الفصل (18) Hill of the Sheep

 


​في تلك اللحظة، كنت غاضبة للغاية.

​"...لماذا أغلقت الخط بينما كنت أتحدث عبر الهاتف؟"

​لقد نسيت لبرهة أنني لست في موقف أو وضع يسمح لي بالتصرف بهذا الشكل. إلى هذا الحد تصاعد الغضب والغل في داخلي.

​لقد كانت مكالمة متصلة بالفعل! حتى لو أُتيحت لي فرصة استخدام الهاتف مجدداً، لم أكن أعلم ما إذا كنت سأتمكن من التحدث إلى "هونغ-باي" أوبا مرة أخرى أم لا...

​شعرت وكأن هدية كنت أقبض عليها بيدي قد أُفتُرسَت  مني في اللحظة التي فتحت فيها غلافها. ومع توتر عقلي الشديد، وطبيعتي الشرسة في الأصل، انفجرتُ غضباً دون أن أبالي بأن قناع الرقة الذي ارتديته طوال هذا الوقت كان يُنزع عن وجهي.

​"لماذا...! كيف أمكنك ذلك...! لا، سأواصل التحدث عبر الهاتف."

​وبينما حاولت التقاط السماعة، دفع رئيس السجانين "غي" الهاتف إلى الطرف الآخر من المكتب.

​"وقت مكالمات النزلاء أقل من دقيقة واحدة. أي شيء أكثر من ذلك يعد انتهاكاً للوائح."

​أُصِبتُ بالذهول والصدمة.

​"هاه، هذا مضحك حقاً. أنت تتحدث معي عن اللوائح والأنظمة الآن؟"

​بعد كل ما فعلته معي، فإن إحضاري إلى هذه الغرفة المعزولة والسماح لي بإجراء مكالمة هاتفية سرية كان في الأساس خروجاً صارخاً عن اللوائح منذ البداية!

​"رئيس السجانين 'غي'. هل تفعل هذا حقاً؟ لا يمكنك فعل هذا بي. نحن—"

​ماذا تقصدين بـ "نحن"؟ كيم غوم-مي، استجمعي نفسكِ. في هذا الموقف، كان عليكِ استمالته . ورغم معرفتي بذلك، لم أستطع إيقاف الكلمات المنطلقة من فمي.

​"ألم تكن شخصاً يمكنه فعل أي شيء لأجلي، يا رئيس السجانين 'غي'؟"

​لقد نمنا  معاً، أليس كذلك؟ عندما كنا مع بعضنا كالمجانين، والآن أنت—

​"رقم 7059، هل اعترفتِ لي بحبكِ منذ البداية متوقعة هذا النوع من التسهيلات؟"

​"……."

​عجزت عن الكلام في تلك اللحظة. هل أسمي هذا براءة أم أصفه بالمكر والذكاء كالثعالب؟ استمر كلام الرجل، مع ارتفاع نهايات جُمَلِهِ بنبرة خفيفة بصرف النظر عن طبقة صوته.

​"ألم تقولي إنكِ تحبينني؟"

​لم أستطع فهم سبب طرح هذا الموضوع فجأة.

​"إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا تستطيعين الامتثال لما أطلب منكِ عدم فعله؟ لقد لبيّتُ كل ما طلبتهِ حتى الآن، فلماذا أنتِ غاضبة جداً لمجرد عدم السماح لكِ بإجراء مكالمة هاتفية واحدة؟"

​"……."

​"من يكون هذا الرجل المدعو 'لي هونغ-باي'؟"

​"...إـ إنه ابن خالي (أوبا). كما أخبرتك، لست على وفاق مع عائلتي البيولوجية على الإطلاق، لذا من الصعب الاتصال بهم حالياً..."

​كان موقف رئيس السجانين "غي" أكثر حزماً مما توقعت، وفقدت شجاعتي دون وعي. الآن وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد، بدا أن الانطباع الأول الذي أخذته عن رئيس السجانين "غي" كان صحيحاً. شعور بالضغط والرهبة. بالطبع من الناحية الجسدية، ولكن من الناحية الذهنية أيضاً، كان هناك شيء فيه يمكنه تحطيم روح المرء في لحظة.

​"ألا يمكنني فقط إخباره بمكاني؟ هذا كل شيء! سأنتهي خلال ثلاثين ثانية، حسناً؟"

​"لا."

​كان أمراً يمكن حله بمكالمة هاتفية واحدة فقط. ما مدى صعوبة ذلك؟ الرجل الذي أحضرني إلى هنا طوال هذا الطريق، والذي يتحدث الآن عن اللوائح، بدا فجأة غريباً وغير مألوف.

​يقولون إن البشر يزدادون يئساً عندما يُنتزع منهم شيء كان في أيديهم. لقد التقط الرجل صندوق الهدية المسمى "الأمل" والذي كان بين يديّ قبل لحظات، وألقاه جانباً بلامبالاة.

​"إـ إنه ليس بالشيء الصعب حتى... فقط القليل، القليل فقط، حسناً؟"

​ضممت يديّ معاً وترجيته.

​"المزيد من الانتهاك للوائح غير مسموح به."

​"...ظننت أننا تجاوزنا ذلك الخط بالفعل، تلك الأنظمة واللوائح... ألم يكن الأمر كذلك؟ ظننت أن مشاعري وإعجابي بك كانا كافيين لتجاوزها..."

​قد يكون الأمر وقحاً، لكنني كنت أظن ذلك حقاً. لقد قلت إنني أحبك، أليس كذلك؟ ألم يكن ذلك كافياً؟ لقد أعطيتك قلبي وجسدي أيضاً.

​هل كنت أطلب شيئاً عظيماً؟ إنها مجرد مكالمة هاتفية واحدة. ألا يمكنك فعل ذلك؟

​في تلك اللحظة، أدركتُ. أن توقعاتي من رئيس السجانين "غي" كانت عالية جداً.

​ألم يكن ذلك مفهوماً؟ رجل لم يكن يدع مجالاً لرأس إبرة للدخول، انهار وسقط أمام اعتراف "هام يوو-هي" بالحب و قام بتلبية كل ما طلبته.

​أطلق رئيس السجانين "غي" تنهيدة خفيضة أمام سؤالي. وأعاد الإجابة بنبرة رسمية عملية، وكأنه يتحدث إلى طالب بطيء الفهم. بحزم شديد، وكأن هذا الشيء المباشر وحده هو أصل كل الأفعال، حتى لو كان كل شيء آخر مائلاً .

​"هذا سجن—"

​"……."

​"—والرقم 7059 مجرمة."

​الرجل الذي كان قلبه يخفق وكأنه سينفجر عند اعترافي بحبه، قال مثل هذه الكلمات! وكأنه أمر لا مفر منه. وكأنه أمر طبيعي تماماً، وواصل كلامه:

​"أتمنى أن تفهمي قليلًا أننا لسنا في موقفين متكافئين."

​"ماذا... ماذا قلت؟"

​استمر بتعبير يبدو عليه بعض الضيق والارتباك:

​"أنا شخص عليّ واجب الإشراف على الرقم 7059 والسيطرة عليها. مجرد أننا تشاركنا ذلك النوع من العلاقة لا يعني أننا نقف في نفس الخط."

​انتشر طنين وزنين في أذنيّ.

​"لا يمكنكِ ممارسة كل ما تستمتعين به في الخارج."

​لأنكِ مجرمة.

​في تلك اللحظة، شعرت بمشاعر معقدة لا تُوصف. رغم أنها كانت حقيقة أعرفها بالفعل، إلا أن الحقائق المعززة التي تأكدت عبر فم رئيس السجانين "غي" اندفعت نحوي كمشاعر غريبة وغير مألوفة.

​مشاعر متشابكة بطريقة معقدة للغاية—فراغ، خيبة أمل، غضب، ظلم، وسخرية عميقة من الذات—كلها كانت تعبث في داخلي كما تشاء. وبشكل مثير للضحك، يبدو أنني أُصِبتُ بصدمة صغيرة أيضاً.

​ألم تكن خطتي منذ البداية هي مجرد تحقيق هدفي؟ إذا فشلت هذه المرة، عليّ فقط المحاولة مرة أخرى في المرة القادمة. وحتى ذلك الحين، كان عليّ فقط إذابة رئيس السجانين "غي" ببطء بوجه جميل وموقف لطيف.

​لذا لم يكن ينبغي لي الشعور بهذه المشاعر الآن. لم يكن ينبغي أن أستطعم هذا الطعم المر في فمي، وكأنني أضع عرقسوس تحت لساني.

​لسنا متكافئين. أنتِ لستِ على نفس الخط معي.

​خفق قلبي بنبضات غير سارة ومضطربة. ويا للغرابة، كان نفسي قصيراً. شيء ما لم أستطع تمييز ما إذا كان دموعاً أم غضباً أخذ يسخن عينيّ.

​عندما لم أعد أقول أي شيء آخر، تفحص رئيس السجانين "غي" ساعة يده وأطلق تنهيدة خفيفة. ثم فتح الباب وانتظرني لأخرج.

​سحبتُ حذائي المطاطي الأبيض، وغادرت عبر الباب الذي فتحه.

​دون كلمة واحدة، وبينما كنت عائدة إلى الزنزانة متبعة أضواء الممر الخاطفة، شعرت به ينظر إليّ عدة مرات، لكنني لم أفتح فمي.

​فقط عندما درت حول الزاوية ورأيت الباب الحديدي المألوف من بعيد، تحدثت أخيراً:

​"أخبرتني أنني إنسانة."

​"……."

​"هذا مكان يعيش فيه البشر، والرقم 7059 إنسانة أيضاً. ...ألم يكن هذا ما قلته؟"

​وبينما كنت أعبر الممر الرمادي، حركت المشاعر المعقدة التي شعرت بها وفحصت أعماقها. وفي ذلك القاع، لامست أيضاً بعض الشعور التائه وغير المتناسق الذي شعرت به تجاه رئيس السجانين "غي" طوال هذا الوقت.

​"ولكن في النهاية، يا رئيس السجانين 'غي'، كنت تفكر بي كمجرمة أولاً قبل أن تراني كإنسانة."

​المعلمه "آن" ناداتني بالمجرمة ولكنها ظلت تراني كبشر. لهذا السبب أحضرت لي السجائر حتى لو كان ذلك يعني مخالفة قناعاتها. رغم أنني لم أعطها شيئاً في المقابل.

​من ناحية أخرى، فإن رئيس السجانين "غي"، بينما كان يناديني بالبشر، رآني كمجرمة في المقام الأول. وفرض السيطرة والقيود على امرأة قالت إنها تحبه، حتى لو كان ذلك كذبة. لأن تلك المرأة لم تكن ندّاً له، ولأنه لم يرها كشخص من نفس نوعه.

​لذا كنت أعيش شعوراً بالخيانه. من رئيس السجانين "غي"، الذي بدا مختلفاً بين الأمام والخلف، وبين الظاهر والباطن.

​إنه أمر يدعو للضحك حقاً. أنا أعلم. ليس شيئاً ينبغي لي قوله، بعد أن أطلقت اعترافاً كاذباً بالحب لاستغلال رجل.

​لكن فكر في الأمر. داخل هذا السجن، كنتُ أنا الضعيفة تماماً، وكان رئيس السجانين "غي" هو القوي. كنتُ أنا الفريسة، وكان هو المفترس. وفي مثل هذه العلاقة، فإن نفاق الفريسة هو وسيلة للبقاء، بينما نفاق المفترس هو خداع وتضليل.

​لو أنه فقط لم يقل مثل تلك الأشياء، بأنني إنسانة وكل ذلك.

​لم يجب رئيس السجانين "غي" على كلماتي أيضاً. ولم أكن أتوقع منه ذلك على أي حال.

​عندما مشيتُ في الممر الطويل مرة أخرى ووقفت أمام الباب الحديدي المزين بالقضبان، تردد رئيس السجانين "غي" قليلاً.

​وكأنني أقول له أن يفتح الباب بسرعة، بينما كنت أحدث في القفل فقط، أخرج مفتاحاً من خصره وفك القفل بنقرة، فاتحاً الباب لي.

​وفي اللحظة القصيرة التي نقلت فيها خطواتي عبر الباب المفتوح، أطبقت قبضة مألوفة على أصابعي. من إصبعي الأوسط إلى الخنصر، ألقيت نظرة على اليد التي تقبض على يدي بقوة مع حرارة متقدة، ثم نفضتها بخفة.

​أُغلق الباب الحديدي أبطأ من المعتاد.

​وبعد توقف قصير، طق، طق، أخذ صوت خطوات الرجل يبتعد.

​وفقط بعد سماع ذلك الصوت، خلعت حذائي وخطوت إلى الغرفة حيث كان مشمع الأرضية الأصفر متشققاً ومكسوراً.

​داخل زنزانة الاحتجاز حيث لا يطفئون الأنوار أبداً حتى في الليل، رأيت أشخاصاً مستلقين ومتكورين على أنفسهم، مغطين بأغطية زرقاء داكنة، وبدا أنهم نائمون.

​كان صوت شخير "وانغ-نيو" هو الشيء الوحيد الذي يكسر الصمت.

​ليس هذا هو المكان الذي ينبغي أن أكون فيه. ماذا فعلت خطأً.... أنا لست مجرمة كما قال. أنا شخص مختلف عنهم، أنا التي....

​داخل الزنزانة كان الجو جافاً وبارداً، وكأن تيار هواء يتدفق للداخل. سحبت الغطاء الخشن فوق كتفي واستلقيت على جانبي باتجاه الدلو الخشبي ذي الرائحة الكريهة.

​كان هناك الكثير من الأغطية المغسولة في غرفة التخزين؛ أين ذهبت كلها؟ كانت رائحة الغطاء مثل رطوبة العفن.

​"...اللعنة."

​مسترجعة غرفة التخزين، سحبت أفكاري ذكريات من هناك بطبيعة الحال وعرضتها أمام عينيّ.

​اللعنة، حقاً اللعنة. معتمة بشتائم لم تكن لتلتصق بلساني مهما تمتمتُ بها، أغمضت عينيّ. لقد كان يوماً ملعوناً وسيئ الحظ للغاية.

إرسال تعليق

0 تعليقات