الفصل (200) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,



عندما نظرت «سيو-آه» إلى «باربارا»—التي بقيت حتى النهاية—تراجعت «باربارا» خطوة إلى الخلف وأغلقت عينيها بهدوء.

«لن أرى شيئاً. يمكنكِ اعتبار أنني لست هنا.»

برؤية تلك الجفون المجعدة والمغلقة بإحكام، أردات «سيو-آه» أن تقول إنها تتمنى لو تغادر «باربارا» أيضاً. ولكن قبل أن تتشكل الكلمات، خانتها قوتها؛ انزلق السحر الذي كان يمسك عضلاتها كأنه رمل، والهدوء الذي كانت ترتديه—والذي تصنعت به السكينة—كشف عن وجهه الحقيقي.

ما بقي هو «سيو-آه»، المليئة بالقلق والخوف والعجز والحزن.

كانت يداها المخفيتان تحت المكتب رطبتين—وكأنهما غُمرتا في الماء. وعندما رفعهما، فقدت الحركة كل ضبط للنفس. أصبحت يداها المرفوعتان ببطء متسرعتين، ترتجفان وغير مستقرتين. بأصابع عجلة، حلت الشريط ورفعت الغطاء. فُتح الصندوق الذي حجب كل ضوء، وفاحت منه رائحة ترابية عتيقة.

في الداخل—

«……»

بقايا عظام رمادية، مكسورة ومسحوقة، كانت منثورة دون أي عناية. لم يكن هناك أي احترام، ولا حتى أدنى مراعاة. فقط سخرية ممتزجة بالرفات.

وبين التداخلات—بطاقة صغيرة.

بيدين ترتجفان، فتحت «سيو-آه» البطاقة. ضربها السطر الأول كالصفعة:

«أوسكار، الذي هربتِ به، قد مات.»

كذب.

«...وأنكِ، يا ابنتي، ماركيزة. لو علم الذئاب بهذا، لكانوا أول من يمزق حنجرتكِ. لذا، اعرضي عن هذا التظاهر المثير للشفقة وأحضري لي مفتاحي. سأعيد لكِ جدكِ. عليكِ دفنه بشكل لائق في أسرع وقت ممكن. كم من الألم يجب أن يتحمل؟»

شيطان. أن تفكر في أن هذا الوحش—هذا الشيطان—هو من أوجدها.

«المرسل هو يد اليسرى. التالي سيكون جمجمة هان هونغ هيون الحقيقي، يا ابنتي.»

أن تفكر—أن دماء هذا الرجل تجري في عروقها.

خرجت صرخة ممزقة كصرخة الوحوش من حنجرتها.

هل وطأه بقدمه؟ هل حطمه بمطرقة؟ هل جرف الرفات إلى هذا الصندوق—كأنها نفايات؟

برزت العروق على ظهر يديها المرتجفتين. اجتاحتها رغبة عنيفة في أن تقطعها بسكين. لو كان بإمكانها تصريف كل قطرة من دم ذلك الرجل  من جسدها، لفعلت ذلك دون تردد—حتى لو عنى ذلك تقطيع نفسها ألف مرة.

عندما قطعت البحر مخاطرة بحياتها، كان لديها أمنية واحدة فقط: جدها—البحر العظيم الذي حمى «يونغتشيون».

لقد جاءت لسبب واحد فقط: لتعيده.

«أوسكار فون راينهارد»—لقد استخدمته برغبة منها. لو كان ذلك يعني استعادة جدها، فلا يوجد شيء لن تفعله. ومع ذلك—ما هذا؟

رفعت رأسها ببطء. امتدت نظرتها الفارغة إلى الفراغ، فكرت في صورة ذلك الرجل أمامها.

فتح فمها—ممزقاً، يائساً—كسمكة أُلقيت على أرض جافة.

انحنت «سيو-آه» إلى الأمام وخفضت وجهها داخل الصندوق. وكأنها قد تختفي فيه وتتبعه إلى هناك، أخفت وجهها ودموعها ونظرت إلى مسحوق العظام الرمادي.

وفي الرفات—الدموع التي لم يكن لها مكان آخر تذهب إليه انقادت سراً وبصمت داخل رفات جدها المحطم.

«يا طفلتي.»

بدى وكأن صوت جدها اللطيف لامس أذنها. ارتجفت شفتاها:

«أنا أسفة يا جدي.»

شعرت، وكأنه حقيقة، بيد تمسح تحت عينيها.

«أنا أسفة حقاً.»

«لا يوجد شيء تحتاجين إلى الاعتذار عنه.»

«أنا أسفة...»

لا يمكنني أبداً ترك ذلك الرجل ورائي.

في ظلام الصندوق الضيق الذي يكفي بصعوبة لاحتواء رأسها، انكمشت «سيو-آه» على نفسها وبكت. بدت روحها وكأنها تذوب. ارتفعت الشهقات—أرادت إطلاقها، لكنها أجبرتها على التراجع. انقبض فكها حتى ألمتها أضراسها، مهددة بالانكسار.

حبست أنفاسها.

«لا تبكي يا طفلتي.»

لو بكت أكثر من ذلك لانتفخت عينها. حتى لو تحكمت في عضلاتها فستبقى الآثار، والذئاب الذين يراقبونها سيرون اضطرابها الداخلي. لا يمكن أن يحدث ذلك.

جمعت «سيو-آه» سحرها المشتت بجهد. ببطء، شعرت بعضلاتها تستجيب وتبدأ في التحرك شيئاً فشيئاً. أعادت تشكيل وجهها، وتحول وجهها المليء بالحزن إلى ملامح جدها الهادئة في حياته. تراجع الحزن تحت السيطرة، وحل مكانه سكون «هونغ هيون».

أخيراً، عندما رفعت رأسها من الصندوق، حملت عيناها صمته. مدت يدها إلى الرفات الرمادي وأخذت البطاقة التي أرسلها والدها البيولوجي.

...أوسكار قد مات.

لا.

أمسكت «سيو-آه» بحافة البطاقة وقربتها من لهب المصباح المشتعل على جانب المكتب. بينما تسلقت النيران الحافة وانتشرت في البطاقة بأكملها، ألقتها المشتعلة في الموقد دون تردد.

لن أصدق ذلك.

عادت إلى المكتب وأغلقت غطاء الصندوق. كانت يداها ثاببتين وقالت:

«سيدة باربارا.»

«باربارا»، التي أبقت عينها مغلقة، فتحتهما. لفرصة عابرة بدا وكأنها سمعت شهقة، لكن الماركيزة الواقفة أمامها لم تظهر أي علامة على الدموع، بل بدا تعبيرها هادئاً كأن شيئاً لم يكن.

«قد أستلم مثل هذه الصناديق من وقت لآخر. إنها ليست خطيرة، إذا وصل واحد لي فلا تعيديه، بل أحضريه إلي.»

«هل أنتِ بخير؟»

خرج السؤال غريزياً من باربارا. التقت أعينهما، وحملت عينا سيو-آه البنيتان صلابة كخشب الماهوجني المعتق.

«...هل أنتِ بخير، يا سيدتي؟»

لم تجب «سيو-آه»، وظل تعبيرها هادئاً. لكن باربارا، الذئب المحنك، أدركت الدرع الصلب الذي تخفي تحته سيو-آه حزنها.

«...هل الأمر صعب؟»

«...إنه بأمان، أليس كذلك.»

«إنه بأمان.»

«سيعود، أليس كذلك.»

«سيعود.»

كان ذلك كافياً. أومأت سيو-آه ببطء وتشكلت ابتسامة باهتة على وجهها:

«أعتقد ذلك أيضاً، سيدة باربارا.»

ردت «باربارا» الابتسامة وأخذت الصندوق بحذر:

«سأضع هذا في خزانتكِ الشخصية. إذا وصل آخر سأحضره إليكِ على الفور.»

«لن تسألي ما هذا؟»

«ليس لي الحق في أن أكون فضولية بشأن شيء أُحضر للماركيزة. كما أخبرتكِ، كل ما تتمنينه أنا مستعدة لتحقيقه—حتى لو كان ذلك على حساب حياتي.»

«لا تغامري بحياتكِ من أجل شيء كهذا.»

أطلقت «باربارا» ضحكة خافتة ونادرة، ثم انحنت باحترام وغادرت الغرفة.

عبرت باربارا المكتب ونظرت نحو النافذة؛ وعلى طول الأسوار العالية لأسوار القلعة، التقط ضوء القمر الشفرات المسحوبة ملقياً بريقاً أخضراً بارداً.

كلانغ. كلانغ.

بدأت المعركة على الجدران، وتراكض فريق القتال الأول بدقة وعجل. وعندما فتحت الباب، ارتفعت أصوات فرسان الشركة المذعورين:

«ما هذا الصوت؟ أليس هذا صوت تضارب السيوف؟»

«هل أرسل الملك أنصاراً؟ هل لدينا ما يكفي من الرجال للتمسك بهذا المكان؟»

تجاهلتهم «باربارا» واتجهت نظرتها مباشرة نحو «تافس فينوك».

عندما وصلت ساحة المعركة—كشفت ذئاب ساحة المعركة عن طبيعتها الحقيقية.

إرسال تعليق

0 تعليقات