الفصل (35) نعي: سوناتا لعاشقين | Obituary,
دفأت شمس الظهيرة وجه "روز" وهي تجلس على مقعد الحديقة، محاطة ببحر من زهور الأقحوان الذهبية التي كانت تتمايل بلطف مع النسيم. ومع انشغال "أغاثا" بحضور اجتماع مهم، وذهاب "بيث" لاستكشاف أحدث متجر متعدد الأقسام في وسط المدينة مع إحدى صديقاتها، حظيت "روز" أخيراً بهذه اللحظات الثمينة بمفردها.
بدأ خزي الأمس يتبدد بعد ليلة كاملة من الراحة، وإن ظل شعور الإحراج عالقاً كألم مستمر لا يزول. شدت شالها حول كتفيها محاولةً دفع تلك الذكريات جانباً.
وطمأنت نفسها وهي تتذكر كلمات "أغاثا" أثناء الغداء: *"على الأقل لم يكن جلالة الملك والأمير منزعجين كثيراً مما حدث"*.
في وقت سابق، وبينما كانت تعبث بطعامها دون شهية، تنهدت "أغاثا" بتعب قبل أن تتحدث:
"حسناً، ماذا يمكن لأي شخص أن يتوقع؟ لا يمكنكِ تعليم شخص ما كل شيء دفعة واحدة. كيف يُفترض بكِ معرفة ما لم تُعلمي إياه قط؟"
رغم أن "أغاثا" لم تكن تقصد لومها، إلا أن كلماتها تلك عمقت شعور "روز" بالخزي. شعرت وكأنها طفلة خيبت أمل معلمتها رغم بذل الجميع قصارى جهدهم.
"الحمد لله أن 'راي' تدخل في الوقت المناسب..."
تلاشى صوت "أغاثا" حينها، ولمحت "روز" ملامح الاستياء تمر عبر وجهها. وكانت تفهم السبب؛ فذكرى أولئك السيدات النبيلات وهن يتهامسن خلف مراوحهن في غرفة التجميل كانت لا تزال حية في ذهن كلتيهما.
"هل رأيتِ تلك المرأة؟ لقد وقفت هناك فحسب بينما كان الدوق 'كرافورد' يفتعل ذلك المشهد. أي زوجة لائقة كانت لتوقف زوجها قبل أن تصل الأمور إلى هذا الحد."
"من يجرؤ على الوقوف في وجه الدوق 'كرافورد' هذه الأيام؟ كان ينبغي لزوجته أن تكون أعقل من أن تتركه ينفعل هكذا. حتى إلقاء التحية عليهما يربكني الآن."
"كل هذه المشاكل لأنهم أحضروا امرأة من 'بولتون' لا تنتمي إلى هنا. الآن يتعين علينا جميعاً أن نسير على قشر البيض..."
لقد علمها ذلك الليل درساً مريراً: مهما فعلت أو لم تفعل، ستكون هي دائماً المخطئة. سواء التزمت الصمت أو تحدثت، وسواء تجاهل "راي" مشاكلها أو حارب بالنيابة عنها، فإن النتيجة لا تتغير أبداً. كانت هي المشكلة دائماً.
ومع ذلك...
*"لن أسمح لأحد بأن يعاملكِ بمعاملة سيئة."*
جلبت لها ذكرى غضب "راي" دفاعاً عنها راحة غير متوقعة. أن ترى ذلك الرجل البارد والعقلاني يفقد هدوءه بسبب موقفها—كان ذلك يعني الكثير. لم يصفها بالحمقاء أو الغبية، بل اختزل الأمر كله في أنه مجرد سوء تفاهم ثقافي بسيط. لم تكن متأكدة إن كان يؤمن بذلك حقاً، لكن سماع تلك الكلمات ساعدها.
لقد مرت أوقات خافت فيها من هدوئه الراسخ، وكأن لا شيء يمكنه كسر ذلك التحكم المثالي بالنفس. لكن في تلك الليلة، كانت ممتنة لوجود شيء صلب يمكنها الاستناد إليه.
مستغرقة في هذه الأفكار، حدقت "روز" في يديها المتشابكتين في حجرها حتى سقط ظل على رؤيتها. رفعت رأسها، وترمش ببطء من شدة المفاجأة.
كان "راي كرافورد" واقفاً أمامها، وجسده الطويل يحجب ضوء الشمس، مما جعل ملامحه تبدو أكثر حدة من المعتاد. لولاية من الزمن، تساءلت إن كانت تحلم، فهو لم يكن يعود إلى المنزل في مثل هذا الوقت المبكر قط.
وقف ساكناً تماماً، يتأملها بتعبير بدا جاداً على نحو غير معتاد، ربما لمجرد أنه لم يكن يبتسم.
قالت وهي تستعيد صوتها: "لقد عدت باكراً اليوم".
"كان لدي بعض الوقت الفائض."
أكدت نبرته المسطحة الخالية من المشاعر أن هذا ليس حلماً. كان "راي" هنا بالفعل، واقفاً في حديقتها في منتصف فترة ما بعد الظهيرة.
جالت نظرته فوق زهور الأقحوان المحيطة بهما قبل أن يستقر على المقعد بجانبها. طوال أشهر زواجهما، كانت هذه هي المرة الأولى التي يجلسان فيها معاً هكذا في رابعة النهار.
تذكرت صباحاً آخر عندما وجدها تجلس بمفردها في الحديقة. في ذلك الوقت، فعلت كل ما في وسعها لتجنبه، بل كانت تهرب تقريباً كلما ظهر. بدا ذلك وكأنه حدث في حياة أخرى. وحقيقة أن وجوده لم يعد يضايقها فاجأتها. متى تغير ذلك؟ لم يحدث شيء درامي بينهما.
قال "راي" وهو يضع ساقاً فوق الأخرى: "لقد دعاكِ جلالة الملك لحضور معرض الأكاديمية الملكية للفنون. هل تودين أن نذهب معاً؟"
"هل يدعونك إلى هذا النوع من المناسبات؟"
خرج السؤال منها قبل أن تتمكن من إيقاف نفسها، ليضحك "راي" بالفعل—صوت قصير وحاد.
"من المثير للاهتمام كيف تتوافق أفكارنا في بعض المسائل."
ومن نبرته، كان بإمكانها معرفة أنه لا يملك أي حماس للحدث تماماً مثلها.
"شعار هذا العام هو الاحتفاء بنهاية الحرب وحلول السلام."
ورغم أن تعبيره ظل محايداً، إلا أن "روز" استطاعت قراءة أفكاره تقريباً: *ما الذي يعرفه ثلة من الفنانين عن الحرب ليقيموا معارض عنها؟*
"هل سيتعين عليك إلقاء خطاب؟"
"على الأرجح."
كادت "روز" تقهقه بسبب الضيق الذي بالكاد يستطيع إخفاءه في صوته. وارتفعت معنوياتها للمرة الأولى منذ كارثة الأمس. شعرت برغبة في إرسال رسالة شكر للأكاديمية لأنها كلفت هذا الرجل المغرور بمثل هذه المهمة غير السارة.
"وماذا ستقول؟ أنك لا تفهم اصلاً لماذا وجد الفن؟"
"إذن أخبريني أنتِ—لماذا تعتقدين أن مثل هذه الأشياء موجودة؟"
أعاد السؤال إليها بابتسامة ملتوية.
"حسناً... ربما لأن الناس يريدون التعبير عن أشياء تعجز الكلمات عن وصفها."
"وما الذي يعجز اللسان عن التعبير عنه بالضبط؟"
ها هو يجلس في حديقة بجمال أي لوحة فنية، ومع ذلك يزدري كل أشكال الحس الفني دون أدنى تردد. هل كان هذا الغرور هو مصدر ثقته التي لا تتزعزع؟
❈────────•✦•────────❈
قالت "روز" وهي تضحك: "أنت مغرور بشكل لا يصدق. إنه لوهم محض أن تعتقد أن الكلمات يمكنها تفسير كل شيء".
ظلت ابتسامة "راي" الملتوية كما هي وهو يتأملها واضعاً ذراعيه فوق صدره، لكنها لمحت بريقاً من التسلية في عينيه أمام تحديها الجريء.
وتابعت: "خاصة عندما يأتي الأمر من شخص مثلك، يلتف بالكلمات ويقلبها حتى تعني ما يريده تماماً. ما الذي يمكنك إيصاله بهذه الطريقة؟"
فأجابها بتلك النبرة المهذبة المستفزة التي يتخذها عندما يتعمد إثارة حفيظتها: "في هذه الحالة يا سيدتي، لا بد أنه قصور في ذكاء المستمع". ولمعت عيناه الزرقاوان بيقين مطلق.
"كيف يمكنك حضور معرض للفنون بهذه العقلية؟"
هزت "روز" رأسها غير مصدقة، وشعرت بأن كآبتها السابقة بدأت تتلاشى وهي تندمج في نقاشهما. ووجدت نفسها تتساءل كيف يمكنها جعل هذا الرجل المستحيل يفهم وجهة نظرها.
وبعد لحظة طويلة من التفكير، خطرت لها فكرة.
"ذلك البيانو في غرفة المعيشة—هل يضايقك إن عزفت شيئاً عليه؟"


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا