الفصل (66) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,

 


كانت الشمس تغرب تدريجياً، غامرةً المرفأ بتوهج ذهبي دافئ. وبدا البحر هادئاً وساكناً، وكأنما يبارك هذا اليوم.

رفعت ديلنيا عنقها وتطلعت إلى السفينة القديمة الكبيرة التي يبدو أنها اختيرت لتكون مقراً لحفل الليلة. كانت الفوانيس الصغيرة تتدلى من حواف السفينة، لتضفي لمسة ساحرة على أجواء المأدبة، وحولها تجمّع البحارة في مجموعات صغيرة يتبادلون أطراف الحديث، بينما حملت النسمات الدافئة لـعتبات الخريف صدى ضحكاتهم وصخبهم.

كان مشهداً يعم بالسلام، مشهداً لا يمت لها بصلة على الإطلاق.

جالت ديلنيا ببصرها في الأنحاء، آملةً في العثور على الشخص المناسب لتوكله بمهمتها. كانت هناك مجموعة من الأشخاص يقفون عند السلالم المؤقتة المؤدية إلى مدخل السفينة؛ وبمقدورها أن تطلب من أي شخص منهم يرتدي الزي العسكري إيصال الرسالة.

حركت قدميها مجدداً، متجهة مباشرة نحو أكثر بحار يبدو بارزاً وواضحاً بالقرب من السلالم.

"معذرة."

التفت الرجل الواقف في الممر فور سماع النداء المفاجئ.

بدا وجهه مألوفاً بشكل غريب. تملكت المفاجأة ديلنيا، فحدقت في الرجل مذهولة، ونسيت تماماً الكلمات التي خططت لقولها.

"إيه؟ إيبر..."

أما الرجل، فقد تعرّف عليها أولاً، فشهق بذهول وسارع بتغطية فمه بيده. ولم يستغرق الأمر طويلاً من ديلنيا لتتعرف عليه بدورها؛ فرغم ملامحه الخشنة، إلا أن مظهره الفتي كان لا يخطئه أحد.

"الملازم... دييب؟"

سيلفر دييب. الضابط الذي أظهر لها بادرة اللطف الوحيدة عندما نُقلت من قلعة بيلفورت إلى العاصمة.

انحنت عينا سيلفر الحادتان بأقصى ما يمكن وارتسمت على وجهه ابتسامة طيبة ونقية عندما أدركت هويته، وقال:

"لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتكِ! ولقد أصبحت ملازماً الآن، ولم أعد ملازماً ثانياً."

"آه، فهمت..."

تلاشت كلماتها، وتملكها شعور بالارتباك والضيق؛ فلم تكن تتوقع أبداً أن تلتقي بشخص تعرفه هنا.

لكن سيلفر لم يلاحظ عدم ارتياحها؛ فقد كان سعيداً للغاية برؤية وجه غاب عنه منذ مدة طويلة. وبالطبع، لم يكن بمقدوره سوى الشعور بالفرح الخالص لرؤيتها.

كانت آخر مرة رآها فيها شخصياً بعد وقت قصير من انتحار الكونت إيبرن، ومنذ ذلك الحين لم يسمع عنها سوى أخبار تفيد بأن العقيد قد استعبدها واحتجزها عنده.

’كم تملكتني المفاجأة عندما سمعت ذلك لأول مرة.‘

تلقى سيلفر الأخبار وهو في طريقه نحو بلوا. فقد افترض أنه إذا استقر روان في العاصمة، فإنه سيبقى هناك أيضاً، ولكن على عكس توقعاته، كان اسمه على رأس قائمة العائدين إلى بلوا. ورغم دهشته من هذا الأمر غير المتوقع، إلا أنه لم يكن يملك الكثير ليفعله؛ فالشرف والطاعة هما عقيدة الجندي.

وهكذا، وحتى وهو يشق طريقه مطيعاً نحو بلوا، كان سيلفر يفكر في ديلنيا كثيراً. لم يكن يملك خياراً آخر؛ فهو الشاهد الوحيد على لقائها الأخير بالكونت إيبرن، وقد رآها وهي تضغط على جسدها بالكامل لمنع نفسها من البكاء. وحتى لو لم يعترف أحد بذلك، كان سيلفر لا يزال فخوراً بأنه دافع عن شرفها.

لكن كانت هناك أوقات يشعر فيها بالندم؛ فلو كان يعلم برغبة روان الشديدة في التمسك بهذه المرأة، لتساءل إن كان سيفرض عليها مثل تلك المطالب القاسية، وكأنه يدفع بها من فوق منحدر. وبالطبع، بالنظر إلى مدى قسوة روان وجود جفائه، لم يكن سيلفر يحمل الكثير من الأمل.

ولحسن الحظ، كانت المرأة الواقفة أمامه لا تزال بخير وبكامل جمالها لتبدد كل مخاوفه. كانت وقفتها أنيقة ومستقيمة، تماماً كما كانت عندما كانت لا تزال سيدة آل إيبرن الشابة.

ومع ذلك...

’تبدو نحيلة بعض الشيء.‘

حتى بالنسبة لعين سيلفر، الذي تلقى توبيخاً لا يُحصى من نساء عائلته لقلة ملاحظته، كانت نحافتها واضحة وملحوظة جداً. وبطريقة ما، كان يحيط بها جو من اليأس والإنكسار لم يكن موجوداً من قبل، وخاصة عيناها اللتان بدتا كبحر لا قاع له؛ ذلك النوع من العيون التي تجعلك تحبس أنفاسك عندما تحدق فيها...

"ملازم؟"

أعادها صوتها الرفيع إلى أرض الواقع، فتلعثم سيلفر مدركاً أنه كان غارقاً بالفعل ومأخوذاً بسحر تلك العينين، وقال:

"آه، تعلمين، أقصد..."

شعر بأنه يتعين عليه قول شيء ما، لكن الكلمات استعصت عليه. ولم يستطع حتى طرح سؤال بسيط مثل ’كيف حالكِ؟‘؛ فكيف لامرأة كانت تعتز بنبلها وكرامتها كدم يجري في عروقها أن تكون بخير بعد أن تحولت إلى مجرد عبدة؟

وجيش التمرد وعدم الولاء يهدد بالانفجار في صدره، قال أخيراً:

"هل جئتِ لرؤية العقيد؟"

كان اسماً لم يرغب في ذكره أمامها قط، لكن لم يكن أمامه خيار؛ فروان هو الرابط الوحيد الذي يجمعهما.

أجابت ديلنيا بنبرة تفتقر للدفء وتبدو غريبة: "نعم. لدي رسالة أود إيصالها إليه."

اتسعت ابتسامة سيلفر، على الرغم من الوخز الذي شعر به في أعماق معدته، وقال:

"هيا بنا، لنذهب إلى الداخل، وسآخذكِ إلى العقيد بنفسي."

لوحت ديلنيا ببراحة يدها مسرعة للرجل الذي همّ بفتح الطريق:

"لا، أنا بخير، يمكن للملازم أن يأخذها نيابة عني..."

"ومع ذلك، لا يمكنني إعادة شخص قطع كل هذه المسافة سيراً على الأقدام بمفرده. ليست هذه هي الطريقة التي تعامل بها البحرية ضيوفها."

لم تكن تدري من أين تبدأ لتصحيح مفاهيمه؛ فمن ناحية، لم تكن ديلنيا ضيفة، ولم تطلب يوماً أن تكون كذلك، بل ولا يمكنها أن تكون كذلك أبداً.

فقالت: "لا يا سيدي، لا أريد إفساد متعتك أو مقاطعتك. سأذهب أنا..."

"مقاطعتي؟ سأشعر بالإهانة إن قلتِ ذلك مجدداً. هذه ليست مناسبة رسمية صارمة، لذا لا تشعري بالعبء أو الحرج من المجيء معي."

سيلفر، الذي لم يفهم مغزى رفضها المتكرر، تقدم في السير مخترقاً الحشود.

وفي نهاية المطاف، وجدت ديلنيا نفسها على متن السفينة، وهي تشعر بذات الخفة والاضطراب التي تملكتها فور وصولها. وكان العزاء الوحيد لها هو أن جسد سيلفر الضخم كان بمثابة درع يحجبها عن الأنظار.

"مهلاً يا ريمي. هل تعرف أين يقع العقيد بارتيز؟"

تراجعت ديلنيا داخلياً عن فكرة العزاء؛ فهذا الرجل الذي يشبه الدب يفتقر تماماً للحذر والنباهة.

أجاب زميله باقتضاب: "أعتقد أنني لمحت طيفه على سطح السفينة قبل قليل." ثم أردف، وهو يرمق ديلنيا الواقفة بسكون بنظرة ماكرة: "ولكن من تكون هي؟ لم أتعرف عليها."

"إنها رفيقة العقيد بارتيز في الحفل."

"أها."

جاء الرد يحمل نبرة فهم واستنتاج واضحة. وبدت ديلنيا وكأنها تدرك ما يدور في عقولهم دون حاجة للنظر في خبايا نفوسهم.

امرأة غريبة، ترتدي ثياباً تلفت الأنظار، تأتي لرؤية روان. أضف إلى ذلك شائعات عودته إلى بلوا رفقة عبدة كانت نبيلة في السابق، وستحصل على استنتاج منطقي ومقنع في نظرهم.

ورغماً عنها، رفعت ديلنيا زوايا فمها بأقصى ما يمكن، لتبدو كامرأة لا تشعر بأدنى ذرة من الخزي أو العار. كانت عضلات وجهها مشدودة وكتفاها متصلبين جراء الجهد المبذول، لكنها ابتسمت على أي حال.

واصل سيلفر، غير المدرك لحجم المعاناة التي تبذلها، قيادة الطريق.

علّقت ديلنيا متوسعة العينين بنبرة هبط فيها قلبها: "أعلم أنك مشغول، وأنا متأكدة من أنك تضيع وقتك الثمين معي، لذا إذا كان بإمكانك استدعاء شخص آخر ليتولى الأمر، سأكون ممتنة..." فقد ظنت أنه لو أرسل في طلب خادم أو شخص آخر، ستترك الرسالة معه وتغادر فوراً.

لكن سيلفر خيب آمالها وتوقعاتها بحسم قائلاً: "لا، بالطبع هذا واجبي." كان جاداً للغاية، وكأن مرافقتها هي آخر مهمة مقدسة موكلة إليه، لدرجة أنها لم تعد قادرة على مجادلته.

وفي النهاية، كتمت ديلنيا المستسلمة تنهيدتها وتبعت خطواته.

عبر متاهة من الممرات وصعوداً لدرج ضيق، وصلا أخيراً إلى سطح السفينة.

كان السطح مغموراً بلون وردي ناعم ودافئ بفعل غروب الشمس. وراحت أسراب من النوارس تحلق بحرية في السماء الحمراء، بينما توهجت المياه الهادئة بلون أحمر قاني وكأن النيران قد التهمتها. وعند طاولات صغيرة تنتشر هنا وهناك على السطح، كان السادة بزيائهم العسكرية والسيدات بفساتينهن الأنيقة يضحكون ويتحدثون وهم يتناولون المشروبات والمقبلات.

وكان أحدهم يعزف على الغيتار ويغني بنغمات متنافرة، مما يشير إلى أنه لم يكن مغنياً مدعواً، بل مجرد بحار ثمل يلهو.

علّقت ديلنيا بصدق: "المكان هنا يختلف تماماً عن أجواء المأدبة المعتادة."

ابتسم سيلفر أمام تقييمها الصادق وقال ضاحكاً:

"هاها، نعم، الأمر أشبه بحفلة على متن سفينة كما ترين؛ حيث نملك السفينة في المرفأ والأجواء مهيأة، وعندما يكون لدينا ما نستدعي الاحتفال به، نكتفي بإقامة تجمع صغير فيما بيننا."

كانت الأجواء غريبة بلا شك بالنسبة لديلنيا التي اعتادت المناسبات الرسمية الصارمة؛ فالمأدبة في نظرها لم تكن يوماً شيئاً دافئاً ومريحاً على هذا النحو.

’لو رأت والدتي هذا المشهد، لظنت على الأرجح أنه يتسم بالخفة والابتذال.‘

ومع ذلك، لم تمانع ديلنيا هذه الخفة والحرية التي تسود الأجواء، وبدا ذلك واضحاً من خلال الارتخاء الطفيف في كتفيها. لكن هذا جعلها تشعر أكثر بأنها مجرد غريبة غير مدعوة، ولم تكن تملك حيال ذلك خياراً.

وربما لهذا السبب، بدت النظرات التي وقعت عليها من الأطراف لاذعة وواخزة.

حركت ديلنيا قدميها وهي تحدق فقط في ظهر سيلفر، محاولةً تحويل نظراتها التي كانت تلتفت نحو الأرض باستمرار.

هتف سيلفر الذي يقود الطريق فجأة: "آه، ها هو ذا." بعد أن لمح روان أخيراً.

أما ديلنيا، التي حجب جسد سيلفر الضخم رؤيتها، فقد مالت برأسها إلى الجانب لتستكشف المشهد.


إرسال تعليق

0 تعليقات