الفصل (4) Please Just Use Me



مساء يوم الجمعة، اتجهت "إميلي" نحو الباب الخلفي. وما إن فتحت باب العربة حتى أفسح لها ثلاثة من الخدم الرجال المجال بسرعة ليتركو لها مكاناً.


— "……"


ساورها القلق من أن ثقل هؤلاء الرجال الأشدّاء المزدحمين في جانب واحد قد يتسبب في غرق عجلات العربة، لكنهم وصلوا بحمد الله بسلام إلى بلدة "تولوم".


قبضت إميلي على تنورتها بإحكام وهي تسير فوق الطريق المبلط بالحجارة، متوجسة من أن كيس النقود الثقيل قد يصدر جليلاً كحلقة مفاتيح السيدة "فولر"، فيجلب إليها أنظاراً لا ترغب فيها.


ودون أن تلفت انتباه أحد، عادت إميلي إلى منزلها بسلام. استقبلتها أمها التي أضناها القلق بدموع في عينيها، فردت إميلي بإفراغ غنيمتها فوق الطاولة لتحدث رنينًا وجلجلة مبهجة.


في اليوم التالي، ذهبت إلى العيادة لتجلب قطرة العين لوالدتها، واشترت زوجاً جديداً من الأحذية لشقيقها الأصغر "أوليفير"، وقضت ما تبقى من يوم إجازتها في مواجهة أكوام الأعمال المنزلية التي تراكمت. حتى إن عودتها إلى القصر في وقت مبكر من صباح الإثنين عبر عربة توصيل الأطعمة مرت بسلام وسلاسة.


ولم تتوقف سلسلة حظها السعيد عند هذا الحد؛ فعند عودتها إلى قصر "هيزفيلد"، اكتشفت إميلي موهبة خفية لم تكن تعلم أنها تمتلكها من قبل.


كانت الخادمات الأخريات أول من لاحظ ذلك، وبلغت بهن الدهشة حداً أذهل حتى "ميشيل" والسيدة "فولر" بنفسها. لم يكن مجرد إتقان، بل كان أشبه بموهبة فطرية!


— "...أأنتِ من نظف موقد المطبخ بمفردكِ؟"


— "نعم."


تنظيف الأماكن التي تتداولها الأيدي يومياً لم يكن بالأمر الصعب على إميلي. فهي معتادة على فرك منزلها وتنظيفه، حيث يؤدي أي إهمال بسيط إلى تراكم العفن والدهون اللزجة التي يصعب إزالتها.


— "وقمتِ بتنظيف أدوات الطبخ أيضاً، أليس كذلك؟"


رفعت السيدة فولر مقلاة لتفحصها، ثم أطلقت ضحكة خفيفة. كانت أسطح المقالي نظيفة للغاية لدرجة أن حتى السخام والأوساخ المحترقة قد قُشِطت تماماً.


تلطفت معاملة بعض العاملين مع إميلي قليلاً، لكن هذا لم يعنِ أنها أصبحت المدللة في القصر. خاصة بعد ما حدث خلال غداء يوم الثلاثاء.


عندما دق الجرس معلناً موعد الوجبة، تصادف وجود إميلي بالقرب من قاعة الطعام. وما إن خطت عبر الباب المفتوح، حتى قطست إحدى الخادمات في الداخل أنفها باشمئزاز:


— "تؤ، ما الذي أتى بكِ إلى هنا في وقت مبكر كهذا؟"


فهمت إميلي الموقف فوراً، واصطنعت ضحكة خفيفة لتلطيف الجو:


— "سأذهب إلى المطبخ."


— "لا يا مورين، لماذا تعاملين إميلي بهذه القسوة؟"


أشارت خادمة أخرى نحو مقعد فارغ في طرف الطاولة، لكن تعابير وجهها أوضحت أنها لم تكن صادقة في دعواتها.


ردت إميلي وهي تلوح بيديها ملوحة بالرفض:


— "أنا بخير، المطبخ دافئ ولا أمانع الأكل هناك."


خلفها، توقفت أصوات الخطوات المقتربة فجأة. يبدو أن بقية العاملين ترددوا في الدخول عندما رأوها بالقرب من قاعة الطعام.


لم يكن هذا الوقت المناسب لتسبب الحرج للجميع. ودون أن تتلكأ، أسرعت إميلي بالذهاب إلى المطبخ.


— "يا للإزعاج!"


رمقتها "بينيا"، الطباخة التي كانت لطيفة معها نسبياً، بنظرة ملؤها الحيرة. لم تكن نظرة عتاب على قلة وعيها، ولا انتقاداً لقسوة الآخرين، بل كانت مجرد إشفاق بسيط، وطريقة لإظهار كرمها الخاص. ولم تكن إميلي بحاجة لسوى ابتسامة امتنان تبادلها إياها.


وكما هو متوقع، سرعان ما فقدت بينيا اهتمامها بها، وصاحت بصوت عالٍ وكأن شيئاً لم يكن:


— "لا يوجد من إوز الصليق سوى ما يكفي لسبعة أشخاص فقط!"


لم تكن إميلي ممن يتهافتون على الطعام؛ فلو لم تتذوق إوز الصليق بصلصة العنب الخبيث طوال حياتها، فلن تتجرأ على لمس الأطباق الموضوعة على طاولة المطبخ.


ولكن عندما دخلت "هانا" متأخرة، وأخذت حصتها من الخبز، ثم أخذت قطعة من الإوز، شمتها وقطست وجهها باشمئزاز، ثم مشت نحو إميلي:


— "يع، إنه إوز! أتريدين هذا؟"


— "إن كنتِ لا تريدينه..."


وبدلاً من الرد، ألقَت هانا قطعة الإوز فوق طبق إميلي المليء بالفسيخ المخلل. وبفضلها، حظيت إميلي بوجبة فاخرة لم تكن تتجرأ حتى على الحلم بها. كانت لحمة الفخذ المقرمشة والشهية المدهونة بالصلصة الحلوة والحامضة بمثابة طعام فاخر حقاً.


ظنت إميلي أن سلسلة حظها السعيد ستستمر، لكن الحادثة وقعت في اليوم التالي.


— "علينا قشط الأوساخ القديمة، ابدأن بالسقيفة التي تحت الدرج."


كلفت ميشيل إميلي وخادمتين أخريين بهذه المهمة. لكن ما إن وصلن إلى السقيفة، حتى بدأت الخادمتان في التكاسل والتقاعس.


— "هل تظنين أن بها براغيث أو قمل؟"


— "إنها تجعلني أشعر بالتوتر، ألا تجعلكِ تشعرين بالتوتر أيضاً؟"


كانتا تتهامسان وهما ترمقان إميلي بنظرات خاطفة من زاوية الغرفة.


ماذا عساها تفعل؟ تساءلت إميلي لبرهة قبل أن تتظاهر بالجفول والصدمة:


— "هذا مستحيل! لو كان بي شيء من هذا، لما وظفتني السيدة فولر."


— "...صحيح."


لا بد أنهما كانتا تخافان من السيدة فولر، ولن تتجرآ على التشكيك في حكمها أو قراراتها. عضت إميلي على شفتها وكأنها خائفة ومستكينة، بينما كانت تحرك منفضة الغبار بسرعة.


— "آخ، انظري إلى هذا الغبار فقط!"


— "افتحي النوافذ على وسعها."


كان يوماً مشمساً على غير العادة، والشمس المتدفقة عبر النوافذ كشفت عن الغبار المتطاير في الهواﺀ. تجهمت الخادمتان، وعندما فتحت إميلي النوافذ، غادرتا من تلقاء نفسيهما:


— "الجو بارد، لنذهب إلى الأسفل."


— "هي، نادينا عندما تنتهين. سنكون في الطابق الثاني."


— "...حاضر."


وسواء سمعتا ردها أم لا، غادرت الخادمتان، وواصلت إميلي تنظيف الغبار بقلب أخف.


كانت السقيفة مليئة بالثريات غير المستخدمة، واللوحات، وثمة رف كتب كبير وعالٍ. وبعد تنظيف الغبار عن كل شيء، تأكدت من تهوية الغرفة جيداً قبل إغلاق النوافذ وأخذ قطعة القماش.


كانت قد تسلقت السلم للتو وبدأت في مسح الجزء العلوي من رف الكتب العالي، عندما سمعت صوتاً خلفها:


— "أهلاً."


رغم أنها كلمة واحدة فقط، إلا أن الصوت كان يحمل ثقلاً غير عادي. سرت قشعريرة وشعور بالشؤم في جسدها بينما أدارت رأسها بصلابة:


— "ما اسمكِ؟"


تجمدت في مكانها؛ فلو كان الواقف هناك وحشاً أو شبحاً، لما كانت أكثر صدمة مما هي عليه الآن.


كان الرجل الواقف أمامها يمتلك ملامح مثالية للغاية وكأنها نُحتت من الرخام البارد، بعينين زرقاوين لافتتين تلمعان ببريق ساطع. وشعره الذهبي يؤطر وجهه، مما جعله يبدو وكأنه من عالم آخر. طاش عقل إميلي وأصبح ذهنها صافناً.


— "...إميلي تيرنر،" تلعثمت وهي تشيح بنظرها بعيداً وتحث شفتيها المتيبستين على الحركة. عادت نبرة الرجل الناعمة لتلامس أذنيها مجدداً:


— "أفهم، إميلي."


لم يكن صوته يحمل توبيخاً أو استياءً، ومع ذلك تزايد قلق إميلي. لماذا يتحدث إليها شخص بمثل هذا المقام الرفيع مباشرة، بل ويلتقي بنظراته معها؟


وإدراكاً منها أنه لا ينبغي لها أن تبقى في مستوى أعلى منه، بدأت في النزول من السلم خطوة بخطوة. وفجأة، مد السيد الشاب يده نحوها:


— "خذي بيدي."


— "لا أستطيع إطلاقاً!"


لم يكن بإمكانها بحال من الأحوال أن تمسك بيمين السيد الشاب الشاحبة والأنيقة.


ولكن، هل بدت إجابتها وقحة؟ وهي متجمدة في منتصف الدرج، استندت إميلي بظهرها على رف الكتب وأجابت بحذر:


— "يداي متسختان للغاية."


— "لا بأس بذلك."


بل إن السيد الشاب اقترب خطوة أخرى. ضغطت إميلي بجسدها أكثر نحو رف الكتب:


— "إذن، أنتِ الفتاة القادمة من 'تولوم'. تبدين صغيرة السن."


— "...أنا في العشرين من عمري."


— "فهمت."


نظر إليها السيد الشاب بتركيز شديد. وإميلي، التي لم تجد مكاناً تريح فيه عينيها، ظلت عالقة فوق الدرجة الثالثة من السلم.


— "آرثر."


— "...؟"


— "هذا هو اسمي."


في تلك اللحظة، استعادت إميلي وعيها فجأة؛ إذ أدركت مدى غرابة هذا الموقف وغير طبيعيته!


نبيل يُعرّف بنفسه لخادمة بسيطة؟ لا بد أن الشائعات حول غرابة أطواره كانت صحيحة تماماً!


— "...إنه لشرف لي."


— "لقد تبادلنا التعارف الآن، أليس كذلك؟"


لم تدرِ إميلي إلى أين يتجه هذا الحديث. كانت تحدق في الأرض، والعرق البارد يقطر على ظهرها. لو تحول السيد الشاب فجأة إلى عنيف، فهل ستعوضها السيدة فولر؟


كانت بحاجة لإظهار أنها حاولت الهرب، لكن مخرجها —الدرجات الثلاث المتبقية من السلم— كان مسدوداً بحذاء السيد الشاب اللامع. هل تقفز إلى الجانب...؟


— "لماذا؟ هل تخططين للركض من هذا الاتجاه؟"


أصابت كلمات السيد الشاب الهدف تماماً، لتتجمد إميلي في مكانها مرة أخرى.


— " أردتُ فقط تجاذب أطراف الحديث قليلاً. هل هذا يزعجكِ إلى هذا الحد؟"


بالتأكيد كان يزعجها! فما يعتبره هو مجرد حديث بسيط، قد يُرى بسهولة على أنه تجاوز من خادمة لحدودها.


لكن المحنة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ اقترب السيد الشاب أكثر وانحنى ليهمس بصوت خفيض:


— "أتريدين أن أخبركِ بسر؟"


— "...؟"


— "في الحقيقة... سكان هذا المنزل غريبو الأطوار قليلاً."


جالت إميلي بعينيها في أرجاء المكان، محاولة تهدئة أنفاسها. يبدو أن السيد الشاب يعاني من أوهام واضطرابات. وبعد لحظة من الصمت، أضاف:


— "لهذا السبب كنتُ أنتظر... أنتظر شخصاً يمكنني التحدث إليه، شخصاً طبيعياً."


واضح أنه عانى من مأساة كبيرة. ألا يجد أحداً يتحدث إليه؟ كان هذا أكثر حزناً من عدم العثور على طعام للأكل أو بكاء طفل مريض في المنزل.


وإلا، كيف يمكن تفسير وقوفه قريباً هكذا منها، وهي مجرد خادمة وضيعة؟


فعلى عكس الخادمات الأخريات، لم يكن يبالي إطلاقاً بما إذا كان سيلتقط منها البراغيث أو القمل!

إرسال تعليق

0 تعليقات