الفصل (199) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty
بعد عودة المركيزة إلى قاعة الذئب، لم يعد صدى أصوات التحطيم يتردد داخل جدرانها.
"أهلًا وسهلًا... هل تعتقدون أن سعادة اللورد بداخل هذا الصندوق الآن؟"
كان تافيس فينوك، المُكلَّف بمرافقة الضيوف وإخراجهم، يردد كلمات المركيزة كالببغاء في كل مرة يمد فيها أحد الحراس يده نحو أي شيء. وبدا وكأنه متأثر بعمق بما قالتْه.
وبالطبع، لم يكن ذلك كل ما فعله.
"مهلاً، كم سعره هذا؟"
"حوالي أربعين مليون كيرتي."
"إذن أضف عشرة ملايين أخرى ليصبح خمسين. واكتبه في السجل فور أن يستعيد هذا اللقيط – لا، هذا الضيف – وعيه. فالأسعار تميل للارتفاع في مثل هذه الأوقات."
"حاضر، يا سيدي."
وعندما ثبّت ذئبان نظراتهما عليه، تجمدت يد الحرس – التي كانت توشك على تحطيم مزهرية فاخرة – في منتصف الهواء.
"ماذا تفعل؟ أنت لا تعلم ما إذا كان سعادة اللورد بداخلها أم لا. أسرع وتحقق!"
"......"
"إذا كسرتها، فستكلفك خمسين مليوناً."
"لقد قلت أربعين مليون كيرتي للتو... فلماذا تحولت فجأة إلى خمسين إذا انكسرت؟!"
اندفع تافيس بسرعة نحو الشخص الذي كان يصرخ بغضب.
وفجأة، ذُعر الحارس من تلك القوة الكاسحة، فتراجع للخلف وكأن رقبته على وشك الانكسار، فانزلقت المزهرية من قبضته لتتطاير أشلاء على الأرض.
تحطيم!
"خمسعون مليوناً."
"ما بحق الجحيم تفعل؟! لقد قلت أربعين مليوناً قبل قليل!"
"ألم تكن خمسين مليوناً؟"
"نعم. لقد كانت خمسين مليون كيرتي بالتأكيد."
أسرع ذلك الذئب الذي كان يحافظ على قواعد اللياقة تحت إمرة باربارا بتصحيح الموقف، وبدأ يدوّن الرقم بسرعة في دفتره.
"لقد سمعتموه. لقد كانت خمسين من البداية."
كان كلب الحراسة المنفلت يثير الفوضى بلا مبالاة تامة. وسواء أكانت المركيزة الجديدة قد توقعت هذا الميل العنيف وأسندت إليه هذا الدور أم لا، فلم يكن أحد ليدري، لكن الاختيار أثبت فعاليته بلا شك.
"اكسر المزيد! ما بك؟ هيا، اكسر المزيد! لنكسب بعض المال!"
وفي مواجهة فرضه لأرقام خيالية مقابل كل قطعة متضررة، تراجع الحرس الذين كانوا يعيثون فساداً في الأثاث بلا قيود – ولم يكتفوا بالامتناع عن لمس أي شيء، بل باتوا يتجنبون الاقتراب من أي مكان تماماً.
والآن، أصبح تافيس هو من يحثهم على التحطيم.
"هذه تبدو باهظة الثمن. ألن تكسرها؟ سعادة اللورد؟ أأنت هنا يا سعادة اللورد؟"
كان منظداً غريباً حقاً – رجل ضخم يقف لينادي أوسكار بينما يتفحص زينة زجاجية صغيرة بتمعن.
"...هذا اللقيط مجنون حقاً..."
لقد أصيب الحرس بخيبة أمل لا مفر منها. وحتى باقي الذئاب لم يكونوا فخورين بتصرفاته كثيراً.
لكن المعارك، بطبيعتها، وضيعة وقذرة. النصر هو الشيء الوحيد الذي يهم، حتى وإن لم يكن المرء فخوراً بطرقه. وعندما يتعلق الأمر بالقتال – فمن غير تافيس فينوك يجيد ذلك؟
وفي النهاية، اضطر الحرس – الذين اقتحموا المكان بزخم جارف بلا هوادة – إلى الانسحاب صاغرين، عاجزين حتى عن تبرير خسائرهم.
وبينما كان يتابع أثر ظهورهم المنسحبة، أطلق قائد فرقة القتال الأولى ضحكة خفيفة ومستسليمة.
وتافيس، الذي ضحك في أعقابهم، لم يغادر مركزه حتى بعد أن اختفوا تماماً. بل ظل واقفاً مكانه، يراقب اليوم الطويل الشاق وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة خارج جدران قاعة الذئب.
غابت الشمس خلف المدينة الواسعة، وأعقبها الليل – عميقًا وثقيلًا، كشعر إلهة منسدل من قبة السماء. كان ظلام المدينة هنا، والذي يصل متأخرًا عما هو عليه في ساحة المعركة، يبدو مألوفًا وغريبًا في آن واحد. وبالطبع، كانت قاعة الذئب تقف منعزلة بمعزل عن صخب المدينة.
وظل هو هناك، واقفًا بلا حراك بينما يفسح النهار الطريق للليل – وكأنه، بالانتظار، يؤمن بأن أوسكار قد يعود من ذلك المكان البعيد. هكذا تمامًا، ومع انتهاء اليوم وحلول الليل الكامل...
"كم قطعة من اللحم المجفف تأكل اليوم؟"
"ليس لدي شهية، لذا فهذه بديل عن الوجبة."
"هذه ليست وجبة، بل تكاد تكون تناول بقرة كاملة من اللحم المجفف دفعة واحدة."
تحدث مساعده بذهول.
ومع ذلك، استمر تافيس فينوك في المضغ دون توقف. وببطء، حول نظراته بعيدًا عن المدينة البعيدة وجلس على الدرابزين.
كانت قاعة الذئب، المضاءة بالكامل الآن، قد غرقت في سكون عميق.
نظر إليه رئيسه المباشر – الذي بدا وكأنه غارق في أفكاره – لبرهة، ثم كسر المساعد الصمت قائلًا:
"السيد سيمون... قد تكون طباعه معيبة، لكن تقدير الأمور لديه سريع. إنه لا يزال نبيلًا. ولو كان سعادة اللورد هنا، لتم العثور عليه بحلول هذا الوقت."
فلم يكن ليتمكن من الاختباء هكذا طويلاً.
"فرقة المهام الخاصة تحركت."
تحدث تافيس، الذي كان يستمع بصمت، بينما كان الشفق العالق يلمع في عينيه.
"لقد التقاطوا رائحة الدم."
تمامًا مثل الغربان والجوارح التي تحوم فوق ساحة المعركة.
"مع تكليف السيد كارل بفرقتي البحث الأولى والثانية، لا ينبغي أن تكون هناك مشاكل كبرى، ولكن..."
وبينما توقف المساعد عن الكلام، تحدث ذئب آخر كان يناوب على السوار قائلًا:
"قد يكونون سريعين، لكن الباحثين ليسوا سوى مقاتلين. ألا ينبغي لنا أن نذهب نحن أيضًا؟"
"إلى أين نذهب؟" رد تافيس ببرود. "لم يعد حتى صقر واحد. أين تراهم ذهبوا؟"
"الأمر فقط... مقلق أن نقف مكتوفي الأيدي هكذا. ماذا لو حدث شيء حقًا لسعادة اللورد؟ نحن بالفعل في هذه الحالة الفوضوية..."
بدأت الأصوات تتبادل – غير متأكدة ومضطربة – قبل أن يصمت الذئاب واحدًا تلو الآخر فجأة. فقد ألقى تافيس جانبًا بقطعة اللحم المجفف التي كان يغضها، وحدق في مرؤوسيه الذين عجزوا عن كبح قلقهم، ليطلق هديرًا منخفضًا:
"هاه. أنتم اللعناء تتذمرون بالفعل. كم مر من الوقت على مغادرتكم ساحة المعركة حتى تحولتم إلى كلاب مدللة هكذا؟"
كانت عيناه اللامعتان تلمعان بحدة وهو يتفحصهم.
"ألا ترون؟ حتى ذئاب الشركة يحافظون على هدوئهم."
كانت قاعة الذئب غارقة في صمت تام، وكأنها صيغت بأمر من المركيزة التي تقف الآن في قلب القلعة. وعند ذلك، تحدث أحد الذئاب بصوت خافت:
"أنا... أعتذر."
"إذا كانت القلعة بهذا الهادئ، فإن كون فرقة القتال الأولى في حالة تخبط هو المشكلة بحد ذاتها." تصلبت نبرة تافيس. "السيدة باربارا تراقب. وفي اللحظة التي تتعافى فيها، سيتم تنزيل رتبة أي شخص تذمر بسبب القلق فورًا."
"......"
"توقفوا عن الثرثرة واحتلوا مواقعكم بشكل صحيح. وإذا كنتم تشعرون بالقلق بلا سبب، فاذهبوا للنوم إذن."
استدار مبتعدًا.
هبط الرجل الضخم على الدرج بخطى واسعة، متخطياً عدة درجات دفعة واحدة. وفي لحظات، كان قد نزل من على السوار، وتحولت نظراته نحو البوابة.
كان البواب، الذي استلم للتو شيئًا ما عبر باب جانبي صغير، يستدير باتجاه القلعة. فلوح تافيس بإصبعه.
"احمل ذلك إلى هنا."
"آه – حاضر!"
أسرع البواب نحوه، فتناول تافيس منه الطرد فوراً. كان صندوقًا بحجم رأس بشرية تقريبًا.
"ما هذا؟"
متسائلاً عما بداخله، هزّه خفيفًا، فأصدر شيء ما بداخله صوت خشخشة.
تحدث البواب وهو يرى الرجل الضخم يحمل الصندوق بيد واحدة كأنه مكعب – بالحجم الذي كان يحتاج الآخرون لذرعيهم لحمله:
"إنه طرد موجه إلى المركيزة."
"المركيزة؟"
وعند تلك الكلمة، توقف يد تافيس التي كانت تهز الصندوق فجأة.
"من أرسله؟"
"قالوا إنهم لا يعرفون."
ارتفعت عينا تافيس بحدة.
"أي أبله يقبل شيئًا دون أن يعرف مرسله؟!"
"أنا أعتذر! ومع ذلك، فإن التخلص من هذا الغرض يتجاوز صلاحياتي أيضًا، لذا كنت أخطط لإبلاغ السيدة باربارا أولاً!"
وهنا توقف تافيس فينوك، الذي رفع يده كمن همّ بضرب البواب. فقد أدرك شيئًا ما؛ فكلام البواب كان منطقيًا تمامًا. فخفض يده بلا تعمد، كأن شيئًا لم يكن، بلا أي أثر للحرج.
"سأأخذه الآن. كان متوجهاً إلى السيدة باربارا على أي حال. افتح عيونك جيدًا واحرس البوابة كما ينبغي."
"مفهوم!"
أطلق تافيس شخيرًا خشنًا وغليظًا كثور هائج، واستدار نحو القلعة وكأن لحظة الغضب لم تحدث قط. وحتى أثناء مشيه، ظلت نظراته مسلطة على الصندوق.
ولم يهزه مرة أخرى كما فعل قبل قليل. وبما أنه موجه إلى المركيزة، فقد تجنب التعامل معه باستهتار. فهو لمر يود إتلاف المحتوى، لذا امتنع عن ذلك.
"الصندوق نفسه مُتقن للغاية... هل هي هدية؟"
هل أرسل أحدهم هدية بمناسبة توليها منصب المركيزة؟
"ولكن أي نوع من الهدايا يصدر صوت خشخشة هكذا..."
...تباً. هل كسرته بالفعل؟
بالنسبة لرجل يمكنه سحق جمجمة بكل سهولة تناول الطعام، كان القلق الذي ارتسم على وجهه يبدو شاذًا وغير متوقع. فكر في فتح الصندوق للتحقق – لكن الشريط كان مربوطًا بعناية فائقة لدرجة أنه لم يثق في قدرته على إعادة ربطه بالشكل الصحيح.
ولذا، عوضاً عن ذلك... ألقى باللوم على شخص آخر.
"ذلك البواب... كان موجهاً إلى المركيزة. كان يجب أن يتعامل معه بشكل صحيح. لماذا هزّه بهذه الطريقة؟"
وعلى عكس مقر المركيز في مدينة فيوس – المبني من الحجر الأسود والمحاط بشفق غامض يظل عالقًا حتى في منتصف النهار – كانت قاعة الذئب مبنية من الرخام الشاحب، المائل للون الذهبي تقريبًا.
وبمجرد أن خطا الداخل، أحاط به الدفء.
"مهلاً."
استقام الذئب الذي ناداه تافيس فورًا على قدميه.
"هل ناديتني، يا سيدي؟"
"أين السيدة باربارا؟"
"إنها في المكتب مع المركيزة."
أشار تافيس نحوه بخفة، كأنه يطلب منه الإرشاد. وكان المعنى واضحًا؛ فبالنسبة لقائد فرقة القتال الأولى، لم يكن مهمًا ما يفعله الآخرون، فالرتبة لا تحتاج إلى شرح. تحرك الذئب فورًا لإرشاده.
ووصلوا إلى باب المكتب. وبينما همّ الذئب برفع يده للطرق – انفتح الباب من الداخل. وتحدث الشخص الذي فتحه إلى تافيس وكأنه كان يتوقع قدومه:
"يمكنك الدخول."
خطا تافيس للداخل، وبدا شيئًا فشيئًا مرتبكًا، لتتخذ طيات خفيفة شكلها على جبينه. وفورًا، تحولت كل الأنظار داخل الغرفة نحوه. ومن خلف العدسات، كانت عيون حادة تراقبه.
أشا، التي كانت تساعد باربارا، تصلبت قليلاً – متذكرة الفوضى التي حدثت قبل قليل. وحضّرت نفسها، قلقة مما إذا كان سيعود للقتال كالكلاب من جديد. لكن أحدًا لم يكشف عن أنيابه.
دخل تافيس فينوك، الذي اعتاد سخرية الجميع بمن فيهم الحراس، بخطوات ثابتة للأمام.
كان ظهره مستقيمًا تمامًا – باستقامة ظهر فارس تم تعيينه حديثًا.
اقترب من مقعد الشرف.
بعض ذئاب الشركة الذين كانوا يتبعونه من الخلف حدقوا فيه بعدم تصدق تام، واتسعت عيناها بلا جفن، بينما تدحرجت مقلتيهما بذهول.
لم يكونوا معتادين على هذا – على وقفة تافيس فينوك المؤدبة هكذا.
فهذا هو نفس تافيس فينوك الذي تحدث قبل قليل عن اقتلاع الألسنة ووضع العيون على باطن القدمين.
ومع ذلك، ها هو يقف الآن بهدوء وانضباط تامين.
وما لم تكن ذئاب الشركة تعلمه هو هذا – منذ أن ألقى سكينًا على سيو-آه وتم تمرير درساً قاسياً له ككلب مفترس على يد أوسكار، أصبحت هي شخصًا لا يجرؤ على لمسه.
لكن هذا لم يكن يعني أن الأدب يأتي بشكل طبيعي.
فبالنسبة لتافيس فينوك –
شيء لا يمكنه لمسه...
والأدب – وهو شيء عامله باحترام...
لم يكونا شيئًا واحدًا أبدًا.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا