الفصل (3) Please Just Use Me
في بعد ظهر يوم الجمعة، كانت "إميلي" تنظف الدرج بجدٍّ واجتهاد، إلى أن جاءت إليها الخادمة الأقدم "ميشيل" بملامح يملؤها التعب.
— "إميلي، السيدة 'فولر' تطلبكِ."
— "نعم؟"
— "رتبِي مظهركِ جيداً قبل الذهاب. فالوكيل الإداري للقصر، السيد 'جيفرسون'، موجود هناك."
كان اسماً تسمعه للمرة الأولى، لكن صفته كوكيل للقصر تعني أنه شخصية مرموقة وذات شأن. خرجت إميلي من الباب الخلفي، فنفضت مئزرها، واتخذت من الدلو المعدني مرآة لتعديل هندامها، ثم اتجهت نحو غرفة رئيسة الخادمات.
تنفست عمقاً، ثم طرقَت الباب الخشبي الداكن ذي المسحة الحمراء. غير أنه لم يأتِها أي رد.
ترددت إميلي لبرهة، ثم رفعت صوتها بالحذر:
— "السيدة فولر."
— "انتظري لحظة."
استمرت الهمسات والتمتمات في الداخل لفترة ليست بالقصيرة. وبعد انتظار طويل، دوّى صوت رئيسة الخادمات:
— "ادخلي."
ما إن فتحت الباب حتى التفت إليها رجل في منتصف العمر ذو مظهر أنيق ويرتدي معطفاً مرتباً، كان يجلس في الناحية المقابلة لرئيسة الخادمات.
— "حيّيه.. إنه وكيل القصر، السيد جيفرسون."
— "أهلاً بك يا سيد جيفرسون، أنا إميلي تيرنر."
كان الوكيل، الذي يبدو أنه تجاوز الخمسين من عمره، ضخم البنية ويرتدي معطفاً صوفياً فاخراً يلمع بنعومة. ولكن بعيداً عن ثيابه الباهظة، كان أنفه المعقوف وعيناه الصغيرتان يضفيان عليه انطباعاً خبيثاً وغير مريح.
— "أهذه هي فتاة 'تولوم'؟ أهي التي قمتِ بتوظيفها في فترة غيابي؟"
من نبرة كلامه المحفوفة بالتحفز والحدة، تساءلت إميلي في سرها: هل ينوي طردها؟ فبحسب الذريعة التي سيتعلل بها، قد لا تقتصر الخسارة على حرمانها من الدفعة المقدمة لرواتب ثلاثة أشهر، بل قد تجعله يحرمها حتى من أجر الأيام القليلة التي عملت فيها!
— "إن لم يعجبك الأمر، فتفضل واجلب العمال بنفسك."
لكن رد رئيسة الخادمات القاطع والصارم أوضح أنها لن تتخلى عنها بسهولة. أخذت إميلي تراقب الموقف بحذر وتستشف ما يدور.
— "كان يجدر بكِ يا سيدة فولر أن تحسني الإدارة، لا أن تطردي الجميع ثم تقفي حائرة!"
— "هل أنا من طردهن؟ هن من رفعن أيديهن استسلاماً وغادرن المكان!"
هل شعر الوكيل بأنه لن يستطيع التغلب على رئيسة الخادمات في جدال كلامي؟ أم أن هناك أسباباً أخرى أكثر وجاهة جعلت الخادمات يغادرن؟ لم يكن لدى إميلي وقت للتفكير في هذا اللغز، فقد حول الوكيل نظراته إليها وهو يفرقع بلسانه استخفافاً:
— "وماذا كانت تعمل هذه الفتاة من قبل؟"
— "ألم أذكر لك أنها عملت في منزل قس الإبرشية لثماني سنوات؟ ألم تتفحص خطابات التوصية؟ لقد أرسلتها مع الصبي المساعد لتقرأها."
لحسن الحظ، واصلت رئيسة الخادمات التدخل والدفاع عنها.
— "إن كان الأمر كذلك، فلماذا تركت العمل لدى القس ولم تستمر هناك؟"
— "مكتوب في خطاب التوصية أن القس وزوجته سيسافران بعد شهرين في تبشيرية إلى القارة الجديدة... حسناً، سأصمت ولن أتكلم!"
— "أنتِ! قفي باستقامة هنا."
هذه المرة، كان الخطاب موجهاً لإميلي حقاً. تقدمت بضع خطوات للأمام، ووقفت بملامح أظهرت فيها أكبر قدر ممكن من الوداعة والمسكنة.
— "هل تجيدين القراءة والكتابة؟"
فيما كانت تومئ برأسها إيجاباً، زمزمت رئيسة الخادمات بصوت خفيض:
— "من ذا الذي لا يعرف القراءة والكتابة في زماننا هذا؟"
— "لكنها لا تبدو كبنات 'تولوم'."
رغم أنها لم تعمل في القصر إلا أياماً قليلة، إلا أن مظهر إميلي الخارجي قد تهذب وترتب كثيراً. فشعرها الذي كان منفوشاً بات ملموماً بأناقة بفضل الزيت الذي أعطته لها ميشيل، ووجها الذي كان جافاً ومتشققاً أصبح أملساً بفضل الكريم الذي استعارته من هانا.
— "هل تحققتِ من بياناتها الشخصية بالكامل؟"
— "تلك الفتاة... شقيقها مريض ووالدتها... ماذا كانت مشكلتها نسيت؟"
بادرت إميلي بتصحيح كلام رئيسة الخادمات فوراً:
— "أخي بصحة جيدة ولكنه صغير السن، وأمي هي المريضة؛ فهي تعاني من أمراض مزمنة متكررة منذ وفاة والدي."
— "أحقاً؟"
وفيما كان الوكيل يفكر في شيء ما، فتحت رئيسة الخادمات درج المكتب فجأة:
— "لهذا السبب اتفقتُ معها على إعطائها دفعة مقدمة. تعالي وخذيها."
بسطت إميلي يديها بلهفة وتلقائية. لم تكن فرحتها محصورة في مبلغ الـ 12 كرونة الفاخر فحسب، بل لأن هذا المبلغ كان بمثابة ضمانة أكيدة على أنها لن تُطرد من القصر طوال ثلاثة أشهر على الأقل. لكن الوكيل أطلق ضحكة غير متوقعة:
— "انظري إليها! لقد أشرق وجهها لمجرد ذكر المال."
— "وهل تنتظر غير ذلك؟ إنها من أبناء 'تولوم' في النهاية."
حتى رئيسة الخادمات ضحكت بسخرية خفيفة، لكن إميلي لم تشعر بالخجل.
— "هل أنتِ مجنونة بالمال أيضاً؟"
أمام سؤال الوكيل الذي بدا مستمتعاً بوضوح، لم تدرِ إميلي بماذا تجيب. فلو أجابت بـ "بالتأكيد"، فقد يتهمونها بالدناءة ويطردونها!
— "لا تمازح الفتاة المسكينة يا سيد جيفرسون، أنت شخص قاسي القلب."
وبفضل كلمات رئيسة الخادمات اللطيفة، وُضعت في كف إميلي اثنتا عشرة قطعة نقدية فضية لمعانها يبهج النفس. تنفست إميلي الصعداء.
— "ليس الأمر كذلك يا سيدة فولر، كم من الناس سقطوا في غياهب الغواية وفقدوا أخلاقهم بسبب المال!"
ومهما سخر الوكيل أو تهكم، فقد أصبح المال داخل جيبها بالفعل. ولن يستطيع أحد استرداده منها بسهولة، مما جعل بال إميلي يهدأ قليلاً.
— "إذن يا 'إلينا'... أنتِ تؤمنين بالله ولن ترتكبي أفعالاً سيئة، أليس كذلك؟"
— "اسمي إميلي. وأنا بالطبع أؤمن بالله، وأعلم جيداً النظرة الصارمة للسيدة فولر التي ترعى هذا القصر بكل حزم..."
هل استكان قلبها حقاً واطمأن؟ يبدو كذلك، حتى إن فمها الذي كان مغلقاً بإحكام انطلق بالحديث دون تردد!
أرادت إميلي أن توضح نقطة جوهرية: "أنا فقيرة، لكنني لست غبية".
— "كما أن تجار البضائع المسروقة في 'تولوم' لن يشتروا أشياء ثمينة من شخص لم يعمل في القصر سوى بضعة أيام. ولو أبلغتُ عن أي سارق في القصر فوراً، فسأحصل على مكافأة مضاعفة."
— "هذا صحيح."
استرقَت النظر لتجد السيدة فولر تومئ برأسها بارتياح ورضا. لكن الوكيل لم يكتفِ بذلك على ما يبدو:
— "على أي حال، لماذا ترهقين نفسكِ بهذا العمل الشاق وأنتِ تمتلكين وجهاً حسناً كهذا؟"
بحق! كانت تظن أن أصحاب المعاطف الباهظة مثل هذا الرجل لا يعرفون الألفاظ السوقية. ولكن، بالنظر إلى ما يقوله أوباش الشوارع حقاً، فإن أسلوبه هذا يُعد تهذيباً فائقاً!
وعلى أية حال، ومراعاةً لفضول الوكيل المنتظر للإجابة، قررت إميلي مجاراته قليلاً:
— "لأنني لست بالجمال الذي ينقذ أمي المريضة وأخي الصغير من عوزهما."
— "ولماذا؟ ألا يوجد شاب واحد عميت بصريته بين الشباب؟"
غير أن الوكيل لم يسحب اهتمامه بسهولة، بل واصل إلقاء نصائحه التي لا تُدرى أهي إشفاق أم فضول متطفل:
— "العمل هنا لن يترك لكِ سوى بضع قروش معدودة، فما الذي يجبركِ على القيام بهذه الأعمال الشاقة حتى تتشقق يداكِ؟ هذا ما أعنيه."
ومع كلماته تلك، أشار الوكيل إلى يدي إميلي؛ إلى ظهر كفيها المحمرين والمتورمين جراء التكنيس والتلميع أمام بوابة القصر طوال الصباح تحت الرياح الباردة.
— "أنت تتحدث بكلام فارغ مع الفتاة."
حين تدخلت رئيسة الخادمات بتلك العبارة، تجهم وجه الوكيل فجأة:
— "ما هذا؟ أنا لم أقل شيئاً سيئاً! كل ما قيل ان فتاة شابة مثلها، يجدر بها أن تتزوج زواجاً جيداً، أليس هذا أفضل؟"
ورغم أنه حتى لو تزوجت في أي بيت من بيوت 'تولوم'، فلن تعمل بأقل مما تعمله الخادمة هنا، إلا أن الوكيل واصل إصراره على رأيه:
— "أي رجل نبيل يمتلك المال والشفقة لن يتجاهل عائلة زوجته. بالطبع، قد يتطلب الأمر منها بعض الصبر والحنان لرعاية أطفاله من زوجته السابقة..."
وهل موقف الزوجة الثانية أمر هين؟ فحتى لو حالفها الحظ وتحملت الصعاب الجمّة، فغالباً ما يكبر الأولاد الذين ربتهم بشقاء ليطردوا زوجة أبيهم في النهاية.
ولكن، بما أنه لا داعي لشرح الواقع لرجل يلقي الكلام دون تفكير عميق، فقد ضمت إميلي يديها بخشوع وفتحت فمها قائلة:
— "أشكرك على نصيحتك الطيبة، لكنني أعلم أن قلوب البشر تتغير بسهولة، وقلوب الرجال الأثرياء تتغير بأسرع مما نتخيل. الشيء الوحيد الذي لا يتغير في هذا العالم هو 'قدسية العمل' التي فرضها الله كواجب على الإنسان... هذا ما تعلمته."
وبينما كانت ترقب ملامح الوكيل وهي تلين وتسترخي، أضافت إميلي نبرة توكيدية:
— "وأيضاً، قد ترى أنها قروش معدودة، لكنها بالنسبة لي مبلغ ضخم جداً. شكراً لكِ يا رئيسة الخادمات."
تمنت إميلي أن تنتهي المحادثة عند هذا الحد، غير أن رئيسة الخادمات رمقتها بنظرة ملؤها الشك والتوجس:
— "تتحدثين وكأنكِ امرأة متعلمة ورفيعة الشأن؟"
— "هذا كلام كانت تكرره على مسامعي زوجة القس كل يوم."
— "لا عجب إذن."
ما إن أجابت بسرعة حتى زال شك رئيسة الخادمات، وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا، ثم التفتت إلى الوكيل تسأله:
— "سيد جيفرسون، أظن أن حديثنا قد انتهى الآن؟"
وبما أنه لم يجد أي ثغرة أخرى يتعلل بها، أطلق الوكيل سعالاً متكرراً بافتعال، ثم لوّح بيده كأنه يطردها:
— "نعم. حسناً، يمكنكِ الذهاب الآن."
وما إن سقطت كلماته تلك حتى غادرت إميلي الغرفة بسرعة خاطفة.
وبعد أن أُغلق الباب، همست رئيسة الخادمات بصوت خفيض:
— "يبدو أن فتيات العاصمة هذه الأيام يفضلن العمل كبائعات في المتاجر على أن يعملن كخادمات بالطريقة القديمة. ولهذا السبب، لم يرسلوا لنا بدائل رغم أنه لم يتبقَّ لدينا سوى سبع خادمات فقط."
— "……."
— "هذه الفتاة تم التحقق من بياناتها عبر عدة أشخاص. ليس لديها أمراض، وتجيد الأعمال المنزلية الشاقة. وهي بحاجة ماسة للمال، لذا لن تغادر القصر قريباً."
فرك الوكيل جبهته ثم أومأ برأسه موافقاً:
— "هذا صحيح. طالما أنها من أهل هذه المنطقة، فقد نشأت وهي ترى مختلف أصناف البشر، فلن تفكر في الهروب. وكما أرى، فهي تعرف قدر نفسها جيداً..."
ولكن، رغم ذلك، سأل الوكيل بشيء من التردد والريب:
— "ألم تكن السيدة فولر قلقة للغاية من أن يلمس ابن الكونت خادماتنا؟ ألا تقلقين من أن تتفوه هذه الفتاة بكلام معسول وتتسبب في مشكلة؟"
— "مستحيل! هل يعقل أن يلتفت إلى امرأة تفوح منها رائحة المجاري؟"
استخفت رئيسة الخادمات وضحكت ساخرة، لكن الوكيل هز رأسه ناعياً:
— "سيدة فولر.. يبدو أنكِ لا تعرفين إلى أي مدى يمكن أن ينحدر أصحاب السلوك الخاطئ..."
— "كفانا من هذا! وحتى لو لمسها، فما المشكلة؟ إنها مجرد فتاة من 'تولوم'."
قاطعته رئيسة الخادمات مؤكدة بحزم:
— "الخادمات القادمات من العاصمة يصعب إسكات الإشاعات حولهن. أما هذه، فإعطاؤها بضع قروش لإغلاق فمها لن يكون أمراً صعباً على الإطلاق."
"كيف آلت الأمور إلى هذا الحد؟"
فكرت إميلي وهي تحدق بالشخص الواقف أمامها.
منذ الأسبوع الماضي، كان الحظ يحالفها باستمرار... ولكن يبدو أن كل ذلك الحظ لم يكن سوى مقدمة لهذه المصيبة الحالية!
— "أهلاً."
جرى العرق البارد على ظهرها. وفي حدقتي عينيها اللتين اتسعتا من هول الصدمة، انعكست صورة ذلك الشخص الرفيع المقام... الذي لم يكن يجدر بها حتى مجرد النظر إليه!
— "أنتِ... ما اسمكِ؟"


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا