون بشأنه، صوروه كوحش مرعب من أصحاب "الدماء الزرقاء"، لكنه ربما لم يكن سوى نبيل عادي من أولئك الذين يصابون بهستيريا لمجرد رؤية القاذورات. والسبب في هذا الظن بسيط جداً.


— "من المسؤول عن الدور الثالث؟ أهي مورين؟ أين هي الآن؟"


أجل، لأن "ميشيل" هي من كانت تجوب المكان الآن بعينين محمرتين من الغضب كالمجنونة، بحثاً عن المسؤولة عن التنظيف.


— "ما بال مزاجه تعكّر مجدداً؟... حسناً يا مورين، تقدمي أمامي فوراً!"


كانت تعابير الخدم الذين يخرجون من كل حدب وصوب تفيض بالجدية والوجوم. أما الخادمة المدعوة "مورين"، فكانت تشرح موقفها بذعر ووجه أبيض كالقماش:


— "أنـ.. أنا بحقٍّ قمت بتلميع المكان حتى بات وجهي ينعكس عليه كالمرأة..."


تبع مورين نحو سبعة أو ثمانية من الخدم، متسلقين الدرج إلى الدور الثالث في خط متراصف، وجُرفت "إميلي" معهم دون أن تدري.


— "...ما المشكلة هذه المرة يا ترى؟ أنا بحق لا أفهم."


شاركت إميلي مورين حيرتها؛ ففي نظرها، كانت الغرفة الثانية في الدور الثالث نظيفة تماماً ولا تشوبها شائبة، حتى ولا ذرة غبار واحدة.


— "ابحثوا! علينا أن نعرف ما الذي أثار غضبه هذه المرة."


بدأت خمس أو ست خادمات بتمشيط الغرفة وتفتيشها شبر بشبر. فكرت إميلي في مدّ يد المساعدة، لكنها رأت أنه من الأفضل ألا تظهر في يومها الأول بمظهر الوافدة الجديدة الجريئة التي تتصدى لكشف عيوب زملائها القدامى. وقفت عند عتبة الباب، وضمت يديها كأنها هي الجانية، وصارت تسترق النظر إلى تحركات الآخرين بتعابير تفيض بالاعتذار والخجل.


— "أهذا هو السبب...؟"


— "هذه ليست بقعة! إنه مجرد انعكاس لضوء الشمس المتراقص من هناك."


كانت حركات الخادمات وهنّ يفحصن الأثاث والسجاد تشبه إلى حد كبير حركات المحققين في مسرح الجريمة. وبعد بضع جولات من جدال وردّ، دوّى صوت الخادمة الأقدم "ميشيل" بنبرة حادة قاطعة أثارت قشعريرة الجميع:


— "مورين! كيف تتركين أدوات التنظيف وراءكِ؟!"


تجمعت أنظار الخادمات داخل الغرفة، بل وحتى العمال الواقفين عند الباب. رفعت ميشيل علبة شمع صغيرة وهزتها بوجه مورين:


— "أتتركين هذه خلف اللوحة الثالثة فوق المدفأة؟!"


شردت إميلي في ذهول وإعجاب.. كيف عرف السيد الشاب بوجود علبة الشمع الصغيره تلك، وهي مخبأة خلف لوحة أصغر منها؟ يبدو أن الأشخاص رفيعي المقام يمتلكون بالفعل قوة ملاحظة استثنائية!


— "لكنني متأكدة أنني جمعتها..."


— "لا تبتكري الأعذار!"


واصلت ميشيل صبّ جام غضبها وتوبيخ مورين لفترة طويلة، قبل أن تدير وجهها الذي لم يهدأ ناره بعد، لتقع عينها على إميلي.


— "أنتِ... أجل، اتبعيني."


وبدا أن ميشيل ارتاحت لرؤية إميلي وهي تقف بكتفين منكمشين وتعابير يعلوها الوجل، فخرجت من الغرفة معودة استكمال الشرح الذي لم تنهه سابقاً:


— "ستكونين مسؤولة عن الطريق الممتد أمام القصر وحتى البوابة الرئيسية. وكما رأيتِ للتو، لن يُعتبر التنظيف منتهياً إلا إذا لم تتبقَّ ذرة غبار واحدة."


يبدو أن معايير النظافة هنا عالية بشكل لا يخطر على بال. استوعبت إميلي ذلك جيداً، وتبعت الخادمة الأقدم نزولاً عبر الدرج المركزي. ورغم أن الطابق كان نصف سفلي (بدروم)، إلا أن الضوء ينفذ إليه بغزارة وكأنه الطابق الأول، مما جعله يبدو أكثر راحة من منزلها بكثير.


— "وأيضاً، المناطق التي ستتولين تنظيفها بالترتيب هي: غرفة الاستراحة، غرفة الخياطة، قاعة طعام الخدم، المطبخ، ثم غرفة المؤن. والآن، لننتقل إلى المبنى الملحق... إلى سكن الخادمات."


— "حاضر."


حثت إميلي خطوها لتقفي أثر ميشيل السريعة، ليتراءى لها هذه المرة بيت من الآجر مكون من ثلاثة طوابق يقع خلف القصر. ورغم أنه مُخصص لسكن الخدم، إلا أنه كان بلاشك أكثر فخامة من بيوت أثرياء مدينة "تولوم".


— "في بعد الظهيرة، ستساعدين في المهمات الصغيرة بالمطبخ. غرفتكِ هي الغرفة الأخيرة في الطابق الثالث."


ما إن فتحت الباب، حتى نهضت خادمة صغيرة من مكانها.


— "هانا، هذه إميلي."


— "أهلاً يا إميلي."


رحبت بها الخادمة ذات الشعر البني الداكن المسماة "هانا" بابتسامة لطيفة. استبشرت إميلي بهذه الطيبة الأولى التي تتلقاها في القصر، وردت بابتسامة مماثلة، غير أن ميشيل أردفت:


— "إنها من أهل تولوم."


— "إييه؟"


ما إن سمعت هانا عن أصلها، حتى قطست أنفها باقتضاب وتغيرت تعابيرها، ليختفي البِشر من وجه إميلي تماماً في اللحظة نفسها.


— "في النهاية، ألم يرسلوا أحداً من العاصمة؟"


— "كفّي عن الكلام الفارغ."


— "...حاضر."


فيما كانت هانا تجيب بمطواعية، ظلت إميلي واقفة في مكانها بذهول. وفي تلك الأثناء، دخلت خادمة أخرى وحملت بين يديها حزمة ملابس وألقتها إليها.


— "الملابس الداخلية ترتدينها من ملككِ الخاص. الجزء العلوي لعمل الصباح، والفرع السفلي لفترة بعد الظهيرة."


وبينما كانت إميلي تتلقى ثقل حزمة الملابس، واصلت ميشيل تعليماتها:


— "عندما يدق الجرس، تعالي إلى قاعة طعام الخدم التي رأيتها سابقاً. تناولي غداءكِ ثم ابدئي فوراً بالمهمات الصغيرة."


غادرتا كالسيل المنسحب، تاركتين إميلي تائهة في مكانها. ولم يتبقَّ في الغرفة الهادئة سوى هي وتلك الخادمة الصغرى "هانا".


— "لا عجب إذن! لهذا السبب كان الأمر كذلك."


تكلمت هانا التي كانت تجلس على سريرها بنبرة ساخرة، حيث يمنحها أنفها الأفطس المرتفع قليلاً انطباعاً بالتكبر:


— "سمعتُ أنكِ دخلتِ من البوابة الرئيسية. لقد أحدثتِ ضجة كبيرة هناك قبل قليل."


تنهدت إميلي بصوت خفيض بعد أن فهمت مغزى كلامها متأخرة. بالحديث عن ذلك... يبدو أنها، في جهلها ومقامها الوضيع، قد دخلت من البوابة الرئيسية وكأنها ضيفة!


— "ظننا أن أحداً من العائلة المالكة أو المقربين قد وصل من العاصمة، فنظرتُ من النافذة لأرى من القادم، وإذا بي أجد فتاة ريفية صعلوكة... كم كان الأمر مثيراً للضحك!"


تلك الفتاة التي أمامها لم تكن تدرك بوضوح أنها هي نفسها مجرد فتاة ريفية! لكن، بما أنه يومها الأول، فلا يصح أن تفتعل شجاراً وتردّ الإهانة بمثلها، فكان جوابها مبهماً:


— "...هكذا حدث الأمر. عربة الأجرة هي من أنزلتني هناك."


— "لا تبتكري الأعذار!"


يبدو أن هذه الخادمة الصغيرة تحب تقليد أسلوب ميشيل في الكلام. كتمت إميلي ابتسامة مريرة وسألت:


— "أين الباب الذي يسلكه الخدم؟"


— "من هناك، خلف المحرقة. ستعرفين ذلك عندما ترحلين، فلماذا تسألين من الآن؟"


رغم تذمرها، إلا أنها كانت تجيب على الأسئلة بنوع من السلاسة.


— "صحيح. إذن، هلّا تفضلتِ الآنسة 'هانا' القادمة من العاصمة بإنعام معرفتها على هذه الفتاة الريفية، وتعليمها كيفية ارتداء ثياب الخادمات؟ أظهري لي كيف يكون الشخص الراقي كريماً ولطيفاً."


— "حسناً."


ورغم أن إميلي كانت تمازحها بعبارات مغلفة بالإطراء اللطيف، إلا أن هانا لم تفطن لذلك وظلت تتصرف بكبرياء، بل ووقفت إلى جوارها أثناء تبديل ملابسها وهي توجه إليها النصائح والملاحظات:


— "احرصي على ارتداء القبعة جيداً كي لا يتناثر شعركِ بإهمال."


— "شكراً لكِ."


رغم نبرتها الجافة، إلا أنها لا تبدو فتاة سيئة تماماً.


ولكن، عندما نزلت إلى قاعة الطعام في موعد الغداء...


— "لا توجد أماكن شاغرة. يمكنكِ الأكل واقفة هناك."


رغم أن المكان كان مكتظاً، إلا أنه كانت هناك زاويتان تفصل بينهما مسافة وبها مقعدان فارغان. وقفت إميلي عند الباب لبرهة وهي تفكر بحيرة.


— "أو يمكنكِ الذهاب إلى المطبخ للأكل."


كانت العبارة التي قالتها هانا وهي تحتل أحد المقعدين بمثابة إشارة واضحة؛ مغزاها الخفي: "لا تتجرئي على طمع المقعد الفارغ الآخر".


أومأت إميلي برأسها دون ممانعة:


— "هذا أفضل."


جلست في زاوية المطبخ بجوار أكياس الحبوب، منكمشة على نفسها كي لا تعترض طريق عمال المطبخ المشغولين بحركة دؤوبة... وكان الغداء:


لذيداً على نحو غير متوقع إطلاقاً! يا ترى أي نوع من اللحم هذا؟ وما نوع الدقيق المستخدم ليجعل الخبز بهذه الطراوة؟ وأي توابل أُضيفت إلى الفاصوليا المسلوقة لتعطيها هذا الطعم الساحر؟


مرّت فترة بعد الظهيرة بسرعة لم تدرِ معها كيف انقضى الوقت.


لم يكن العمل سهلاً. بالطبع كانت تتوقع ذلك، لكنها لم تظن أنها ستتخبط إلى هذا الحد. ورغم أنها مجرد مهمات صغيرة، إلا أن لحظات الذهول والضياع كانت تداهمها باستمرار.


معظم المشاكل كانت تنبع من جهل إميلي بأسماء الأشياء؛ فكلما طُلِب منها جلب شيء ما، كان عليها أن تسأل مرة ومرتين وثلاثاً لتستوضح.


وبعد أن سمعت زفرات استياء لا حصر لها، وتلقت نظرات باردة كالجليد من كل من قابلته، وبعد أن أكلت "وجبة العين والغمز" اللذيذة مجدداً في المطبخ، لم تتمكن إميلي من التحرر من أغلال هذا العمل الشاق إلا في تمام الساعة الثامنة مساءً.


عند عودتها إلى الغرفة، كادت تجلس على السرير لترتاح قليلاً، لكن صراخ هانا وإلحاحها بأنها لن تسمح لها بالنوم دون أن تغسل قذر يومها، أجبرها على سحب جسدها المنهك والقيام مجدداً.


وفي ذلك الوقت المتأخر، كان الحمام المشترك الخالي من الناس يحتوي على مفاجأة مذهلة: برميل خشبي كبير ممتلئ عن آخره بالماء الساخن! بالنسبة لإميلي التي اعتادت مسح جسدها بمنشفة مبللة كطريقة للاستحمام، كان هذا دلالاً فائقاً تتقاصر عنه الكلمات. حتى الصابون المعطر كان ثرياً وفاخراً جداً بالنسبة لعمال عاديين.


— "……."


وبينما كانت تتأمل فخامة القصر بإعجاب، تذكرت إميلي السيد الشاب الذي رأته نهاراً. ففي هذا المكان المليء بكل ما هو ثمين ونادر، كان هو يبدو الأثمن والأكثر نبلاً على الإطلاق.


أن يعاني شخص مثله من الجنون... لم تملك إميلي إلا أن تشعر بأسى خفي في قلبها، لكن هذا الخاطر سرعان ما تلاشى؛ فليس من حقها ولا في مقامها أن تكنّ الشفقة لأمثاله.


بل إنها لم تملك حتى ترف التفكير في هذه الخواطر الفارغة. تنهدت إميلي تنهيدة مكتومة وهي تستحضر حقيقة أن عليها بدء التنظيف غداً في الساعة السادسة صباحاً، مما يعني أن عليها الاستيقاظ في الخامسة والنصف فجراً.


في الصباح الباكر، وسط الضباب الكثيف المتناثر، كان "آرثر" يرمق أملاكه... أو بالأحرى، كان يراقب كلاب الصيد وهي تركض وتلهو في الحقول.


سمع أن تلك الكلاب، التي كانت تمزق أرنباً إرباً إرباً وتلعب به، قد قُيِّد إطعامها عمداً. ورغم أنهم يطلقونها حول القصر من الغسق حتى الصباح بحجة الإمساك بالفئران واللصوص، إلا أنها في الحقيقة تحذير صامت يوجهه الخادم الرئيسي (البيتشار) إليه: "لا تحلم بالهروب أبداً".


— "سيدي الشاب، هل أنت بخير؟"


سأله الرجل الواقف بجانبه بحذر، إنه "بول" حارس الصيد. لا شك أنه شارك في حيلة الخادم الرئيسي، لكن لا داعي لإظهار مشاعره وتفريغ غضبه في حارس مجرد ينفذ الأوامر.


— "ماذا هناك؟"


ورغم أنه سأل بنبرة عادية وكأن شيئاً لم يكن، إلا أن بول انكمش بملامح وجلة وزمزم بصوت خفيض:


— "بالأمس... هل نال ما طلبتموه إعجابكم...؟"


— "آه، ذاك."


ما إن رفع آرثر طرف شفتيه بابتسامة، حتى اطمأن الرجل الذي لا يجيد سوى هذا القدر من العمل، وكشف عن أسنانه ليشاركه الابتسام:


— "ألم أخبركم في الوقت المناسب تماماً؟ هل رأيتم وجه تلك الفتاة جيداً؟"


بل إن حارس الصيد أضاف بلهجة تفيض بالفخر:


— "يقولون إنها أجمل فتاة في 'تولوم'، وشهرتها تملأ الأرجاء هناك."


كاد يضحك ساخراً من هذا الكلام الذي لا يمت للواقع بصلة، لكنه هنا مجرد شاب مستهتر ولاهي بنظرهم.


— "أجل."


طالما أن هذه الوصمة قد أُلصقت به، فعليه استغلالها كما يجب. اتسعت الابتسامة على شفتي آرثر؛ فمسايرة هذا الحارس الغبي ليست بالأمر الصعب على الإطلاق.


— "تبدو حسناء... هذا إن غسلنا عنها قذارة الريف بالطبع."


رغم أنه لا يتذكر من هيئة تلك المرأة سوى ملابسها الفضفاضة التي لا تناسب مقاسها بتاتاً. بل حتى لو كان لها ثلاث عيون، فلن يهم الأمر في شيء.


إنها غريبة أتت من خارج القصر.


وبما أن بول والعمال قد دبروا الأمر لتكون هي "الفتاة الحسناء" لتهدئة رغباته وهو "المفتون بالنساء"، فمن المؤكد أنها ليست جاسوسة لـأي شخص. لذا، لن يجد في الوقت الحالي شخصاً أكثر ملاءمة منها.


سأل آرثر بأكثر نبرة مستخفة ومستهترة يستطيع اصطناعها:


— "أمثال هؤلاء النساء... ما الذي يعجبهن؟"


لم يعد لديه ترف اختيار الوسائل أو الطرق بعد الآن. عليه استمالة تلك الفتاة الريفية بأي شكل كان، والفرار من هذا المكان!


لأنه إن استمر الوضع على هذا النحو... فإن سجنه داخل الغرفة ليتحول إلى حطام إنسان ليس سوى مسألة وقت.

إرسال تعليق

0 تعليقات